حين يدخل الدين معركة اليمين.. مؤثرون مسيحيون يثيرون قلق ألمانيا


برلين- “القدس العربي”: يبدو أن صعود اليمين الشعبوي في ألمانيا لم يعد يمر فقط عبر الخطب الانتخابية والبرامج الحزبية. فهناك جبهة أخرى أكثر نعومة وأقل مباشرة: مؤثرون على مواقع التواصل يستخدمون اللغة الدينية والرموز المسيحية والقصص المشحونة عاطفيا، قبل أن تمتزج هذه اللغة، في بعض الحالات، بنظريات المؤامرة وخطاب اليمين المتطرف.

الجديد أن هذه الظاهرة باتت في مرمى جهاز حماية الدستور، أي الاستخبارات الداخلية الألمانية. فبحسب وكالة الأنباء الألمانية، قالت حكومة برلين في رد على طلب إحاطة من حزب الخضر إن الجهاز يراقب فاعلين ومجموعات تسعى إلى نشر أيديولوجيا متطرفة بغطاء مسيحي أو شبه مسيحي.

وتشير الحكومة إلى أن بعض هؤلاء يستدعون في خطابهم “دوافع وخطابات مسيحية أو شبه مسيحية” لتبرير مواقف موجهة ضد فئات اجتماعية معينة أو لنشر روايات مؤامرة متطرفة. واللافت، بحسب الرد الحكومي، الذي نقلته الوكالة، أن بعض هؤلاء ينشطون كمؤثرين على وسائل التواصل، وأن لدى بعضهم اتصالات أو محاولات تشبيك مع أوساط سياسية، بينها أعضاء في حزب البديل من أجل ألمانيا.

بعض المؤثرين يستدعون في خطابهم “دوافع وخطابات مسيحية أو شبه مسيحية” لتبرير مواقف موجهة ضد فئات اجتماعية معينة أو لنشر روايات مؤامرة متطرفة

الدين كمدخل إلى السياسة

في بلد مثل ألمانيا، حيث تلعب الكنائس الكبرى دورا اجتماعيا مهما وتحرص غالبا على إعلان رفضها للعنصرية والتطرف، يحمل الحديث عن “مؤثرين مسيحيين” حساسية خاصة. لذلك يشدد حزب الخضر على أن المشكلة ليست مع المسيحية ولا مع الكنائس، بل مع توظيف الرموز الدينية في خدمة مشروع سياسي متطرف.

النائبة الخضراء مارليني شونبرغر قالت، بحسب الوكالة الألمانية، إن فاعلين من اليمين المتطرف يستخدمون صورا وروايات دينية لجذب الشباب. وذهبت أبعد من ذلك حين قالت إن ما يسمى بـ“Christfluencer”، أي المؤثرين المسيحيين، ممن لهم صلات بحزب البديل وحركة MAGA الأمريكية، يخلطون بين الأيديولوجيا اليمينية المتطرفة والرموز المسيحية ونظريات المؤامرة.

أما لمياء قدور، مسؤولة السياسات الدينية في كتلة الخضر، فطالبت الحكومة بمنح اهتمام أكبر لما وصفته باستغلال الرموز والروايات المسيحية من قبل اليمين المتطرف. هنا يصبح الدين، في نظر المنتقدين، ليس مجالا روحيا، بل أداة تعبئة وهوية وفرز: من نحن؟ ومن هم الآخرون؟ ومن يهدد “قيمنا”؟

لماذا لا تكشف الحكومة الأسماء؟

رغم خطورة الحديث، لم تكشف الحكومة الألمانية أسماء أو تفاصيل دقيقة عن هؤلاء المؤثرين والمجموعات. وبحسب وكالة الأنباء الألمانية، بررت برلين ذلك بأن نشر التفاصيل قد يدفع المعنيين إلى تطوير “استراتيجيات دفاعية”، ما يصعّب على جهاز حماية الدستور جمع المعلومات.

هذه الصياغة تكشف أن المسألة لا تتعلق فقط بنقاش ثقافي، بل بملف أمني وسياسي. فحين تقول الحكومة إن بعض هذه الأنشطة موجه ضد النظام الديمقراطي الحر، فإنها تضع الظاهرة في خانة مراقبة التطرف، لا في خانة حرية الرأي الديني فقط.

لكنها في الوقت نفسه تسير على حبل مشدود. فالدولة لا تريد أن تظهر وكأنها تراقب التدين أو الخطاب المسيحي المحافظ عموما، بل تقول إنها تراقب من يستخدم هذا الغطاء لترويج أفكار متطرفة أو تحريضية.

