«إضراب الكرامة» في رام الله… ووعود القيادات بقيت معلّقة


رام الله – «القدس العربي»: على أحد الأرصفة التي تقود إلى مجلس الوزراء الفلسطيني في حي الماصيون الراقي في مدينة رام الله، يواصل عشرات الشبان، متفاوتي الأعمار والأحوال، إضرابهم المفتوح أملا في الحصول على مستحقاتهم المالية التي حرموا منها منذ أشهر.
ويتوزع الشبان بين جرحى وأسرى سابقين ومن ذوي عائلات الشهداء، حيث يواصلون اعتصامهم المفتوح احتجاجًا على وقف مخصصاتهم المالية، ورفضًا لآلية الصرف المعتمدة عبر «المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي – تمكين»، مطالبين بإعادتهم إلى مؤسسة رعاية أسر الشهداء والجرحى وهيئة شؤون الأسرى.
ويطلق المحتجون على تحركهم اسم اعتصام الكرامة، ويهدفون إلى توسيع دائرة المشاركة الشعبية وتسليط الضوء على ما يقولون إنها أزمة مستمرة منذ أشهر، أدخلت مئات الأسر في أوضاع معيشية صعبة، في ظل غياب أي حلول عملية رغم الوعود الرسمية المتكررة.
ويشعر المشاركون، وبعضهم ينتمون إلى حركة «فتح»، أنهم يناضلون وحدهم في سبيل الدفاع عن حقوقهم الوطنية، فيما يتساءل محتجون: إذا كان أعضاء في اللجنة المركزية عاجزين عن الإيفاء بما تعهدوا به، فكيف لنا أن نثق بهم؟
وقضى المشاركون في الاحتجاج، وبعضهم من كبار السن، وقفة العيد وأيام العيد الثلاثة على الرصيف ذاته، وهم يواصلون وجودهم بعد أن فشلت وعود قطعت لهم من أعضاء لجنة مركزية ومجلس ثوري في حركة «فتح» بتلبية مطالبهم وإنصافهم.
وعلى الجدار الذي يسند أجساد الشبان، وبعضهم جرحى سابقون من الانتفاضة الأولى، علقوا رايات وأعلاما ويافطات تطالب بمنحهم الكرامة والعدل والإنصاف.
وفي آخر التطورات، طلب أعضاء من اللجنة المركزية من المضربين فك الإضراب، إلا أنهم رفضوا ذلك بعد عدم الإيفاء بوعود قطعت لهم قبل العيد الماضي.
وحسب الناطق الرسمي باسم المحتجين، ماهر أبو حديدة، فإن هذا الإضراب ليس الأول، فبعد عملية قطع للشارع الرئيسي في مدينة نابلس قبل أشهر، قرروا الخروج من المدينة وتنفيذ الإضراب في قلب مدينة رام الله.
وفي شهر رمضان الماضي، نفذوا إضرابا بهدف الحصول على مخصصاتهم ورواتبهم قبل العيد، من دون أن يحدث ذلك.
وفي المرحلة الثالثة، وبهدف استثمار حالة انعقاد المؤتمر الثامن لحركة «فتح»، نظم المحتجون إضرابا مفتوحا استمر سبعة أيام، كسر بعد تدخل وتعهد ممن وصفهم حديدة أنهم «إخوة وشرفاء من الأسرى المحررين ولجان السلم الأهلي»، وكذلك بعد تدخلات من مكتب نائب رئيس السلطة الفلسطينية حسين الشيخ، ومكتب ماجد فرج مدير المخابرات، ومكتب وزير الداخلية، وكذلك الأسير المحرر وعضو اللجنة المركزية زكريا الزبيدي.
ويتابع حدايدة في حديث خاص لـ»القدس العربي»: «علقنا الاعتصام لفترة قبل العيد، وحصلنا على وعود بأن يتم صرف مبلغ 1500 شيقل لجميع الجرحى وكذلك أمهات الشهداء، على أن تعقد بعد العيد مباشرة جلسات حوار مع الجهات المختصة لحل القضايا العالقة لمن قطعت رواتبهم، إلى جانب قضايا التأمين الصحي وقضايا أخرى، إلا أن أيا من ذلك لم يتحقق، حيث تذرعوا بالكشوفات ومشاكل مع البنوك، وبالتالي عدنا للاعتصام يوم الاثنين الماضي».
وحول من يمثله التحرك الاحتجاجي، شدد على أن التحرك لا يمثل حزبا أو فصيلا، وأضاف: «نحن شبان نطالب بحقوقنا، وأخذنا على عاتقنا ذلك في ظل عدم قيام من يمثلنا من اتحاد الجرحى وتجمع أسر الشهداء بأي موقف. قلنا نحن من يمثل حقوقنا.. لقد أخذنا على عاتقنا النزول إلى الشارع والمطالبة بتلك المطالب والدفاع عنها».
وجاء المحتجون من نابلس ورام الله وبيت لحم وعموم مدن الضفة، وهم يشتركون بعدم حصولهم على مخصصاتهم المالية المقرة منذ سنوات منذ ثمانية أشهر. عن ذلك يقول حدايدة، وهو جريح في الانتفاضة الأولى عام 1988، وينتمي إلى حركة «فتح» في نابلس، مخيم بلاطة: «لم نأخذ مخصصاتنا.. ننام في برد رام الله ليلا، ننفق على أنفسنا، وليس هناك من يقف معنا أو يقدم لنا الدعم».
وكان الرئيس محمود عباس أصدر العام الماضي مرسوما يقضي بإلغاء القوانين والأنظمة السابقة المتعلقة بمخصصات الأسرى والشهداء والجرحى، وتحويل إدارة الملف وبرامج الحماية الاجتماعية إلى «المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي – تمكين»، وهو قرار جاء في إطار إصلاحات مالية وإدارية تبنتها السلطة الفلسطينية وسط ضغوط مالية وسياسية متواصلة.
وأثار القرار الجديد اعتراضات واسعة من الأسرى المحررين والجرحى وعائلات الشهداء، الذين أكدوا أن المخصصات تمثل حقا مرتبطا بتضحياتهم الوطنية وليست مساعدات اجتماعية.
وقبل القرار الجديد، كان يتلقى حدايدة مبلغ 2400 شيقل على الإصابة التي تعرض لها في قدمه، أما حسب نظام «مؤسسة تمكين» الجديدة فقد تقرر أن يحصل على مخصص قدره 1400 شيقل.
ويعلق على ذلك: «لقد تم خصم ألف شيقل من مخصصاتي من دون أن يتم توضيح ما هو المعيار الذي حدد المبلغ الجديد».
وقال أحد المضربين في حديثه مع «القدس العربي»: «هناك من أقرت له مؤسسة تمكين راتبا وصل إلى 700 شيقل، وهناك من حصل على مبلغ لم يزد على 250 شيقلا، وهو ما يجعلنا نقول: على أي أساس تأتي هذه القرارات من المؤسسة؟ هل هناك حد أدنى للمساعدات كما يعمل به قانون الحد الأدنى للأجور؟». وقبل عيد الأضحى، تفاوض مسؤولون فتحاويون وقادة في أجهزة أمنية مع المضربين للحصول على مبلغ 1500 شيقل، وهو أمر يراه المحتجون بأنه «يشكل ظلما كبيرا، إنه مبلغ أقل من الحد الأدنى للأجور».
وقال الناشط حدايدة: «يؤسفني أن المؤسسة التي يديرها أحمد مجدلاني، وهو أمين حزب فلسطيني وكان سابقا وزيرا في وزارة الشؤون الاجتماعية، تقرر مخصصات تتراوح بين مبلغ 1400 شيقل و250 شيقلا، وهي مخصصات لا تنتمي إلى أي قانون، ولا نعرف بناء على أي تقييم تم إقرارها، حتى إنها تخالف قانون السلطة الفلسطينية حول الحد الأدنى للأجور».
