جنين ـ «القدس العربي»: آخر التصريحات الاحتلالية التي لها علاقة بمجمل مجريات الميدان كانت من وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس، وحسب ما نقلته القناة السابعة، فقد قال «سنستمر في ضرب إيران بقوة، ولن ننسحب من المناطق العازلة في سوريا ولبنان وقطاع غزة، وسنبقى في مخيمات الإرهاب شمال الضفة الغربية».
ما يهمنا في هذا التصريح هو حديثه عن مخيمات شمال الضفة الغربية التي ما زالت حسب التصور الإسرائيلي مكانا مهما في تطور العقيدة الأمنية الإسرائيلية.
وكإحدى التداعيات لهذه الرؤية قرر الاحتلال تدشين معسكر احتلالي فوق مخيم جنين، وهو ما اعتبر ثقلا إضافيا سقط على سكان محافظة جنين بعد أن عاد التمدد الاستيطاني إلى ثلاث مناطق حتى اللحظة.
لقد عادت جنين الأسبوع الماضي إلى صدارة الأخبار وذلك بعد أن أعلن جيش الاحتلال، الخميس الماضي، عن إصابة ضابط بجروح خطيرة وجندي آخر بجروح طفيفة جراء انفجار عبوة ناسفة خلال عملية عسكرية نفذتها قواته في حي الجابريات بمدينة جنين.
وقع الانفجار خلال عمليات التجهيز لإقامة موقع عسكري دائم داخل مخيم جنين، وذلك لأول مرة في منطقة مصنفة A وفقًا لاتفاقيات أوسلو بحسب إعلام إسرائيلي، لكن باحثا فلسطينيا شكك في دقة هذه التصريحات وتحديدا اعتبار الحادثة الأولى التي يتم تدشين موقع عسكري في مناطق «أ» أي تخضع للسيطرة الأمنية الفلسطينية.
ومنذ إطلاق الاحتلال ما تسمى عملية «السور الحديدي» في كانون الثاني/يناير 2025، تسببت العمليات الإسرائيلية بتهجير عشرات آلاف الفلسطينيين من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، إلى جانب تدمير واسع للمنازل والبنية التحتية داخل المخيمات.
وكانت صحيفة «هآرتس» العبرية، قد كشفت تدشين الموقع العسكري الدائم في منطقة الجابريات، وهي منطقة تطل على المخيم من جهة الجنوب، وذلك بعد أن وقع قائد المنطقة الوسطى في الجيش في 7 أيار/مايو الماضي أمرا بمصادرة أراضٍ بغرض إقامة موقع عسكري دائم قرب المخيم.
وجاء هذا الإقرار ضمن رد قدمه جيش الاحتلال على التماس ضد استمرار تهجير عشرات آلاف الفلسطينيين من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، ومنعهم من العودة إلى منازلهم منذ كانون الثاني/يناير 2025.
وزعم جيش الاحتلال في رده أن الموقع العسكري الجديد «يهدف إلى استبدال مكوث قوات الاحتلال داخل منازل السكان في مخيم جنين، وتنظيم انتشار قوات الاحتلال في المنطقة برؤية طويلة الأمد، كجزء من توفير الظروف العملياتية اللازمة للخروج الآمن من المخيم».
إلا أن مصادر مطلعة قالت لـ«هآرتس» إن القاعدة قد تكون مخصصة أيضا لتوفير الحماية للمستوطنين الذين يتوقع أن يعودوا للاستيطان في محيط جنين، في ظل الخطوات التي تدفع بها حكومة الاحتلال لتعزيز الاستيطان شمال الضفة.
وتتميز منطقة الجابريات بموقع استراتيجي مرتفع يطل على مخيم جنين وأحياء واسعة من المدينة وسهل جنين، ما يجعلها نقطة مراقبة وإشراف ذات أهمية عسكرية.
الباحث ومدير عام التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أمير داوود يسجل مجموعة من الملاحظات حول هذا القضية، أولها أن دولة الاحتلال في العامين الماضيين تواصل استهداف مدينة جنين على وجه التحديد بجملة كبيرة من الأوامر العسكرية التي تهدف إلى إقامة مواقع عسكرية وشق طرق أمنية وعسكرية تمهيدا لعودة الاستيطان إلى هذه المنطقة.
بحسب داوود فإن النظرية الأمنية الإسرائيلية تقول إنه لا يمكن إعادة الاستيطان إلى منطقة متواصلة جغرافيا من دون بنية تحتية أمنية وعسكرية تمهد وتحمي البناء الاستيطاني، «لذلك شاهدنا كثافة كبيرة في إنشاء المواقع العسكرية وشق الطرق الأمنية في هذه المنطقة حماية للمواقع الاستيطانية».
ويخالف الباحث الفلسطيني ما نقلته الصحافة الإسرائيلية التي قالت إنها المرة الأولى منذ توقيع اتفاق أوسلو يتم الاستيلاء على مناطق تحمل تصنيف «أ»، حيث يقول: «هذا ليس صحيحا، هناك الكثير من الأوامر العسكرية التي أصدرها جيش الاحتلال في مناطق تحمل تصنيف أ منذ توقيع اتفاق أوسلو وعلى رأسها ما حدث في العام 2017 عندما أصدر جيش الاحتلال أمرا عسكريا يقيم موقعا عسكريا في منطقة جنوب محافظة الخليل، وتحديدا على أراضي خربة خرسا التابعة لأراضي مدينة دورا.».
ويضيف: «بعد اتفاق أوسلو كانت هناك مجموعة من الأوامر العسكرية الصادرة لصالح إقامة وشق جدار الضم والتوسع وبعض هذه الأوامر تتقاطع مساحات المصادرة مع مساحات مصنفة مناطق أ».
وتابع حديثه حول ذات النقطة: «لقد أبقى جيش الاحتلال منذ تلك الفترة وحتى هذه اللحظة على ما يقرب من 1400 دونم مصنفة من أراضي أ تحت السيطرة الأمنية والعسكرية بحجة وجود مواقع عسكرية قريبة أو بحجة مرور جدار الضم والتوسع في هذه المناطق».
ويشدد على أنها رغم كونها ليست سابقة في إطار المرجعية لاتفاق أوسلو إلا أنها من الحالات القليلة، لكنها جزء من سياسة دولة الاحتلال التي تطرق هذا الباب للسيطرة باعتبار أن الحجة الأمنية تمكنها من التغلغل والتسلل إلى أي منطقة في الضفة الغربية.
وبالعودة إلى مخيم جنين، يرى داوود أنه أحد المخيمات التي شنت دولة الاحتلال عليها «حملة حربية» ودمرت خلالها وما زالت البنية التحتية والمنازل، وأبقت المنطقة وكامل جغرافيا مخيم جنين أسفل ما نطلق عليه بالمنطقة العسكرية المغلقة.
وأضاف: «لقد طردت السكان ورحلتهم قسريا، واعتدت على البناء الفلسطيني في هذه المنطقة. تصنف المنطقة على أنها منطقة حربية، ولذلك تمنح لنفسها ذريعة إقامة موقع عسكري، وهي بنية لانطلاق المركبات العسكرية لحماية البناء الاستيطاني المنوي بناءه في المنطقة».
ويختم: «ظلت جنين لسنوات متشافية من سرطان الاستيطان، كان ذلك على مدار عقدين من الزمن، أما ما يحدث اليوم فيعكس عبث دولة الاحتلال بجغرافيا المحافظة عبر التقطيع والبناء الاستيطاني».
مجموعة أهداف
الباحث في التحولات السياسية الدكتور إبراهيم ربايعة قرأ التحول من السيطرة إلى تدشين موقع عسكري مطل على المخيم، بالتأكيد على أنه جزء من أدوات الضغط والمراقبة التي يعمل عليها الاحتلال الإسرائيلي
والهدف هو إعادة هندسة المخيم ضمن ضوابط لإعادة الإعمار.
ويرى ربايعة أن أحد أهداف الاحتلال هو العمل على خلق استجابة سريعة، كذلك خلق حالة من الشعور بالرقابة الدائمة، وهو ما يحقق البعد الأمني للاحتلال، إلى جانب ضبط عملية إعادة الإعمار وفق الضوابط التي وضعها الاحتلال، وبالتالي ضمان عدم عودة من لا يريده الاحتلال للسكن في المخيم، وضمان عملية الإعمار ضمن الخطط التي وضعها الاحتلال ذاته.
ورأى أن ذلك جزء من مقاربة أمنية جديدة تستحدثها إسرائيل «فالأمن لا يتصل برد الفعل على حدث معين، بل تكريس الأمن الاستباقي وتعزيز فكرة أن يستشعر الفلسطيني المراقبة بشكل دائم».
يكمل حديثه مشددا على أن هناك أبعادا محددة في شمال الضفة الغربية حيث الهدف تفكيك المخيم وهو أمر لا يتم فقط عبر التدمير والمسح بل يتم عبر إطالة أمد التهجير وإجبار الفلسطيني على التكيف مع الحالة الاجتماعية التي فرضها التهجير القسري منذ أكثر من عام ونصف العام، وهو أمر سيخلق بيئة سكانية ومجتمعا جديدا وفق أبعاد اقتصادية جديدة يصعب التخلي عنها، وبالتالي تصبح عملية العودة للمخيم غير محفزة لكثيرين وهو أمر يقود إلى تحييد مجتمع اللاجئين في مخيم جنين وغيره من المخيمات شمال الضفة.
