بيروت – «القدس العربي»: نادراً ما غادرت «أعمدة المجتمع» أي مجتمع كان مربع الشك في ماضيها وحاضرها وما تخفيه للمستقبل. غادر الكاتب النروجي هنري ابسن الحياة سنة 1906 وهو الملقب بأبي المسرح الحديث.
حملت أعماله بعداً اقتصادياً وإنسانياً، وكشفت الجانب المكتوم للشخصيات التي عالجها. «أعمدة المجتمع» مسرحية لبننها الكاتب والمخرج لوسيان بو رجيلي، فنجد ابسن وكأنه عاصر حالنا نحن اللبنانيين، ومعنا كثير من العرب والأجانب الذين وثقوا بنظامنا المصرفي، واحبوا فوائده.
منذ سنوات ولوسيان بو رجيلي يقدم عروضاً مسرحية تفاعلية في الهواء الطلق، مستفيداً من المساحات الواسعة والجميلة في الجامعة الأمريكية في بيروت.
جديده أنه وضعنا وجهاً لوجه مع سعادة القنصل «برنيك» ووظفنا كمتفرجين كجمهور له. «برنيك» ذو وجه لمّاع مكتنز ومعتز أمام جمهوره، ويستعدُّ لرفع الستارة عن لوحة المستوصف. كومبارس من اتباعه يعمل في المكان، منهم من أعلن «سعادته مصمم على خوض معركة رئاسة البلدية خدمة للبلدة»، ومنهم من قمع أصوات العمّال المطرودين من شركته.
«أعمدة المجتمع» تهاوت أمام المتفرجين وفي الهواء الطلق
محطات انتقل إليها المتفرجون فتحت خلالها الصفحات تباعاً. إنه دفتر حياة القنصل الغنية، وأعماله في البحار وما خلفها، و»عصاميته» بتكوين ثروته، وغرامه بالعمّال، وتهديدهم، وطردهم وابتزازهم. إذاً القنصل «برنيك» صورة مُصغّرة عن الرأسمالي الحقيقي يكسب ماله بـ»الحلال».
«برنيك» نموذج الرجل الانتهازي، الكاذب وفاقد الضمير. أجبره الواقع على الاعتراف بدناءاته الكبرى والتي حمّلها لسواه. وبقي متمسك بجمعية العفة وحماية الأسرة والمجتمع، موظفاً إياها بالترويج لعفته ونزاهته.
الرأسمالي الصغير وصاحب المصرف الوحيد في محيطه اعترف بشرائه للاراضي التي ستمر عبرها خط سكة الحديد ومنذ 17 سنة، ومن أموال المودعين، ولم يرفّ له جفن. تبحر الباخرة ويعلم بأنها آيلة للغرق، وجفنه لا يرفّ. يُحبط ويهزم داخلياً فقط لدى علمه بوحيده على متنها.
«أعمدة المجتمع»، حكت زمناً مضى، ثمّ افضت بالمتلقين لتكوين صورة وصلتها بالحاضر، حيث تحكم الاعمال والمال بمصائر الشعوب. والحروب التي تخاض سواء كانت موافقة للمواصفات والقوانين الدولية، أم تهدف للسيطرة على موارد العالم وثرواته لصالح الدول.
في «اعمدة المجتمع» رجل باحث عن المال والثروة مهما كانت الوسيلة، وهو نموذج يزداد ينتشر ويتوحش. كذلك هو الرجل الثري الباحث عن ملذاته. إنها حالة تصلح لكل زمان ومكان، يميزها تفاوت الامكانات المادية. «برنيك» رجل المرحلة التي عاشها في النروج، وشبكات الأميركي جيفري إبستين العابرة للحدود والقارات والدول والشركات، ما تزال تغلي، وإن كان العدوان على إيران قد خفف لهيبها.
أما وأن يتطابق فعل القنصل مع افعال «اعمدة المال» في لبنان، وأن يسمح لنفسه بشراء الأراضي بمالهم ودون علمهم، وتحويلهم إلى مودعين بصناديق فارغة، فهذا مسنا مباشرة. ففي لبناننا الحديث ينام المصرفيون قريروا العيون رغم تبديدهم لأموال المودعين والتصرّف بها. حتى أن أحدهم الذي وصفته صديقته الصهيونية «بالصهيوني أباً عن جد» يشتري لها المجوهرات بكل «اريحية» وهو واحد من ابرز سارقي اموال المودعين في لبنان.
شكلاً ومضموناً ساهم العرض المسرحي التفاعلي «أعمدة المجتمع» بنقل المتلقين إلى النروج وزمن هانريك ابسن، وانساهم لبعض الوقت العدوان الصهيوني على جنوب لبنان. لكنه أعادهم إلى الواقع بمجرد ان حيّدت ورقة التوت نفسها قليلاً، عن عورات مجتمع المال والأعمال والعفة وأشباهها.
الممثل القدير عبد الرحيم العوجي «القنصل» بات من اعمدة مسرح لوسيان بورجيلي التفاعلي، يسند إليه ادواراً يتمكن من تقمّسها. ولسواه من الممثلين حضورهم المميز، وبخاصة رجال القنصل ويده الضاربة بنعومة أو خشونة، والذين يؤكدون المثل الشعبي «كلب البيك بيك». وتبقى «أعمدة المجتمع» اصنام عاجزة من أن تُغير أو تتغير.