طرابلس – «القدس العربي»: تواصلت في لاهاي جلسات تأكيد التهم بحق القيادي السابق في قوات الردع الخاصة خالد الهيشري، في واحدة من أبرز القضايا المرتبطة بملف الانتهاكات في ليبيا منذ سقوط نظام معمر القذافي، وسط عرض موسع من الادعاء الدولي لشهادات ووثائق تتعلق بجرائم يُشتبه في ارتكابها داخل سجن معيتيقة في العاصمة طرابلس بين عامي 2014 و2020، بينما تمسك فريق الدفاع بنفي الاتهامات والطعن في اختصاص المحكمة وإجراءاتها، في جلسات أعادت إلى الواجهة ملف السجون والانتهاكات وواقع الإفلات من العقاب الذي رافق سنوات الصراع والانقسام في البلاد.
وتنظر المحكمة الجنائية الدولية في 17 تهمة موجهة إلى الهيشري، تشمل القتل والتعذيب والاغتصاب والاسترقاق والاضطهاد والمعاملة القاسية والعنف الجنسي والاحتجاز غير القانوني، في قضية يقول الادعاء إنها ترتبط بما لا يقل عن 945 محتجزا داخل سجن معيتيقة، بينهم مهاجرون ولاجئون وليبيون، إضافة إلى اتهامات مباشرة تتعلق بارتكاب جرائم ضد 159 ضحية بصورة شخصية، وهو رقم وصفه الادعاء بأنه من الأعلى في تاريخ المحكمة بالنسبة لمتهم يُشتبه بكونه «مرتكبا مباشرا» للانتهاكات.
وخلال الجلسات، قدم فريق الادعاء روايات وصفها بأنها متسقة ومتطابقة بشأن طبيعة ما جرى داخل سجن معيتيقة، الذي تحول خلال سنوات النزاع في ليبيا إلى أحد أكثر مراكز الاحتجاز إثارة للجدل، خصوصا مع تصاعد تقارير المنظمات الحقوقية المحلية والدولية عن التعذيب والإخفاء القسري والانتهاكات بحق المهاجرين والمحتجزين السياسيين.
وقال الادعاء إن الهيشري كان من أبرز الشخصيات النافذة داخل السجن، وإنه استخدم سلطته ونفوذه لممارسة «سيطرة مطلقة» على المحتجزين، عبر الضرب والتجويع والإهانة والحرمان من العلاج والعمل القسري، إضافة إلى استخدام بعض المحتجزين في أعمال قتالية ونقل أسلحة والعمل في مزارع واستراحات تابعة لقادة في جهاز الردع.
كما عرض الادعاء شهادات لنساء وفتيات تحدثن عن تعرضهن للاغتصاب والعنف الجنسي مقابل الحصول على الطعام أو الدواء، بينما تضمنت شهادات أخرى روايات عن تعرض رجال وفتيان للاغتصاب والإذلال والتعرية القسرية داخل السجن، في إطار ما وصفه الادعاء بـ»نظام مؤسسي للاسترقاق والتعذيب».
وأثارت بعض الشهادات صدمة واسعة داخل قاعة المحكمة، بعد حديث الادعاء عن إجبار طفلة تعرضت للاغتصاب المتكرر على الإجهاض، إضافة إلى روايات عن أطفال ولدوا داخل السجن وعاشوا في ظروف وصفت بأنها «جحيم حي»، مع نقل أطفال من قسم النساء إلى مواقع خاضعة لسيطرة الجناة لتلقينهم أفكارا معينة.
وقال أحد محامي الادعاء إن ثقافة الإفلات من العقاب داخل معيتيقة كانت جزءا من البيئة التي سمحت باستمرار الانتهاكات لسنوات، مشيرا إلى أن الهيشري كان يُنظر إليه باعتباره الرجل الثاني في قوات الردع بعد عبد الرؤوف كاره، وفق شهادات عدد من الشهود الذين استمعت إليهم المحكمة.
ويعد سجن معيتيقة من أبرز مراكز الاحتجاز التي ارتبط اسمها بالنزاع الليبي بعد عام 2011، خصوصا مع توسع نفوذ التشكيلات المسلحة في العاصمة طرابلس، وتداخل السلطات الأمنية والقضائية والعسكرية في إدارة ملفات الاعتقال والسجون، وهو ما دفع منظمات دولية مرارا للتحذير من غياب الرقابة القضائية الحقيقية على مراكز الاحتجاز.
وخلال السنوات الماضية، وثقت تقارير أممية ودولية شهادات عن احتجاز مهاجرين ولاجئين في ظروف وصفت بأنها غير إنسانية داخل مراكز احتجاز في ليبيا، بما في ذلك التعذيب والعمل القسري والعنف الجنسي والابتزاز، في ظل تحوّل ليبيا إلى نقطة عبور رئيسية للمهاجرين الساعين للوصول إلى أوروبا عبر البحر المتوسط.
وفي مقابل عرض الادعاء، دفع فريق الدفاع ببطلان عدد من الإجراءات، مشككا في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بالنظر في القضية، ومعتبرا أن الاتفاقية المتعلقة بقبول اختصاص المحكمة وقعتها حكومة لا تملك الصلاحية القانونية لذلك، في إشارة إلى حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة.
كما قال الدفاع إن الادعاء لم يثبت وجود صلة مباشرة بين الجرائم المنسوبة للهيشري وأي نزاع مسلح، معتبرا أن بعض الوقائع جرى «تكييفها على خلاف الحقيقة»، مضيفا أن سجن معيتيقة يتبع النيابة العامة ووزارة العدل وليس قوات الردع الخاصة.
واعترض فريق الدفاع كذلك على إخفاء هويات بعض الشهود، معتبرا أن ذلك يخل بحقوق المتهم في الدفاع عن نفسه، بينما أشار إلى احتمال وجود أدلة تثبت غياب الهيشري عن بعض الفترات التي يقول الادعاء إن الجرائم ارتكبت خلالها.
ورغم دفوع الدفاع، يرى حقوقيون أن مجرد مثول شخصية ليبية أمام المحكمة الجنائية الدولية في هذا الملف يمثل تطورا غير مسبوق في مسار العدالة المرتبط بجرائم الحرب والانتهاكات في ليبيا، بعد سنوات من الانتقادات المتعلقة بتعثر المحاسبة واستمرار الانتهاكات دون ملاحقات فعلية.
وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن القضاة أمامهم مهلة تصل إلى 60 يوما لاتخاذ قرار بشأن اعتماد التهم وإحالة الهيشري إلى المحاكمة، معتبرة أن القضية تمثل أول اختبار فعلي لمسار العدالة الدولية في ليبيا منذ أكثر من 15 عاما.
كما سمحت المحكمة بمشاركة 54 ضحية في الإجراءات الجارية، بينهم لاجئون ومهاجرون من دول أفريقية يقيم بعضهم حاليا في أوروبا، حيث حضر عدد منهم جلسات لاهاي للإدلاء بشهاداتهم ومتابعة القضية التي يعتبرونها خطوة نحو الاعتراف بما تعرضوا له داخل مراكز الاحتجاز الليبية.
وتأتي هذه التطورات بينما لا يزال ملف الانتهاكات والسجون والانقسام الأمني من أكثر الملفات تعقيدا في ليبيا، في ظل استمرار وجود تشكيلات مسلحة ونفوذ أمني متداخل، إلى جانب تعثر مسارات العدالة الانتقالية والمصالحة، وهو ما يجعل جلسات لاهاي الحالية محط متابعة واسعة داخل ليبيا وخارجها، باعتبارها واحدة من أكثر القضايا حساسية منذ سنوات الصراع التي شهدتها البلاد.