آية السيابي في «العنبر الخامس»: سردية النساء خلف القضبان


قد تبدو سردية السجن من أكثر السرديات غموضا وتورية، وربما أعمقها إثارةً للمخفي والمسكوت عنه، ولما يضمره من إحالات نفسية ووجودية تحمل معها أزمة الإنسان/ السجين، وأزمة المكان المعادي/ السجن، حيث يتحول السجن العربي المجهول إلى دال مكاني للعدم والقمع، والخذلان، وقد يكون قريبا من إحالة السجن السياسي في رواية «شرق المتوسط».
في رواية «العنبر الخامس.. الحياة في سجن النساء» للعمانية آية السيابي، الصادرة عن دار الآن ناشرون وموزعون/ عمان- 2025، تنفتح لعبة السرد على ثنائية السجين والمكان، ليس بوصف تناقضاتها، بل بما ينكشف من صراع نفسي، ومن استغراقات إنسانية تشي بمفارقات ما يمور في المكان الدوستوبي، حيث يتحول الاغتراب في المكان، إلى اغتراب وجودي يعزل الكائن عن ذاته، ليضعه عند تحول مضاد يجذبه للبحث عن الإيهام بالخلاص، عبر الجماعة، وعبر الخضوع إلى سلطة رمزية، حيث تحضر سلطة السجن، وشخصية المستبد الرمزي/ الكبيرة داخل السجن.
حين يكون السجن نسائيا، فالمخفي من المصائر يكون أكثر غموضا وإثارة، وأكثر تمثيلا لمحنة المرأة، فيتحول وجودها في السجن إلى دال رمزي على العزل والخطيئة، وعلى المهانة، إذ تعيش في عالم هذا السجن وكأنه عالم عجائبي، تنجذب واقعيته المرّة إلى ما يشبه سحر المفارقة، وإلى تحويل السجينة إلى وحدة سردية، تتبدى من خلالها عقدة العزل، والدونية، وأوهام «النسوية» عبر تمثيل أزمات الذات والهوية والجسد، وعبر تمثيل علاقتها الغامضة والمتوترة بالمجتمع والسلطة، بما فيها سلطة الآخر/ الضحية أو المجرم..
رمزية السجن هي رمزية الوجود ذاته، فبقدر ما تبدو فيه المصائر غامضة، فإنها تكشف عن حيوات، وعن صراعات تعيش يوميات السجن، وكأنها تمثيل لزمن مضاد، زمن الجسد المخذول والمقتول، زمن الهروب من المجتمع إلى معاداته، زمن التمرد على «القانون» عبر الشك بسلامته، وبهذا فإن ما يبدو في عالم السجينات الأقرب إلى المشهد الغرائبي، الذي تتبدى فيه أشكال العنف الرمزي، من خلال توصيف المكان الضيق والرطب والرمادي، والغامر بروائح نتانة الأجساد، التي تتعفن في العزل والمحو، وكذلك من خلال التمثيل النفسي الذي يجعل «السجينة» رمزا للإذلال والضعة والحرمان الجسدي والرمزي، والإحساس بالعبث والضياع، والبحث عن وجود زائف عبر اصطناع علاقات لا هوية واضحة لها، سوى الإشباع الرمزي، حيث يبدو السرد وكأنه احتفاء بصناعة حكاية الغائب، بما فيها حكاية الحرية الغائبة والرجل الغائب، فتجد السجينات عبر لعبة التخيل السردي، إحساسا مريعا بالمفارقة، والحرية عبر الهروب إلى الذاكرة، حيث التقاطع مع واقع تصنع فيه «الكبيرة» السجينة نوعا من الهابيتوس، عبر السيطرة على «بنية المكان» والإشباع الرمزي، عبر التخفي خلف ما تصنعه لهنّ من هويات واسماء، كنوع من الأقنعة، التي تواجه به إحساسها بمحنة الضعف والدونية ونسيان الكينونة..
السجينة «فضيلة» تحمل مع اسمها نقائض وجودها في السجن، إذ تأخذ تسميتها بـ»النعجة» بعدا للمفارقة، ولمواجهة ما تعانيه من فقد رمزي وواقعي، فهي تحمل مع تشوهاتها الداخلية دمامة الشكل وقبح اللسان، مثلما تحمل تهمة القاتلة، فجعلت من قتل زوجها إيحاء باصطناع قوة أنوثتها الضائعة، وبرفض سلطة الرجل الذي يقمعها، وعلى نحوٍ تتحول فيه إلى علامة أنثروبولوجية، تتمثل اغتراب الجسد والهوية والحب، عبر صراع وجودي تتناظر فيه مع تناقضات فلسفية/ مفهومية، تتبدى من خلال المفارقة في ثنائيات الحرية والقمع، والجمال والقبح، أو الغياب والحضور، أو التشوه الداخلي وأزمة الواقع الخارجي.
ما تقترحه سردية السجن، يضعها إزاء مراجعات سوسيولوجية ونفسية، حيث لا توجد جريمة بلا سبب، وأن العنف والاضطهاد بمفهومه الثقافي يتحول إلى دال رمزي على طبيعة ما تواجهه المرأة العربية في المجتمع المغلق، وما تعانيه من إكراهات داخلية وخارجية، تجعلها في مواجهة «القانون الذكوري» وفي مواجهة سايكوباثيا العنف والعقاب، عبر المجتمع أو السلطة، أو النظام الاجتماعي، أو مؤسسات الرقابة أو الجنس. احتكار «الكبيرة» لتوزيع أقنعة الإخفاء الرمزي، يعكس ترحيل فكرة السلطة إلى المكان الدوستوبي، إذ تظل المصائر رهينة بوجود هذه السلطة، وبقدرتها على تحويل السجن إلى «عالم مصغر» له يومياته وأحداثه وصراعاته، وألقابه، وعلى نحوٍ يجعل السكنى فيه قرينة بسكنى الجحيم، حيث يكون التعرّض إلى السحق والمحو والإلغاء، تعويضا عن المفقود الهوياتي والتاريخي.