ويتابع أحد المحتجين في حديث لـ»القدس العربي»: «كيف لنا أن نقول لعائلة فلسطينية إنه يمكنها العيش بمبلغ 250 شيقلا، هل يمكن للوزير مجدلاني العيش بهذا المبلغ؟».
وأضاف: «الأهم من كل ذلك أننا لا نعرف المعيار… كما أننا لا نقدر على التواصل مع موظفي مؤسسة تمكين، إنهم يغلقون الأبواب ومحاطون بالكاميرات ولا يتواصلون معنا»».وشدد أحد الجرحى: «ما يحدد راتبي أو مخصصي المالي هو نسبة العجز، الموجودون هنا مصابون بإصابات مختلفة، ومن أقر النسبة هي اللجنة الطبية في وزارة الصحة، أما اليوم فالسؤال هو من يحدد النسبة، وما هي المعايير التي يفترض أن تقوم على قاعدة توفير الحماية الاجتماعية للمناضلين».
وعن القيادات الفتحاوية التي تتوسط لإنهاء الاعتصام يقول حدايدة: «اللي بيجي عنا بروح وما برجع. ليس هناك من يقدم لنا شيئا حتى هذه اللحظة».
وينتقد ساخرا من جاء وقدم الوعود وطالب بفك الإضراب: «من أول غزواتهم كسروا عصاتهم، كما يقال.. هؤلاء لم يمر على انتخابهم قيادات للحركة أكثر من أسبوعين، وعندما وعدوا تبين أنهم لا يقدرون على شيء».
ويتساءل حدايدة: «يجري التفاوض على حقوقنا، ولكن السؤال: هل أنا قادر على التخلي عن وجعي؟ هل يمكنني أن أنتزع وجعي من قدمي، هل تتم معاقبتي اليوم لكوني في يوم من الأيام تصرفت بحس وطني وقاومت الاحتلال؟».
ويتابع بحرقة: «سر بقاء كل دول العالم هو احترامها لمناضليها وتقديرهم، واحترام من دافع عن مشروع السلطة اليوم.. أما ما نتعرض له فإنه نقيض ذلك».
ويطرح تساؤلا: «من يقوم اليوم بعملية التصدي للمستوطنين في ظل ما نتعرض له؟ لا أحد، من سيرد على نداء السلطة اليوم للمقاومة الشعبية؟ لا أحد، من يرفع شعار المقاومة الشعبية يدرك أن الجيش سيأتي ويطلق النار علينا، وفي حال أصيب هؤلاء من يحميهم ويمنحهم حقوقهم؟».
ويفند حدايدة الأساس الذي دفع السلطة الفلسطينية إلى إقرار القانون الجديد: «قالوا لنا إن الإجراء الجديد سيعمل على حل المشكلة المالية للسلطة، وسيقود إلى توفير المال للسلطة والموظفين العموميين، لكن ذلك لم يتحقق، ما زال الحصار المالي، وسيطلبون من السلطة المزيد، لن يتوقفوا عند نقطة، لقد تم عقابنا بحجة استرداد المال الخاص بالسلطة، لكن ذلك لم ولن يحدث».
ويختم حدايدة قائلا: «اليوم الثلاثاء كان هناك وعد بأن ينزل الراتب حسب معايير مؤسسة تمكين، هذا وعد قطع لنا، لكنه لم يتحقق.. والأكيد أننا مستمرون… كل هذه محاولات لضرب الاحتجاج عبر تقديم حلول جزئية لا تعالج أساس المشكلة».
يذكر أن أعداد الجرحى تقدر بنحو ثمانية آلاف جريح، إلى جانب الأسرى المحررين وذوي الشهداء الذين لم يتلقوا مخصصاتهم حتى الآن منذ ثمانية أشهر.
وتتزامن الأزمة مع استمرار إسرائيل منذ عام 2019 في اقتطاع مبالغ من أموال المقاصة الفلسطينية تعادل قيمة المخصصات المدفوعة للأسرى وعائلات الشهداء، وهو ما فاقم الأزمة المالية التي تواجهها السلطة الفلسطينية وأثر على انتظام صرف المستحقات المالية لفئات مختلفة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *