ميزانية الدفاع.. بين طلبات الجيش المتزايدة و”اقتصاد الصدمة”


في تشرين الثاني الماضي، في خضم اتفاق إعادة آخر المخطوفين من غزة، طلب نتنياهو مناقشة إعداد خطة جديدة للجيش الإسرائيلي متعددة السنوات. دخل نتنياهو إلى هذه النقاشات وكأنه في حالة صدمة، مع قائمة مشتريات ومعدات لعقد كامل، وتوجيهات ومفهوم جديد للأمن.

 أدت قائمة طلبات نتنياهو إلى ظهور وثيقة تعرف في وزارة المالية باسم “وثيقة الـ نعم”، مثلما أوضح مصدر مطلع على هذه الوثيقة السرية. هذا يعني أنها وثيقة لا سلم أولويات فيها، بل قائمة طويلة للمشتريات من أي شيء متاح، ومصممة لتلبية مفهوم الأمن المضخم الجديد، “زيادة مخزون السلاح والمعدات وإعداد القوات لمنصات قتال جديدة وإنشاء قدرات استخبارية في مسارح عمليات إضافية، وإضافة أسراب من الطائرات والسفن الحربية، وحتى تطوير منظومات فضائية”.

لقد أعدت هيئة الأمن القومي هذه الوثيقة وقدمتها لقسم الميزانيات في وزارة الدفاع والمالية، وحدد المستشار المالي لرئيس الأركان كلفة كل بند. وعند جمع كل التكاليف، بلغ المجموع 850 مليار شيكل.

 إذا قبلت طلبات نتنياهو، فهذا هو المبلغ الذي سيضاف لميزانية الدفاع في العقد القادم. بكلمات أخرى، 85 مليار شيكل في السنة، فقط لهذه الإضافة. كان واضحاً لكل شخص اطلع على الوثيقة أنه لا فائدة من هذه الوثيقة، إلا إذا تم إلغاء ميزانيات مدنية بحجم ميزانية جهاز الصحة بالكامل، ووقف كل مشاريع البنى التحتية في إسرائيل.

 بعد سلسلة تحسينات وإلغاء البنود غير الضرورية أو غير المستعجلة وترتيب الأولويات بمنطقية أكثر، تم إعداد ثلاث نسخ جديدة مخففة للوثيقة – بالإجمال 250 و350 و450 مليار شيكل. وعندما عرضت على نتنياهو، الذي أدرك بالفعل مدى سخافة طلبه الأول، اختار الخيار الوسط، إضافة 350 مليار شيكل. ومنذ ذلك الحين، يتحدث عن هذا المبلغ على اعتبار أنه سيضاف للميزانية في العقد القادم.

اقتصاد الصدمة

هناك مبلغ وهناك وثيقة مفصلة، ويمكن ظاهرياً السير قدماً. أين المشكلة إذاً؟ الخلاف الشائك بين وزارة الدفاع ووزارة المالية لا يدور حول إضافة 350 مليار شيكل، بل حول تحديد الميزانية الأساسية التي سيضاف إليها هذا المبلغ.

هل سيضاف إلى ميزانية الدفاع السنوية التي كانت قبل 7 أكتوبر، والتي بلغت 70 مليار شيكل حسب وزارة المالية، أم إلى ميزانية أساسية تبلغ 120 مليار شيكل كما تطلب وزارة الدفاع؟ هذا المبلغ يعكس الوضع الأمني الجديد الذي يشمل ثلاثة قطاعات أمنية، غزة ولبنان وسوريا، وجولات القتال مع إيران.

هذا الخلاف يؤدي إلى سلسلة طلبات لوزارة المالية من المؤسسة الأمنية، خاصة من مدير عام الوزارة، اللواء (احتياط) أمير برعام، بسبب خروج ميزانية الدفاع عن السيطرة وعدم إدارتها بشكل سليم. مسؤول رفيع في وزارة المالية قال عن طريقة إدارة ميزانية الدفاع: “هذا اقتصاد صدمة”.