البعد الثاني بحسب الباحث ربايعة يرتبط بضبط العملية في الداخل عبر تثبيت المخطط المكاني المفروض من الاحتلال، حيث نلحظ حتى اليوم استمرار عمليات التهجير وشق الطرق والتفجيرات داخل المخيمات وإخراج المزيد من العائلات في محيطها.
أما البعد الثالث فيرتبط ببعد سياسي أكبر في قلب مناطق السلطة الفلسطينية «أ»، فالأمر يتساوق مع هدف إضعاف السلطة الفلسطينية، وهو ما نرى ملامحه في مشروع المتطرف ووزير المالية بتسئليل سموتريتش.
وأضاف: «من الصعب الحديث عن العودة للمخيمات في ظل احتدام الحديث عن الانتخابات الإسرائيلية، فالضفة اليوم هي ورقة مهمة لليمين الإسرائيلي في التنافس على الانتخابات الإسرائيلية».
ويختم ربايعة مشيرا إلى أنه لا يمكن عزل النقطة الأمنية (المعسكر) عن الحالة الاستيطانية المتواصلة في جنين، «نرى جهودا تقطع المحافظة على شكل رقعة شطرنج، وهي وإن كانت مقطعة يمكن القول إن جهود ربطها وخلق تواصل بينها يتحقق عبر طرق وشوارع محمية بنقاط استجابة تحاصر الفلسطيني وتمنع عنه إمكانية الحياة الطبيعية».
آليات السيطرة الخمس
في ذات السياق، يظهر بحث آيات حمدان الباحثة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، التحوّل البنيوي الذي طرأ على العقيدة الأمنية الإسرائيلية في الضفة الغربية بعد هجوم 7 أكتوبر 2023، وأثره في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين.
وحمل البحث عنوان: «من (جزّ العشب) إلى (عقيدة الانتقام): الحرب الإسرائيلية على المخيمات في الضفة الغربية (2022-2026)»، وخلاله فككت الباحثة الافتراض الذي قامت عليه استراتيجية «جزّ العشب» التي صاغها فرايم إنبار وإيتان شامير، والتي اعتبرت العنف وسيلةً لإدارة التهديد لا للقضاء عليه. وهو افتراض انهار بعد تشرين الأول/أكتوبر 2023، وأن ما حلّ محله ليس تصعيدًا في الوسائل فحسب، بل إعادة تعريفٍ للهدف من احتواء المجتمع الفلسطيني إلى تدميره أيضًا. وأطلقت على هذا التحوّل اسم «عقيدة الانتقام»، التي تتشكّل من تداخل ثلاثة مسارات داخل التفكير الأمني الإسرائيلي، هي: الردع بالعقاب، والتدمير النموذجي القابل للتكرار كعقيدة الضاحية، ونموذج إدارة السكان.
وفي هذا السياق، طوّرت الباحثة مفهومًا مواكبًا أسمته «العنف الإبادي المتدرج»، موضحةً أن عقيدة الانتقام لا تعمل عبر تطبيق متجانس للقوة، بل عبر إنتاج تدرّج مقصود في مستويات التدمير بين المخيمات، بحيث يتحوّل تدمير مخيمٍ ما إلى أداة ضغط على المخيمات الأخرى. وأكدت أن الإبادة الجماعية في غزة شكّلت اللحظة التأسيسية لهذه العقيدة؛ إذ أعادت معايرة سقف العنف الممكن داخل العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وحوّلت «نموذج غزة» من حدث استثنائي إلى أفق مرجعي يُعاد تطبيقه في الضفة الغربية.
وجاء في البحث تحديد خمس آليات متشابكة تعمل من خلالها هذه العقيدة. تتمثّل الأولى في إنتاج الخوف بوصفه بنية تنظيمية يومية تُعيد تشكيل الزمن والحركة والعلاقات، لا استجابةً عاطفيةً لحدث عابر. أمّا الآلية الثانية، فهي التحوّل من العقاب الفردي إلى العقاب الجماعي؛ إذ انفصال العنف عن أي منطق أداتي يرتبط بسلوك الخصم. وتمثّلت الآلية الثالثة في التهجير، بوصفه تفكيكًا للنموذج الاجتماعي القائم على الانتماء والحماية، لا إزاحة مكانية فحسب. والآلية الرابعة تتعلق بالسيطرة على الجسد والمكان، عبر إجراءات الترقيم والتفتيش الجسدي ونقاط التفتيش المتعددة، بوصفها أدوات لإعادة تعريف علاقة اللاجئ بحقه في الوجود. أما الآلية الخامسة فتتمثل في استهداف المخيم ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى «الأونروا»، معًا، باعتبارهما الحاملَين الماديَّين والقانونيَّين لقضية اللاجئين.