سردية المفارقة وزيف الوعي

ولادة طفل لإحدى السجينات في «العنبر الخامس» يتحول إلى مفارقة سردية، وإلى تفريغ نفسي، يجعل من هذا الحدث الغرائبي باعثا على تقويض سردية المكان ذاته، وحيوات الشخصيات اللائي يجعلن من «الطفل رسول» بدلالة اسمه، نوعا من «الإيقاط الأنثوي» لفكرة الأمومة، ولرمزية المستقبل، حيث تتحول الولادة إلى فعل سردي ضدي، تتقوض معه عزلة المكان وعزلة الشخصيات، واكتشاف أن ثمة جريمة «مسكوتا عنها»، هي جريمة الجسد الذي عتمه الفقد، وغربة اللذة، والإحساس بأن الولادة هي نقيض الموت الذي يعشنه، عبر عطالة الجسد، أو عبر الدونية التي تُحيل إلى القبح واللقب والعقاب، حتى تبدو استدعاء ثيمة الطفل وكأنها نظير للحياة، أو لزمن ضدي، تمنحه لعبة السرد كناية خرق المألوف والمكرر، الذي يتبدى من خلال الجدران الرمادية، والعفونة التي تغمر المكان بما يشبه الموت، وللإشارة إلى علاقة السجن كوحدة عقابية بأزمة النظام العقابي في المجتمع، حتى بدت سردية هذه الرواية وكأنها أعادتنا إلى سردية «القلعة الخامسة» للروائي والشاعر فاضل العزاوي، حيث غموض العالم خلف الأسوار، وحيث الإحساس بالخيبة والفقد، وبأن «قلعة السجن» يمكن أن تكون نظيرا لـ»قلعة كافكا» فالاعتقال الخاطئ يعني عبثية العالم، وعدمية السلطة، ومتاهة المثقف/ البطل الذي يفلت «مصيره من بين أصابعه».
يتحول عالم الشخصيات في السجن من كونه هامشا اجتماعيا إلى متنٍ نفسي، وإلى بنية درامية تمور بصراع عميق، تتفجر فيه الذات، عبر البوح والألم، وعبر العزلة والأذى الجسدي، فالشخصيات الثمان يتحولن إلى أقنعة، تتخفى خلفها اسماء غير حقيقية، لكنها مسكونة بما يوحي إلى تلك الدونية، فـ»الكبيرة، الفاجرة، الكافرة، النعجة، النغلة، العجوز، النواحة، صنتوب»، هي توريات للعزل الاجتماعي والرثاثة النفسية، وأن تمثيلهن للجريمة الاجتماعية مثل «السرقة، الدعارة، القتل، الخيانة الزوجية، العجز المالي»، هي إدانة لظلم المجتمع ذاته، وللمركزية الذكورية في السجن، حيث الاستغلال الجنسي، وحيث الإهانة، فيتحول الجسد إلى عتبة رمزية للمواجهة، وإلى خائن جنسي ونفسي، وعلى نحوٍ يكشف عن مفارقات تبدو فيها البيئة الاجتماعية أكثر استغراقا في غرائبية الدوستوبيا السوداء، حيث تكون الحياة الواقعية نظيرا للسجن، والاغتراب إسقاطا نفسيا للذات الباحثة عن وجودها، عبر الحب والأمومة والحرية، وعبر البيت والرجل والعمل والعدل والإشباع النفسي والعاطفي..
بقدر ما تنتمي هذه الرواية إلى «أدب السجون»، إلا أن أنثوية شخصياتها جعلتها أكثر رمزية، في تمثيل مفارقة السجن، وفي استغوار ما هو سري في عالم المرأة السجينة، وهي من «التابوات» التي نادرا ما نقرأ عنها في سردياتنا العربية، وعلى نحوٍ أعطى جرأة الكاتبة السيابي حضورا لافتا وهي تغوص في أعماق شخصياتها، كشفا عن المخفي، وعن الأنساق المضمرة، وعن الهواجس التي كثيرا ما تتحول إلى كوابيس، وإلى إحساس فاجع بالفقد والعار الاجتماعي، وإلى يوميات مكررة ورتيبة، غاطسة بالضآلة الإنسانية والمهانة والخوف من الآخر، فضلا عن حيويتها في إعطاء المكان بعدا إطاريا، بدا وكأنه فضاء نفسي مزحوم بالانتهاك والقهر، وبوجود غرائبي مفتوح عبر «المخيال السردي» على عالم كابوسي، حيث العلاقات الشائنة ـ والاعترافات والتوهم بشهوة الحرية، وتوظيف إحالات تنمو مع تشوهات التمثيل الرمزي، والتمثيل النفسي، عبر ربط الشخصيات بمأزقهن الوجودي، وبالأقنعة التي جعلت منها الروائية كنايات لتمثيل الخراب الداخلي، وعما يشبه «التحول الكافكوي» الذي يعشنَّ غرائبيته، حيث تبدو تسميات « النعجة، والنغلة، الفاجرة، الكافرة وغيرها»، وكأنها رفض للخارج، لكنها في المقابل تكشف عن تشوهات داخلية وجودية ونفسية تعيش المرأة نكوصاتها النفسية بوصفها جزءا من عالم سوداوي، يتقوّض فيه الواقع إلى متاهة، وإلى سجن تغيب فيه الملامح لتحضر مشوهة وعدائية وغريبة عبر الأقنعة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *