صنعاء- «القدس العربي»: كشف تقرير حكومي يمنيّ حديث عن أن 47 ٪ من أطفال أكبر تجمع لمخيمات النازحين في البلاد بلا شهادات ميلاد مع وجود أكثر من ستة آلاف طفل خارج العملية التعليمية.
هذا الرقم، وفقًا لمراقبين، هو الأكثر خطورة استراتيجيًا في التقرير الصادر عن مكتب وزارة التخطيط والتعاون الدولي بمحافظة مأرب شمال شرقي البلاد، حيث تُشير التقارير الأممية إلى أن نسبة النازحين هناك تتجاوز 62 بالمائة من إجمالي النازحين في البلاد الغارقة في حرب عبثية منذ أكثر من عقد.
وأوضح التقرير السنوي لتقييم الاحتياجات الإنسانية بمأرب، أن تراجع التمويل الدولي وتأثيرات النزوح المستمر قد أفرزت واقعًا كارثيًا يهدد مئات الآلاف من الأسر النازحة والمجتمع المُضيف في المحافظة، التي تستقبل الكتلة الأكبر من نازحي الجمهورية اليمنيّة.
جيلٌ بلا تعليم… بلا هُوية
مِن أخطر ما تضمنه التقرير وجود 47 ٪ من الأطفال بلا شهادات ميلاد، وهو ما يعني أن نصف أطفال النازحين في المخيمات يفتقرون لشهادات الميلاد الرسمية.
هذا الغياب ليس مجرد مشكلة أوراق، بل يعني قانونياً، وفق مراقبين، حرمان الأطفال من الالتحاق الرسمي بالمدارس، وصعوبة الحصول على الرعاية الطبية المنظمة والمساعدات الإغاثية المخصصة للأفراد، وسقوطهم خارج مظلة الحماية القانونية، مما يهدد مستقبلهم بالكامل، ويفرز جيلًا بلا هُوية وبلا تعليم.
كما يُفهم من التقرير أن غالبية الأسر فقدت وثائقها الثبوتية أثناء عمليات الفرار والنزوح المتكرر تحت القصف، أو عجزت عن استخراج وثائق جديدة أو بديلة بسبب بُعد مكاتب السجل المدني وكلفة استخراجها.
ومما كشفه التقرير وجود6229 طفلاً خارج العملية التعليمية، والسبب يعود بشكل مباشر إلى الظروف الاقتصادية القاسية التي تُجبر العائلات على الدفع بأطفالها نحو سوق العمل، بالإضافة إلى غياب الوثائق وعجز المدارس المتاحة في المخيمات عن استيعاب الأعداد الهائلة؛ الأمر الذي يعنى وجود تسرب مُخيف من التعليم؛ وهو ما يمثل تهديدًا لمستقبل هؤلاء الأطفال ومجتمعاتهم أيضًا.
من الأرقام السابقة، فإن عدم وجود وثيقة ميلاد يعني أن نصف أطفال مجتمع النازحين في مأرب غير موجودين في سجلات الدولة الرسمية. هذا يخلق معضلة قانونية معقدة في المستقبل منها: مشاكل إثبات النسب، الملكية، الزواج، السفر.
وطبقًا لخبراء؛ فعندما نربط هذا الرقم بوجود أكثر من 6 آلاف طفل خارج التعليم، سنقف أمام بيئة خصبة لعمالة الأطفال، وزواج القاصرات، والأخطر هو سهولة استقطاب هؤلاء الأطفال من قبل الجماعات المسلحة والمخربين نتيجة الجهل والحاجة المادية.
وعلاوة على ذلك، فإن هؤلاء الأطفال سيتم عزلهم عن المستقبل، وتجريدهم من أي مهارة تمكّنهم من بناء حياتهم لاحقاً.
عجز البُنية التحتية
ويعتبر مراقبون أن تزايد انعدام الأمن الغذائي بنسبة 13بالمئة، والتحذير من طرد 69٪ من المستأجرين، يعكسان حقيقة أن مأرب كـ «مجتمع مُضيف» وصلت إلى نقطة التشبع والإنهاك الكامل.
أي أن المحافظة، بما فيها مدينة مأرب، استوعبت ملايين النازحين فوق طاقتها الاستيعابية الأصلية بآضعاف. وهذا الضغط الهائل رفع أسعار الإيجارات والسلع، ومع طول أمد الحرب وانقطاع الدخل، عجز النازح عن الدفع، مما يُنذر بموجة نزوح داخلي جديدة (من الشقق المستأجرة إلى مخيمات العراء).
وفي هذا السياق، تضمن التقرير أرقامًا مُرعبة؛ فنحو 297 ألف أسرة (من النازحين والمجتمع المُضيف) بحاجة عاجلة للمساعدات الإغاثية هذا العام، وتُعاني 234 ألف أسرة من انعدام أمن غذائي حاد، بزيادة 13بالمئة عن العام الماضي، وفق وكالة الأنباء اليمنيّة (سبأ) بنسختها التابعة للحكومة، وسط تحذيرات من تفاقم سوء التغذية الحاد بين الأطفال والأمهات المُرضعات.
كما أظهرتِ البيانات أن 71 ٪ من الأسر النازحة تعيش في مخيمات وملاجئ طارئة ومؤقتة متهالكة (خيام وعُشش) لا تقي من تقلبات الطقس، وتواجه مخاطر دائمة من الحرائق والسيول، بينما يواجه 69 ٪ من النازحين، الذين يقطنون في منازل مستأجرة بمراكز المديريات، مخاطر الإخلاء القسري والطرد من قبل مُلاك العقارات، نتيجة العجز التام عن دفع الإيجارات المتراكمة بسبب تدهور الأوضاع المعيشية وانقطاع سُبل الدخل.
وأوضح التقرير أن 63 ٪ من المرافق الصحية تعمل بشكل جزئي أو تحتاج إلى إعادة تأهيل وصيانة وتوفير التجهيزات الطبية اللازمة، فيما تحتاج 99879 امرأة من الحوامل والمُرضعات إلى خدمات الرعاية الصحية والتغذية الأساسية.
وطبقًا للبيانات، فإن 63 ٪ من السكان لا يزالون بحاجة إلى مصادر آمنة ومستدامة لمياه الشرب، الأمر الذي يُفاقم المخاطر الصحية والبيئية، خصوصًا في مناطق النزوح والتجمعات السكانية المكتظة.
تراجع التمويل
القراءة السياسية والإنسانية للأرقام تُشير إلى أن المنظمات الدولية بدأت تعاني بشكل أكثر وضوحًا من تراجع دعم وتمويل المانحين للملف اليمنيّ بعد سنوات طويلة من الصراع، وتحوّل الدعم الدولي بتركيز أكبر نحو بؤر صراع أخرى مستجدة حول العالم. والضحية المباشرة لهذا التراجع، بدرجة رئيسية، هم نازحو مأرب، الذين يعتمدون كليًا على السلال الغذائية والخدمات الطبية الطارئة.
يُشار إلى أن نسبة العجز في تمويل خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2025 بلغت حوالي 71 ٪، حيث لم يتم تمويل سوى 29 بالمئة فقط من إجمالي الخطة المعتمدة.
الجدير بالذكر أن عدد النازحين داخليًا جراء الحرب في اليمن يتجاوز خمسة ملايين نسمة، وفقًا لتقارير أممية.
وحسب إحصائيات الوحدة التنفيذية للنازحين في مأرب للعام 2025، فإن عدد النازحين في المخيمات 558،288، فيما عددهم خارج المخيمات 1،655،910، أما عدد المهاجرين إليها بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية فوصل إلى 358،440، فيما يصل عدد سكان المجتمع المُضيف إلى 542،725 نسمة، من أصل 3،156،668 هو إجمالي سكان المحافظة.
وأطلقت الأمم المتحدة، في الآونة القليلة المنصرمة، خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026 لجمع مبلغ 2.16 مليار دولار أمريكي لتقديم مساعدات واسعة النطاق، بما في ذلك 1.6 مليار دولار أمريكي لدعم التدخلات المنقذة للحياة ذات الأولوية في مختلف القطاعات للفئات الأكثر ضعفاً في ظل تراجع التمويل الإنساني الدولي في الأعوام القليلة المنصرمة، وهو ما ترتب عليه تدهور واضح في الأوضاع الإنسانية في اليمن.
وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إن اليمن دخل في عام 2026 في بيئة عمل تزداد تعقيدًا، تتأثر أيضًا بضغوط تمويلية شديدة وبرنامج إصلاح شامل.
وذكر أنه «في عام 2026، يحتاج أكثر من 22 مليون شخص، من بينهم 10.95 ملايين امرأة وفتاة، إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية في جميع أنحاء اليمن. ويشمل ذلك 5.2 ملايين نازح داخليًا، و329 ألف مهاجر، و63 ألف لاجئ وطالب لجوء».
ناقوس الخطر
وانطلاقًا مما سبق؛ فالتقرير الحكومي يدق ناقوس الخطر مجددًا أمام المنظمات الدولية، خصوصًا مع التراجع الحاد في التمويل الإنساني الموجّه لليمن خلال الفترة الأخيرة.
كما أن التقرير الحكومي يُقدّم دليلًا صريحًا على أن «نهج الإغاثة الطارئة»، ممثلًا في توزيع الغذاء والخيام، قد فشل ولم يُعد مستدامًا.
وقال أحدهم معلقًا على التقرير في منصة «فيسبوك»: «الرسالة التي يصرخ بها التقرير للمجتمع الدولي والحكومة اليمنيّة هي: ينبغي الانتقال فوراً من خطط الإغاثة إلى خطط «التعافي والتنمية المستدامة»؛ مثل بناء مدارس دائمة بديلة وسط المخيمات، وإطلاق حملات سجل مدني متنقلة لتوثيق الأطفال مجاناً، ودعم مشاريع سُبل العيش الصغيرة للأسر بدلاً من الاعتماد على السلة الغذائية التي قد لا تأتي الشهر القادم».