حسب وزارة، المالية فإن إخفاق المؤسسة الأمنية في 7 أكتوبر فرض في السنتين والنصف الأخيرتين نهجاً يقوم على شراء كل ما هو متاح وتجنيد الاحتياط دون أي محاسبة. هذا نهج غير مسؤول اقتصادياً ويتجاهل تكلفة النفقات الأمنية المتزايدة باستمرار، التي تفاقم الدين الوطني العام. تقر المؤسسة الأمنية بأن إدارة الاحتياط كانت بعيدة جداً عن الكفاءة المثلى، ولكنها تقول بأنه “حتى لو كان هناك تبذير 15 – 20 في المئة، فهذه أمور تحدث في حرب طويلة وشرسة مثل هذه الحرب”.

في محاولة لحل الخلاف حول ميزانية الدفاع للعام 2026 تم مساء الإثنين عقد لقاء بمشاركة رئيس الحكومة ووزير المالية ووزير الدفاع وكبار المسؤولين في الوزارتين.

قبل ثلاثة أشهر، أقرت الحكومة ميزانية دفاع بمبلغ 143 مليار شيكل، بعد زيادة من 112 مليار شيكل في بداية السنة. ولكن المؤسسة الأمنية غير راضية عن ذلك، وتطالب بميزانية تبلغ 188 مليار شيكل في هذه السنة بذريعة أن التطورات في لبنان وإيران وقطاعات أخرى تحتاج إضافة 45 مليار شيكل مقارنة مع المبلغ المعتمد. وتشعر وزارة المالية بغضب من هذا الطلب. فحسب رأيها، أصبحت المشاورات مع المؤسسة الأمنية دون فائدة، حيث ستطلب هذه المؤسسة طلبات أخرى بعد الموافقة على الميزانية. لذلك، لم تطلبت الوزارة أثناء المناقشات مع نتنياهو علاج مسألة الزيادة لميزانية 2026 فحسب، بل أيضاً للسنوات القادمة. ويتمثل الطلب وقبل أي شيء بتحديد ما يسمى “الوضع الطبيعي الجديد”؛ أي ما هي ميزانية الدفاع الأساسية التي سيضاف إليها في المتوسط 35 مليار شيكل كل سنة خلال العشر سنوات القادمة؟

الجيش الإسرائيلي والمؤسسة الأمنية لا يملكان جواباً عن هذا السؤال سوى رد جزئي ينقل القرار إلى رئيس الحكومة: هل تريدون منطقة أمنية واسعة في لبنان؟ لكل ثمن. هل تريدون المزيد من المزارع في الضفة الغربية؟ هل تريدون قوات لحماية المستوطنات على طول الحدود؟ لكل شيء ثمن. حددواما تريدون وسنخبركم ما هو “الوضع الطبيعي الجديد”.

 في الوضع الراهن، تطلب ميزانية بمبلغ 120 مليار شيكل للعام 2027. بكلمات أخرى، مع الزيادة على ميزانية الدفاع، ستبلغ الميزانية 155 مليار شيكل في السنة القادمة، على فرض عدم تدهور الوضع الأمني. إذا حدث تحسن أمني، مثلاً إذا انسحبنا من لبنان أو إذا قلصنا قوات الاحتياط،فيمكن خفض المبلغ.

 هذه نقاشات تحتاج إلى أكثر من قرار أو توقع. لذلك، لن تؤدي إلى قرار. ولكن المؤسسة الأمنية تضغط إلى اتخاذ قرار في أسرع وقت، لأنها أوقفت الطلبات بالفعل وأجّلت دفعات الصناعات الأمنية، وبدأت في تحديد أولوية الطلبات. قد يبدو هذا بمثابة تهديد، ولكن على خلفية فقدان السيطرة على ميزانية الدفاع، فإن تحديد الأولوية يبدو فكرة جيدة في الواقع، وربما يكون ذلك بداية نقاش حيوي بعد ثلاث سنوات تقريباً على أطول وأغلى حرب في تاريخ الدولة.

سامي بيرتس

هآرتس/ ذي ماركر 10/6/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *