باريس- “القدس العربي”: قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية إن دونالد ترامب اضطر إلى توجيه ضربة لإيران من أجل الحفاظ على مصداقيته، حيث نفّذ الجيش الأمريكي عملية “متناسبة”، مساء الثلاثاء، ردًا على الهجوم الذي أسقط مروحية أباتشي بالقرب من مضيق هرمز. لكن الرئيس الأمريكي، الذي ما يزال يأمل في التوصل إلى اتفاق مع طهران، يبدو حريصًا على تجنب التصعيد.
كان الخط الأحمر واضحًا. لا يمكن للولايات المتحدة قبول انزلاق إيراني كبير، رغم رغبة البيت الأبيض الملحّة في إنهاء النزاع عبر التفاوض. يوم الاثنين، تم إسقاط مروحية أمريكية من طراز أباتشي، على الأرجح بواسطة طائرة مسيّرة إيرانية من نوع “شاهد”، أثناء تحليقها في مضيق هرمز قبالة سواحل عُمان. وفي يوم الثلاثاء 9 يونيو، ردّ البنتاغون بشكل طبيعي.
وقالت القيادة المركزية للجيش الأمريكي: “المهمة هي رد متناسب على عدوان إيراني غير مبرر”. من جهتها، لم تعلن طهران بشكل واضح مسؤوليتها عن إسقاط المروحية. ولا أحد من الطرفين يريد تحمل مسؤولية قطع الاتصالات الدبلوماسية، دون أن يكون مستعدًا لتقديم تنازلات كافية لإنجاحها.
وبحسب صحيفة نيويورك تايمز، نقلًا عن مصادر إيرانية، فإن الجيش الأمريكي استهدف قواعد بحرية وعسكرية، ورادارات، وبطاريات مدفعية في خمسة مواقع على الساحل الجنوبي المطل على مضيق هرمز، من بينها بندر عباس، والجزيرة الاستراتيجية قشم، وسيريك. وبعد هذه الضربات، أعلن الحرس الثوري الإيراني، فجر الأربعاء، أنه استهدف قواعد أمريكية في البحرين والأردن، مدعيًا تدمير طائرات F-35 و”مركز القيادة العسكرية الأمريكية” في الأزرق بالأردن.
وقبيل منتصف نهار الثلاثاء، أكد دونالد ترامب عبر شبكته “تروث سوشال” أن الإيرانيين أصابوا مروحية الأباتشي. وكان الطياران في أمان ودون إصابات، بعد أن أمضيا ساعتين في المياه قبل إنقاذهما. وأضاف الرئيس: “ومع ذلك، يجب على الولايات المتحدة، بحكم الضرورة، الرد على هذا الهجوم”. وكان افتقار الحماس واضحًا.
يبدو أن دونالد ترامب وقع ضحية تناقضاته الخاصة، تقول “لوموند”، موضحة أن الرئيس الأمريكي مضطر الآن لخوض حرب لا يرغب فيها، وذلك للحفاظ على مصداقيته، مع رفضه في الوقت نفسه لتصعيد واسع. وكانت ردة فعله الأولى، التي نقلها لصحافي من وول ستريت جورنال، لافتة: “لم يكن الأمر خطيرًا”، متحدثا عن إسقاط المروحية.
وفي مساء الاثنين، أدلى بأوضح تصريحاته المعارضة لتصعيد الحرب ضد إيران، لما قد يحمله ذلك من عواقب غير متوقعة. وقال: “إذا دخلنا وقصفنا، وهو ما يمكننا فعله بسهولة، واستمر القصف لأسبوعين أو ثلاثة، فلن يبقى لديهم شيء. لكن المضيق لن يكون مفتوحًا لأشهر. وإذا قمنا بالقصف، كما تعلمون، سيموت الكثير من الناس. من يريد فعل ذلك؟ ليس أنا”.
تصاعد الاستفزازات والهجمات الإيرانية
وفق إحصاء غير شامل أجرته قناة CNN، صرّح دونالد ترامب ما لا يقل عن 38 مرة منذ نهاية مارس بأن اتفاقًا دبلوماسيًا لإنهاء الحرب مع طهران بات وشيكًا. وقد أكد مرارًا أن النظام الإيراني يسعى لذلك بشدة. وفي مقتطف من مقابلة مع قناة CBS، بدا نائب الرئيس جاي دي فانس أكثر حذرًا، حيث قال: “أعتقد أن اتفاقًا قد يتحقق خلال الأسبوع المقبل، لكنه قد يستغرق أيضًا عدة أشهر”.
لكن الواقع خلال الأسابيع الأخيرة يشير إلى تصاعد الاستفزازات والهجمات الإيرانية، بهدف اختبار حدود الرد الأمريكي وتوسيع قدراتها على الإضرار. مؤخرًا، ألحقت طائرات مسيّرة إيرانية أضرارًا بمطار في الكويت، كما أسقطت القوات الأمريكية أربع طائرات أخرى كانت متجهة نحو مضيق هرمز. وتم إطلاق صواريخ باليستية على البحرين والكويت في 6 يونيو قبل اعتراضها. أما التطور الأخير والأهم، فكان الهجمات الإيرانية على إسرائيل في 7 يونيو، ردًا على ضربات إسرائيلية في بيروت. وقد طلب دونالد ترامب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضبط ردّه العسكري. لكنه وجد نفسه مضطرًا يوم الثلاثاء لاستخدام القوة.
ودعا مارك دوبويتز، رئيس مركز الأبحاث المحافظ المؤيد لإسرائيل “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات”، إلى توسيع الهجوم العسكري. وكتب على منصة إكس: “الرئيس ترامب محق في الرد، لكن الاستراتيجية الأكثر فاعلية هي فرض —ودعم حق إسرائيل في فرض— تكاليف باهظة على النظام في طهران وشبكته الإرهابية. الدرس هو أن الضعف المتصور يشجع العدوان، بينما القوة تعيد الردع. التصعيد من أجل خفض التصعيد”.
في المقابل، وجّه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي رسالة مختلفة للولايات المتحدة عبر المنصة نفسها: “غادروا المنطقة إذا أردتم أن تكونوا في أمان”.