لندن- “القدس العربي”: قال النائب السابق مجدي الكرباعي، إن البعثة الأمنية الإيطالية في تونس تؤكد أن روما باتت تنظر للحدود التونسية كجزء من أمنها القومي، مشيرا إلى أن بعض دوائر القرار في أوروبا بدأت تفكر جديا في مرحلة ما بعد الرئيس قيس سعيد.
وقبل أيام، كشفت “إيل سولي 24 أوري” عن خطة إيطالية لنشر قوات أمنية في كل من تونس والعراق والصومال، مشيرة إلى ذلك يندرج في إطار مواجهة التهديد الروسي.
وقال الكرباعي (الموجود في إيطاليا) لـ”القدس العربي”: “أعتقد أن النقاش لم يعد يتعلق بمجرد مقال صحافي أو فرضية إعلامية، لأن الوثائق الرسمية التي صادق عليها البرلمان الإيطالي تكشف عن إنشاء بعثة ثنائية جديدة في تونس تحت إشراف الحرس المالي الإيطالي (Guardia di Finanza)”.
البعثة تنص على وجود دائم لما يصل إلى 22 عنصراً إيطالياً بين تونس العاصمة وصفاقس، مع تجهيزات لوجستية ومركبات ومقرات إقامة
وأكد أن البعثة تنص على وجود دائم لما يصل إلى 22 عنصراً إيطالياً بين تونس العاصمة وصفاقس، مع تجهيزات لوجستية ومركبات ومقرات إقامة، إضافة إلى مهام تدريب وتأطير ودعم فني للحرس البحري التونسي وصيانة الوحدات البحرية التي سلمتها إيطاليا إلى تونس.
وأضاف: “رسمياً يتم تقديم هذه المهمة في إطار التعاون الأمني ومكافحة الهجرة غير النظامية، لكن سياسياً لا يمكن تجاهل دلالاتها العميقة”.
وتابع الكرباعي: “نحن أمام مرحلة جديدة من تدويل إدارة الحدود التونسية. فبعد أن كانت أوروبا تمول المعدات وتدرب الأعوان، أصبحت اليوم تنشئ هياكل (إدارات) دائمة على الأرض لمتابعة وتنسيق السياسات الأمنية المرتبطة بالهجرة”.
التهديد الروسي
واعتبر أن ربط البعثة بالتهديد الروسي، هو “محاولة لتسويق المشروع داخل الأوساط الأوروبية والأطلسية. لكن الحقيقة أن المهمة المعلنة لا تتعلق بروسيا بل بالهجرة والرقابة البحرية وتأمين المصالح الإيطالية في المتوسط”.
واستدرك بالقول: “السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس ما إذا كانت روسيا ستصل إلى تونس، بل إلى أي مدى أصبحت تونس نفسها جزءاً من المنظومة الأمنية الأوروبية”.
وأوضح بالقول: “فعندما تخصص إيطاليا أكثر من ثمانية ملايين يورو لبعثة دائمة في تونس، وتضع عناصرها بين تونس وصفاقس، فهذا يعني أن روما تعتبر إدارة الحدود التونسية قضية مرتبطة مباشرة بأمنها القومي”.
وتابع الكرباعي: “ما يثير الانتباه أيضاً أن هذه الترتيبات تمت عبر تبادل مذكرات دبلوماسية بين البلدين في نهاية سنة 2025، بعيداً عن أي نقاش عمومي واسع داخل تونس”.
وتابع: “لذلك أرى أن القضية الحقيقية ليست الخطر الروسي، بل طبيعة العلاقة التي تتشكل اليوم بين تونس وإيطاليا، والتي تنتقل تدريجياً من التعاون التقليدي إلى نوع من الشراكة الأمنية غير المتكافئة، حيث تصبح تونس حارساً متقدماً للحدود الأوروبية مقابل دعم سياسي ومالي للسلطة القائمة. وهنا يحق للتونسيين أن يتساءلوا: أين تنتهي الشراكة الأمنية وأين يبدأ المساس بالسيادة الوطنية؟”.
مرحلة ما بعد سعيد
وكانت صحيفة “إل فوليو” أثارت جدلا مشابها بعد حديثها عن نقاش بعد حديثها عن مداولات قالت إنها تتم داخل دوائر صنع القرار في إيطاليا للبحث عن “خليفة” للرئيس قيس سعيد، ما دفع البعض للحديث عن “صراع نفوذ” بين روما وباريس في تونس، قبل أن يتحدث الرئيس سعيد عن “صفحات مشبوهة” تروج لـ”أكاذيب” حول إدارة الدولة التونسية.
وعلق الكرباعي على ذلك بالقول: “أعتقد أن ما نراه اليوم هو أول مؤشر علني على أن بعض الدوائر الأوروبية بدأت تفكر في مرحلة ما بعد قيس سعيد”.
وأضاف: “منذ سنوات كان السؤال: كيف نحافظ على قيس سعيد؟ أما اليوم فأصبح السؤال: ماذا لو لم يعد قيس سعيد قادراً على الاستمرار سياسياً أو صحياً؟ هذا التحول مهم جداً”.
واعتبر أن إيطاليا “استثمرت كثيراً في العلاقة مع سعيد. ميلوني قدمته كشريك أساسي في إدارة ملف الهجرة. فرنسا من جهتها خسرت جزءاً من نفوذها التقليدي في تونس خلال السنوات الأخيرة، لكنها ما زالت تعتبر تونس مجالاً حيوياً لمصالحها التاريخية”.
أعتقد أن ما نراه اليوم هو أول مؤشر علني على أن بعض الدوائر الأوروبية بدأت تفكر في مرحلة ما بعد قيس سعيد
وتابع الكرباعي: “لهذا السبب بدأت تظهر في الإعلام الإيطالي والفرنسي مقالات تتحدث عن شخصيات بديلة أو عن ترتيبات ما بعد سعيد. ليس لأن هناك مؤامرة جاهزة، بل لأن الدول الكبرى تضع دائماً خططاً بديلة. والمثير للانتباه أن هذه النقاشات أصبحت أكثر حضوراً في الإعلام الأوروبي مما هي عليه داخل تونس نفسها”.
واعتبر أن حديث سعيد عن الصفحات المشبوهة وحملات التخوين التي قام بها أنصاره يعكسان “حالة توتر داخل السلطة. وعندما تصبح كل قراءة أو تحليل أو تساؤل حول المستقبل مؤامرة، فهذا يعني أن المجال السياسي أصبح مغلقاً إلى درجة أن النقاشات تنتقل إلى الخارج بدل أن تُدار داخل المؤسسات الوطنية”.
وتابع الكرباعي: “ما يقلقني ليس أن روما أو باريس تفكران في المستقبل -فهذا طبيعي في العلاقات الدولية- بل أن تونس أصبحت موضوعاً للنقاش والتخطيط في العواصم الأجنبية أكثر مما هي موضوع نقاش بين التونسيين أنفسهم”.
الفراغ الدستوري
وعلق على الجدل المثال حول صحة الرئيس قيس سعيد بقوله: “في رأيي، هذه ليست قضية صحية بل قضية سياسية ودستورية”.
وأوضخ بالقول: “في الأنظمة الديمقراطية المستقرة، مرض الرئيس أو غيابه المؤقت لا يخلق أزمة لأن المؤسسات هي التي تضمن استمرارية الدولة. أما في تونس اليوم، فقد أصبح جزء كبير من السلطة والقرار السياسي متمركزاً حول شخص الرئيس. لذلك فإن أي تساؤل حول وضعه الصحي يتحول تلقائياً إلى قضية وطنية”.
واستدرك الكرباعي بالقول: “المشكلة ليست في صحة قيس سعيد، فذلك شأن شخصي ما دام قادراً على أداء مهامه، بل في غياب الشفافية وغياب المؤسسات القادرة على طمأنة الرأي العام. فعندما لا توجد محكمة دستورية، وعندما تكون كل السلطات تقريباً مرتبطة بمركز قرار واحد، يصبح أي فراغ محتمل مصدر قلق داخلي وخارجي”.
وأضاف: “لهذا السبب أعتقد أن الجدل الحالي حول صحة الرئيس ليس سوى انعكاس لسؤال أكبر: ماذا سيحدث في اليوم التالي؟ هذا هو السؤال الذي يشغل اليوم جزءاً من النخبة التونسية، كما يشغل روما وباريس وبروكسل”.
واعتبر أن أخطر ما تواجهه تونس اليوم “ليس احتمال مرض الرئيس أو غيابه، بل غياب رؤية واضحة للانتقال السياسي وغياب مؤسسات قوية تستطيع إدارة أي مرحلة انتقالية بهدوء وشرعية”.
وختم الكرباعي بالقول: “لهذا أقول إن الحديث عن صحة الرئيس ليس في جوهره حديثاً عن شخص، بل عن مستقبل نظام سياسي كامل بُني خلال السنوات الأخيرة حول شخص واحد ولم يُبنَ حول مؤسسات دائمة، وهنا يكمن الفرق بين دولة المؤسسات ودولة الفرد”.