بنى الحزب اليميني الشعبوي جزءا من خطابه على فكرة الدفاع عن “الغرب” و”الهوية” و”الثقافة المسيحية” في مواجهة الهجرة والإسلام والعولمة والنخب السياسية

حزب البديل وجاذبية الرموز

قرب بعض هذه الدوائر من حزب البديل لا يأتي من فراغ. فالحزب اليميني الشعبوي بنى جزءا من خطابه على فكرة الدفاع عن “الغرب” و”الهوية” و”الثقافة المسيحية” في مواجهة الهجرة والإسلام والعولمة والنخب السياسية. وهذه المفردات تمنح الخطاب الديني المسيس أرضية سهلة للانتشار، خصوصا بين الشباب الذين يتلقون السياسة عبر تيك توك وإنستغرام ويوتيوب لا عبر بيانات الأحزاب.

وفي هذا المعنى، لا يحتاج الأمر دائما إلى عضوية حزبية أو تحالف رسمي. يكفي أحيانا أن تتحرك الرسائل في الاتجاه نفسه: خوف من فقدان الهوية، غضب من المؤسسات، حديث عن مؤامرات، واستدعاء رموز دينية باعتبارها دليلا على “النقاء” أو “الأصالة”.

الجدار الناري يهتز في الخلفية

تأتي هذه القضية بينما تعيش ألمانيا جدلا أوسع حول كيفية التعامل مع حزب البديل من أجل ألمانيا. فقبل انتخابات مهمة في شرق البلاد، حيث يتقدم الحزب في استطلاعات عدة، تتزايد الضغوط على الأحزاب التقليدية، خصوصا الحزب المسيحي الديمقراطي، للتمسك بما يسمى “الجدار الناري”، أي رفض أي تعاون مع الحزب اليميني الشعبوي.

وحذر عدد من قيادات الحزب المسيحي الديمقراطي من أي تعاون مع حزب البديل. رئيس جناح العمال في الحزب دينيس رادتكه قال لصحيفة فرانكفورتر ألغماينه زونتاغس تسايتونغ إن الحزب “سينتهي” في اللحظة التي يمد فيها يده إلى حزب البديل. وذهب وزير العمل في شمال الراين ويستفاليا كارل يوزيف لاومان إلى حد القول إنه سيغادر الحزب إذا حدث مثل هذا التعاون.

اشتعل هذا الجدل أيضا بعد صورة أثارت ضجة في ساكسونيا أنهالت، جمعت رئيس كتلة الحزب المسيحي الديمقراطي في الولاية غيدو هوير بمرشح حزب البديل أولريش زيغموند في وضع بدا وديا خلال فعالية عامة. وبحسب بيلد، نفى هوير أي تقارب سياسي، وقال إن الصورة توثق “مواجهة واضحة” لا تقاربا، مؤكدا التزامه بقرارات حزبه الرافضة للتعاون مع حزب البديل.

بين الحظر والحوار المشروط

في المقابل، لا يقتصر النقاش الألماني على الرفض المطلق أو التطبيع السياسي. فوزير المالية الأسبق بير شتاينبروك، وهو من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، طرح بحسب د ب أ مقاربة مختلفة تقوم على الإبقاء على “الجدار الناري” في المستقبل المنظور، مع التفكير في خطوط حمراء واضحة يمكن من خلالها اختبار ما إذا كان بالإمكان دفع حزب البديل، أو جزء منه، نحو موقع أقل تطرفا.

شتاينبروك رفض فكرة حظر الحزب ككل، معتبرا أن ناخبيه لن يختفوا بقرار قضائي، وأن فشل مسار الحظر أمام المحكمة الدستورية ستكون له نتائج كارثية. لكنه في الوقت نفسه دعا إلى التفكير في حرمان شخصيات بعينها من حقوق سياسية إذا ثبت أنها تستخدم الحقوق الديمقراطية لمحاربة النظام الديمقراطي الحر، وذكر تحديدا بيورن هوكه، أحد أبرز وجوه الحزب في تورينغن.

هذا النقاش يكشف مأزق الديمقراطية الألمانية اليوم: كيف تواجه حزبا يزداد حضوره الانتخابي من دون أن تمنحه شرعية سياسية مجانية؟ وكيف تمنع التطرف من التسلل إلى المجتمع من أبواب جانبية، بينها الدين والمنصات الرقمية؟

فالنصوص الحكومية نفسها، وتصريحات الخضر، تميّز بين الكنائس الكبرى وبين من يوظفون الرموز المسيحية سياسيا. المشكلة، كما تظهر من الرد الحكومي، ليست في الإيمان، بل في تحويل الإيمان إلى لغة فرز واستعداء وتعبئة ضد الديمقراطية. فالخطأ سيكون في قراءة القضية باعتبارها صراعا مع الدين. وهنا تكمن خطورة الظاهرة: المؤثر الديني لا يبدو دائما كسياسي. قد يبدأ بخطاب عن القيم والعائلة والهوية، ثم ينتقل تدريجيا إلى روايات عن المؤامرة والخيانة والعدو الداخلي. وفي عصر المنصات، لا تحتاج هذه الرسائل إلى حزب كبير كي تنتشر، بل إلى كاميرا، وخوارزمية، وجمهور غاضب أو خائف.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *