من معتقدات البوذيين أن شجرة السنديان تنمو بقوتين متلازمتين: البزرة التي غُرِست، والقوة الثانية مصدرها الشجرة نفسها التي أطلقتها، تُريد لها أن تكون بكلّ قواها وتشدّها إلى الأمام وتقودها، وإن كانت بعيدة عنها وقصية.
أستطيع رؤية هذا الآن كأنه يحدث أمام عينيّ مباشرة. تقول لي أمي وهي توقظني: «إنك ستنام مرة أخرى، خير لك أن تصعد إلى غرفة النوم». وأنا مغمض العينين أعرف رائحة أبي، حينما ينقلني من مكان نومي على الأريكة في غرفة المعيشة، إلى سريري. ثم يصلني بعد الرائحة الصفيرُ الخاص بمرضى الربو القصبي الذي كان يقاسيه أبي.
كنت أطلبُ الرقاد في حضن أبي في ليالي الشتاء، وهو ملتفّ بعباءته السوداء بحاشية مذهّبة، أتملّى تضاريس وجهه وهو ساكت، وهو يتكلم مع أمي وخالتي، رغم أني لا أفهم كلامه لأن النعاس الشديد يغلبني، لكن جرس صوته يقول لقلبي أشياء كثيرة.
أحفظ إلى الآن، وقد تجاوز عمري الستّين، الصرامةَ الغريبة في ملامح أبي والنّظرةَ الجادة في عينيه، بسهولة وسرعة ينتقل هذا المحيّا الصارم إلى بهجة، لتفرش الابتسامة وجهه، فيبدو عندها وسيماً وسمحاً. أحفظ أيضاً عن ظهر قلب الملمسَ الرحيبَ ليديه المعروقتين، والمطبوعَ كأنما عليهما نشوة سببها رضى ذاتي لما قامت به من أفعال. أعرف شميم أبي ورائحة ثيابه التي يرتديها داخلَ البيت وخارجه، بما فيها منشفة الحمّام، وكانت على شكل برنس ينزل أسفل الساق ومعه غطاء للرأس، لونه أبيض وفيه خطوط ونقاط ملوّنة، حمراء وزرقاء وصفراء.
تلتمّ الحواسّ جميعاً وتتشابك وأنا أنظر إلى صورته الآن في خيالي، مثل مشهد لطبيعة صامتة من الفاكهة أو الأزهار. حتى بصاق أبي ومخاطه وهو ينظّف أنفه وفمه ويشطف وجهه، كأنه يختلف به عن باقي البشر. كل شيء لديه كان حيوياً ومؤثراً وفيه سحر، لا عليّ فقط، إنما بشهادة الآخرين الذين عاشروه وعرفوه عن كثب. وأنا طفل وأنا صبيّ وأنا شابّ، كانت تكفيني رؤية أبي لأكون سعيداً كلّ السعادة. كان يغيب عنّا فترات طويلة، وكنت مستعداً لسكب قلبي كله في سبيل أن يعود، وكلّ عودة تبدو في خيال الطفل مغامرة محفوفة بالمخاطر. رأيت في المنام في ذلك اليوم أنه قادم إلينا، فانتظرته في الشارع من الصباح إلى المساء، أنظر مليّاً في وجوه راكبي العجلات السائرة، ظانّاً أنهم جميعاً يمثلون شبح أبي، بينما كان قلبي يخفق طوال الوقت باضطراب، وكنت أركّب في ذهني كلمات أقولها للتعبير عن حبي وحفاوتي به. لم يأتِ، وعدتُ إلى البيت بعد أن عمّت الظلمة وكانت لديّ رغبة قوية في البكاء، لكنّ ظلّ أبي كان حاضراً معي، شاهقاً ويظلّل المنزل كلَّه. الجدران والنوافذ والأبواب ترشقني بالمعنى دون أن تتكلم، والأثاث يكلّمني دون صوت. عندما أيقنتُ من ذلك عادت إليّ روح المرح، وعلت الابتسامة وجهي.
أشياء لا تحصى تضمّها الذاكرة، وتبقى في نهاية الأمر اللوحات الأخيرة والروائح النفاذة، يحاول الذهن الحفاظ عليها حية وسط الكثير من الهلع والرعب الذي يملأ الحياة. كنت جالساً في تلك الصبيحة في حديقة البيت، الكتاب في حضني، فيه مسألة في الحساب انغلق عليّ فهمها. كنت حينها في السادسة، في الصف الثاني ابتدائي. تداخل في خيالي مشهد الأشجار من حولي، وأحسست في داخلي جاهزية كاملة للهروب من العتمة التي واجهتني أو الاختباء منها. كان أبي يتناول فطوره مع أمي في غرفة تهبط عن بقية البيت درجتين، فهي دافئة في الشتاء، وندعوها (سرداب). ناديتُ:
ـ بابا. بابا. بابا.

مع النداء الثالث تولّدت لديّ رغبة حقيقية ومفاجئة في البكاء. لم أبكِ فحسب، بل رحتُ أعول. جاءتني أمي أولاً ثم وصل أبي، وقادني الاثنان إلى (السرداب) حيث أجلسني أبي في حضنه، وشممتُ بقوة في تلك اللحظة رائحة أبي، ولكي تبقى عالقة بي، أحكمتُ شدّ عباءته حولي بحيث لا أترك فيها فرجة. شيء خارق حقاً أن يطبع أبوك فيك رائحته فلا تفارقك أبداً.
عبد المحسن مهدي حسن مصطفى المُلّيَّه، هذا ما هو مطبوع في السّجلّ، لكن اسم الشهرة هو: «محسن مُلّيَّه». الصورة الأولى التي أحفظها عن أبي قديمة جدًّا، ومع ذلك فهي واضحة، كأنّ ما كان يجري فيها يحدث الآن: رجل يرتدي بدلة أنيقة وربطةَ عنق وحذاءً أبيضَ، ويعتلي ظهرَ فيل. في إحدى القصص التي قرأتها وأنا طفل، يظهر فيلٌ هارب من قفصه، يفرّ الناس من أمامه لكنّ الحيوان الهائج يدوس على أحدهم ويقتله، ليعمّ الذّعر بين النّاس الذين هم مرعوبون أصلاً من الفقر والحاجة والمرض، ولا يملك السّلاح غير رجل تتجه الأنظار إليه: أنت هو المخلّصُ! يقضي على الفيل بإطلاق الرّصاص عليه من بندقيّته، ويشبع أهل القرية الجائعين من لحم الفيل، ويعمّ في البلدة السلام.
ثمّة صورة لأبي على ظهر الفيل عندما زار حديقة الحيوانات في إيران في ستينيات القرن الماضي، وعليها التّعليق: طهران. باغ وحش. لكن تحديقَ أبي في الكاميرا، وجلستَه الهادئة على ظهر الحيوان ذي العينين المخذولتين والكسيرتين، بالإضافة إلى خيال الطفولة بالطبع، كلّ هذا جعل أبي المخلّصَ!
الصورة الثانية:
كنّا نسكن في مدينة العمارة، وكان خالي يعمل محاسباً في مصرف. ذات يوم، مرّر عليه أحد المزوّرين صكاً بمبلغ كبير، يعني تعويضه أن العائلة سوف تكون على شفير الإفلاس، أو أن يُقاد خالي إلى السّجن، بالإضافة إلى الفضيحة. الموقف أكثر من صعب. سافر محسن ملّيّه إلى بغداد في اليوم نفسه، وعاد بالمزوّر اللّصّ في اليوم التالي، وكتفه يكبّل كتفَ اللّصّ، ومعه المال. الشّجاعة الحقيقية هي التي تصاحبها الحكمة والسّداد. لو لم يكن أبي حكيماً في ذلك اليوم الأسود لما مرّ علينا يومٌ أبيضُ فيما بعدُ.
الصورة الثالثة:
كنا نسير أنا وأبي في شارع الرشيد، وكنت تخرجت في تلك السنة طبيباً، ولا أتذكر الجهة التي كنا نقصدها. فجأة، توقف أبي وأمسكني من ذراعي. قال لي: «خُذْ!». أعطاني صورته، ثم هتف بي بين استغراب المارّة في الشّارع: «احفظها جيّداً بين أوراقك». لم أحتفظ بالصورة الأولى ولا الثانية ولا الثالثة… كلها ضاعت بين الحلّ والتّرحال، وبين سنين الحرب وهموم المعيشة والقراءة والكتابة. لكني حفظت في عقلي وروحي وقلبي رمز الاسم الذي كان وما زال يشبهُ البَغْتَةَ، كما أن له وقعَ هزيمِ الرعد على سامعيه: «محسن مليّه».
التّغلّب على الصّعاب هو التّحدّي الأكبر الذي يواجه الإنسان في الحياة. بعد وفاة أبي بزمن طويل، تبدّى لي العالم مثل قاعة مرايا، حيث تتداخل صور الأشياء مع بعضها بعضاً، وبالتّالي لا شيء يبدو على حقيقته، وعندما يزوغ البصر تختلّ البصيرة، إلى درجة أن الزّهو والإعجاب بالنفس كادا يكونان سجيّةً لي. زارني أبي في المنام. لم يقلْ كلمة. نظر إليّ بعينين عميقتين غاضبتين. نزع حزامه. طواه. وظلّ يجلدني.
من القائل «نحن نعيش مع الأموات أكثر ممّا مع الأحياء»؟ عندما بلغتُ الستينَ صرتُ نسخة طبقَ الأصل من صور أبي الثلاث التي أحفظها في ذاكرتي. هل يوجد في أمور الفكر أكثر فجاجة مما يدعونه في علم النّفس «قتلَ الأب»؟ ما الفائدة من وراء هذا الجنون، ما دام الآباء يعيشون معنا، يُراقبوننا ويُفيضون علينا حناناً على نحو يدعو إلى العجب؟ محظوظٌ من يجلدهُ أبوه بالحزام في الواقع أو في المنام لأنه رأى العالمَ قاعةَ مرايا. الجَلْدُ في الكِبر يشبهُ النّقشَ على الصخر الجلمود.