لكسر ظاهرة العزوف الانتخابي… قادة الأحزاب السياسية في الجزائر يحثّون على المشاركة الواسعة في التشريعيات


التركيز المكثف على المشاركة يبدو إدراكا مشتركا لدى الفاعلين السياسيين بأن التحدي الأكبر لا يتمثل فقط في حصد المقاعد، وإنما في إقناع الناخبين بجدوى العملية الانتخابية نفسها.

الجزائر ـ «القدس العربي»:  دخل قادة الأحزاب السياسية في الجزائر الحملة الانتخابية للتشريعيات، بخطابات تتفق على أولوية دعوة المواطنين للمشاركة القوية في اقتراع الثاني من تموز/يوليو المقبل، في مسعى يبدو أنه يتجاوز التنافس التقليدي على المقاعد البرلمانية نحو رهان أوسع يتعلق بمستوى الإقبال الشعبي على صناديق الاقتراع، بعد سنوات من تسجيل نسب متدنية أثارت نقاشا متواصلا حول تمثيلية المؤسسات المنتخبة في البلاد.

ومنذ اليوم الثاني من الحملة الانتخابية التي انطلقت رسميا تمهيدا لاستحقاق الثاني من تموز/يوليو 2026، ملأ زعماء الأحزاب قاعات الولايات بنداءات التعبئة. رئيس جبهة المستقبل فاتح بوطبيق دعا من ولاية الشلف إلى مشاركة «قوية»، والأمين العام لحركة النهضة محمد ذويبي طالب المواطنين باختيار «الأكفاء»، فيما رفع الأمين العام لجبهة التحرير الوطني عبد الكريم بن مبارك شعار المسؤولية الوطنية، قائلا إن المشاركة الواسعة هي «ضمانة لنجاح هذا الموعد الديمقراطي». وعلى النهج ذاته، خرجت الأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون ببرنامج وصفته بـ«القوي والشامل»، ودعا رئيس حركة مجتمع السلم عبد العالي حساني شريف من تيميمون الناخبين إلى التصويت لقائمة حزبه.
ويعكس هذا التركيز المكثف على المشاركة إدراكا مشتركا لدى الفاعلين السياسيين بأن التحدي الأكبر لا يتمثل فقط في حصد المقاعد، وإنما في إقناع الناخبين بجدوى العملية الانتخابية نفسها، خاصة في ظل استمرار مظاهر العزوف التي طبعت أغلب الاستحقاقات الوطنية خلال السنوات الأخيرة. ومنذ بداية المسار الانتخابي الذي أعقب حراك 2019، ظلت نسب المشاركة تشكل أحد أبرز عناصر الجدل السياسي. ففي الاستفتاء الدستوري لسنة 2020 بلغت نسبة المشاركة الرسمية 23.7 في المئة فقط، بينما سجلت الانتخابات التشريعية لسنة 2021 نسبة مشاركة وطنية بلغت 30.20 في المئة، بينما ارتفعت النسبة في الرئاسيات الأخيرة قليلا لتقترب من 50 في المئة.
وضمن هذا المزاج الشعبي العام غير المنخرط بقوة في العمليات الانتخابية، تبدو الدعوة الحالية إلى المشاركة محاولة لتجاوز الصورة التي رافقت البرلمانات خلال السنوات الماضية، والتي تعرضت باستمرار لانتقادات بسبب ضعف الإقبال على الانتخابات التي أفرزتها. فارتفاع نسبة المشاركة يمنح المؤسسات المنتخبة هامشا أكبر من الشرعية السياسية والتمثيلية. كما تراهن بعض الأحزاب على المشاركة الواسعة باعتبارها فرصة لإحداث توازنات جديدة داخل المجلس الشعبي الوطني وعدم إعادة إنتاج المشهد التقليدي الذي تتصدره عادة الأحزاب الكبرى صاحبة الامتداد التنظيمي الواسع.
غير أن هذا المسعى يصطدم في الوقت نفسه بعدد من العوامل التي قد تؤثر على مستوى التعبئة الانتخابية. ومن أبرزها الجدل الذي رافق تطبيق المادة 200 من قانون الانتخابات، والتي أدت إلى إسقاط ملفات عدد من المترشحين خلال مراحل دراسة القوائم. ورغم اختلاف التقديرات بشأن التأثير الفعلي لهذه الإقصاءات على نتائج الاقتراع، فإن عددا من الأحزاب والشخصيات السياسية أثاروا مخاوف من انعكاسها على الحماس الانتخابي في بعض الدوائر، خاصة عندما يتعلق الأمر بمترشحين يتمتعون بحضور محلي أو قواعد انتخابية معروفة. ويرى متابعون أن خروج بعض الأسماء ذات الامتداد المحلي من السباق قد يؤدي إلى عزوف جزء من ناخبيها التقليديين، خصوصا في المناطق التي ترتبط فيها العملية الانتخابية بشخصيات أكثر من ارتباطها بالأحزاب.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، تبرز منطقة القبائل إحدى أبرز معاقل أحزاب المعارضة، كواحدة من المناطق التي قد تشهد تطورا مختلفا مقارنة بمحطات سابقة. فالمعطيات المتعلقة بالقوائم المترشحة أظهرت أن ولاية تيزي وزو جاءت في صدارة الولايات من حيث عدد القوائم المودعة، بعدما سجلت 23 قائمة، بينها 12 قائمة حزبية و11 قائمة حرة، وهو رقم يعكس مستوى مرتفعا من التنافس السياسي مقارنة بولايات أخرى. ويكتسي هذا المؤشر أهمية خاصة بالنظر إلى أن المنطقة ارتبطت خلال السنوات الماضية بمعدلات مشاركة ضعيفة وموجات مقاطعة واسعة، خاصة خلال الاستحقاقات التي أعقبت الحراك الشعبي. لكن المشهد الحالي يبدو مختلفا نسبيا مع عودة أحزاب تقليدية إلى المنافسة الانتخابية وتوسيع حضورها الميداني.
وتشارك في هذه الانتخابات أحزاب لها حضور تاريخي في المنطقة، مثل جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، والتي ارتبط اسمها في مراحل سابقة بخيارات المقاطعة أو التحفظ على المسار الانتخابي. وقد يدفع هذا التطور نحو استقطاب شرائح من الناخبين الذين كانوا يجدون أنفسهم خارج العملية الانتخابية بسبب غياب الأحزاب التي اعتادوا التصويت لها.
غير أن هذا الاتجاه لا يلغي استمرار وجود أصوات ترفض المشاركة في الانتخابات. ومن هذه المواقف ما يطرحه المعارض كريم طابو، الذي جدد رفضه للمسار الانتخابي الحالي، معتبرا أن الانتخابات تجري في ظل ظروف لا تسمح، بحسب رؤيته، بإحداث تغيير سياسي حقيقي.
وفي الواقع، ظل الاختلاف سائدا في الجزائر حول تفسيرات العزوف الانتخابي، فهناك من يقلل من شأنه ويعتبره ظاهرة عالمية لا تخص الجزائر وحدها، ويربطه بتراجع الاهتمام بالعمل السياسي والمؤسسات المنتخبة في العديد من دول العالم حتى الديمقراطية منها، وهو ما يجعل العزوف، من وجهة نظرهم، ظاهرة اجتماعية وسياسية أوسع من مجرد التعبير عن موقف من السلطة.
ويذهب اتجاه آخر إلى أن العزوف لا يمكن اعتباره بالضرورة مقاطعة سياسية منظمة أو موقفا جماعيا من النظام السياسي، مستدلا على ذلك بعدم تشكل تيار سياسي واضح يمثل المقاطعين أو يتحدث باسمهم. كما يشير أنصار هذا الرأي إلى أن الأحزاب المعارضة لم تنجح في تحويل نسب العزوف المرتفعة إلى رصيد انتخابي أو سياسي لصالحها، وهو ما يوحي، بحسبهم، بأن جزءا مهما من الممتنعين عن التصويت يقف على مسافة واحدة من السلطة والمعارضة، ويعبر عن حالة من اللامبالاة أو فقدان الاهتمام بالشأن السياسي أكثر مما يعبر عن موقف احتجاجي منظم.
في المقابل، يتمسك اتجاه ثالث بقراءة سياسية للعزوف، ويرى أن المقاطعة المتكررة للاستحقاقات الانتخابية تحمل دلالات تتجاوز مجرد اللامبالاة أو العزوف التقليدي. ويعتبر أصحاب هذا التوجه أن نسب المشاركة الضعيفة تعكس أزمة ثقة متواصلة بين جزء من المواطنين والمؤسسات السياسية، كما تعبر عن اقتناع متزايد لدى فئات من الناخبين بأن الانتخابات لم تعد تمثل وسيلة فعالة لإحداث تغيير ملموس في موازين الحكم أو السياسات العامة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *