الفكر المُركّب الذي اهتمّ بمصير الإنسانية


برحيل إدغار موران ، تنطفئ واحدة من أكثر العقول يقظة في القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين. لم يكن الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي، الذي عاش أكثر من قرن، مجرد شاهد على عصر مضطرب، بل كان أحد الذين فكّروا في هذا العصر من داخله، وواجهوا مآسيه وأسئلته الكبرى بعقل لا يطمئن إلى اليقين، ولا يستسلم للتبسيط.

طوال حياته، ظل موران يتحرك بين التجربة والفكر: مقاوماً للنازية، شيوعياً في سنوات الحرب، منشقاً عن الستالينية بعد انكشاف مذابحها، عالم اجتماع للحاضر، ومفكراً في مصير الإنسان داخل عالم يزداد ترابطاً وتعقيداً. ومن هذا المسار الطويل تبلور مشروعه الأبرز، «الفكر المركّب»، بوصفه دعوة إلى جمع ما فرقته التخصصات، وإلى النظر إلى الإنسان والعالم في شبكة علاقاتهما لا في عزلة المفاهيم المغلقة.

هكذا تطوى صفحة واحد من أبرز مفكري العصر، ممن شغلوا خريطة الفكر الإنساني على مدى عقود، بآرائه وأسئلته ومواقفه التي أثارت الجدل وفتحت مسالك جديدة للتفكير. فقد ظل موران حتى سنواته الأخيرة منشغلاً بأحداث التاريخ، في مواجهة حية ومتوترة مع القرن الذي عاشه وتفاعل معه، ومصراً على أن الفكر لا ينفصل عن الحياة، وأن المعرفة لا تكتمل إلا حين تعترف بتعقيد الإنسان وهشاشة مصيره.

الفكر المركب

يحتل إدغار موران موقعاً فريداً في الفكر الفرنسي والعالمي بوصفه مفكر التعقيد بامتياز، ضمن الجيل الذي أعقب الوجودية والبنيوية على وجه الخصوص. وإذا كان مشيل فوكو ارتبط بتفكيك السلطة، واهتم بيير بورديو بنقد الهيمنة الرمزية، فإن إدغار موران احتل موقعاً خاصاً؛ إذ لم يكن وجودياً خالصاً ولا بنيوياً ولا ما بعد بنيوي، بل سعى إلى تجاوز الانقسامات بين هذه التيارات، وانتقد النزعة الاختزالية التي تفصل الظواهر الإنسانية إلى عناصر معزولة، داعياً إلى فهمها في ترابطها وتعقيدها، وإلى وصل بعضها ببعض من أجل بناء ما سمّاه «الفكر المركب»، إذ لا حدود فاصلة بين العلم والفلسفة، والذات والموضوع، والعقل واللاعقل، والفرد والمجتمع، ولا بين الطبيعة والثقافة.
لقد ارتبط مشروعه الفكري بسعيه الدؤوب لفهم العالم بوصفه شبكة من العلاقات المتداخلة التي لا يمكن إدراكها عبر التفكير الاختزالي. ولذلك كان يُنظر إليه باعتباره أحد أهم المنظّرين لفلسفة التعقيد والمعرفة العابرة للتخصصات، ناقداً للنزعة الوضعية الصارمة، مُعيداً النظر في منطلقات الإبستيمولوجيا الكلاسيكية ذات النسق الدوغمائي المرتكز على مبادئ مطلقة، ومنظّراً لإصلاح الفكر والتعليم والمعرفة. ولهذا أثّر مشروعه في علوم بكاملها، مثل علم التربية، وعلم الاجتماع، والفلسفة، والدراسات البيئية، ونظريات المعرفة والتواصل والدراسات الثقافية.
في جمعه بين البحث السوسيولوجي والفكر الفلسفي والدراسات السياسية، كان موران من خلال براديغم التفكير المركب القائم على التنسيب الانفتاح والحوار النقدي، وخلاصة الثورة العلمية التي يشهدها عالمنا اليوم، يدعو باستمرار إلى الاستفادة من الدرس الإبستيمولوجي مع رواده الكبار، من أمثال غاستون باشلار وكارل بوبر وتوماس كون، فالفكر ـ في نظره- لا يمكن أن يستمر إلا عن طريق الجدل والنفي والقطائع، وليس عبر التراكم وتبني الأفكار اليقينية، أو الحقائق المطلقة التي لا مكان لها في مجال المعرفة الإنسانية. كان شغله الشاغل هو التفكير في مصير الإنسانية في عصر العولمة والأزمات البيئية والتكنولوجية، داعياَ إلى بناء ما سماه «الأرض- الوطن» من خلال تنمية وعي كوني يجعل البشر يدركون مصيرهم المشترك.
يمثل كتابه «المنهج» La Méthode (1977- 2004) ذروة مشروعه النظري؛ إذ حاول فيه إعادة بناء أسس المعرفة انطلاقاً من التعقيد والتفاعل والتنظيم الذاتي، وهو ما جعل الكثير يعدّونه أحد أكبر المشاريع الإبستيمولوجية في الفكر المعاصر. يتألف الكتاب من ستة مجلدات (طبيعة الطبيعة، حياة الحياة، معرفة المعرفة، الأفكار، الإنسانية والهوية الإنسانية، ثم الأخلاقيات)، يمكن قراءتها، من دون التقيّد بترتيبها الزمني. فهو موسوعة معرفية تسعى إلى وصل المعارف بعضها ببعض ضمن حركة دائرية متفاعلة؛ إذ تُعرض فيه فكرة «المنهج» بصورة دورية، بل تكرارية أحياناً، وتُطبَّق على عدد كبير من المفاهيم والقضايا.
وفي قلب هذا المشروع، لا يُنظر إلى فكر التعقيد الذي نحته الرجل بدأب صبور، بوصفه نظرية معرفية فحسب، بل بوصفه مشروعاً لإصلاح العقل والوعي الإنساني؛ أي محاولة لتكوين إنسان قادر على فهم عالم متشابك ومتغير، من دون السقوط في التبسيط أو الدوغمائية.

علاقته بالسينما

كتب موران الرواية والسيرة الذاتية، واهتم بالفنون، ولاسيما فن السينما، في كتابه «السينما أو الإنسان المتخيل» (1956)، الذي يعد من النصوص المؤسسة في الدراسات السينمائية الحديثة. ففي هذا الكتاب يرى أن السينما لا تعكس الواقع فحسب، بل تعيد خلقه عبر المخيلة الإنسانية، بقدر ما هي تمثل نقطة التقاء عالمي الواقع والخيال، اللذين يعيش بينهما الكائن الإنساني من خلال مفهومي الإسقاط والتماهي، وهذا ما يفسر قوة التأثير الوجداني للسينما عند جمهور الناس. وفي كتابه «النجوم» (1957- 1972)، اهتم بظاهرة نجوم السينما، وحلّل كيف تحوّل النجوم إلى أساطير حديثة. فإذا كانت الأسطورة في المجتمعات التقليدية مرتبطة بالآلهة والأبطال، فإن الثقافة الجماهيرية في العصر الحديث صارت تنتج أساطيرها الخاصة عبر نجوم السينما، بل شارك مع عالم الاجتماع والسينمائي جان روش في إنجاز الفيلم الوثائقي «وقائع صيف» (1961)، الذي هو من نمط السينما المباشرة، وفيه يتم التقاط الحياة اليومية للناس العاديين، ومساءلة معنى الحقيقة في الصورة السينمائية. فعلاقته إذن، بالسينما كانت عميقة ومبكرة، بل إنها كانت أحد المداخل الأساسية للتفكير في الثقافة والخيال والوعي الجماعي، وقبل أن يشتهر بوصفه صاحب «فكر التعقيد»، كان من أوائل المفكرين الذين تعاملوا مع السينما بوصفها موضوعاً معرفياً وفلسفياً جديراً بالدراسة؛ فهي ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل رأى فيها مرآة تكشف آليات النفس الإنسانية، وتتيح فهم العلاقة المعقدة بين الواقع والخيال، وبين الذات والعالم. فقد رفعها من مرتبة «الفرجة» إلى مرتبة «الموضوع الفلسفي والسوسيولوجي»، بما هي مختبر حقيقي لفهم الإنسان الحديث؛ على نحو يكشف كيف تتشكل الأحلام والرموز والهويات الجماعية، وكيف يتداخل الواقعي بالمتخيل في بناء التجربة الإنسانية.

سيرة بين موت وحياة

كتب موران أكثر من عمل ذي طابع سيرذاتي، لكن أبرز نصوصه في هذا المجال هما: «فيدال وأهله» (1989)، و»شياطيني» (1994). يقع الكتاب الأول بين السيرة الذاتية والسيرة العائلية، ويتمحور حول والده «فيدال ناحوم»، ويعود إلى جذور عائلته اليهودية السفاردية، التي تنحدر من مدينة سالونيك. يجعل موران من شخصية والده محوراً للسرد. وقد وصف بعض النقاد هذه السيرة بأنها «سيرة مزدوجة»؛ لأنها تسرد حياة الأب والابن في آن واحد، بحيث تتحول كتابة الذات إلى كتابة الآخر كذلك. فيما يقترب الكتاب الثاني من السيرة الفكرية والوجودية، إذ يتتبّع فيه ما يسميه «شياطينه» الفكرية والوجدانية، أي مجموع القوى الخفية والأفكار والتجارب والهواجس العميقة والأسئلة الوجودية والتناقضات الداخلية التي كانت توجهه وتصنع شخصيته ومساره، عبر الأحداث والتجارب التي عاشها (الحرب العالمية الثانية، خوفه الدائم من الاعتقال، الانخراط في شبكة المقاومة ضد الاحتلال النازي، تبنيه اسم «موران» الذي سيصبح اسمه الفكري، انضمامه إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، نقد التجربة الشيوعية، خيبة أمله من الستالينية، اكتشافه حدود الأيديولوجيات المغلقة، انتقاله نحو فكر نقدي أكثر استقلالاً، إلخ). وقد يكون موت أمه «لونا» وهو في العاشرة من عمره، بمثابة الحدث المؤسس في حياته كلها، حيث ولّد لديه شعوراً مبكراً بالفقد والموت، وأيقظ في نفسه أسئلة موخزة تأثرت بها نظرته للعالم. ومن خلال كل ذلك، كان يريد أن يفهم كيف تشكلت هذه القوى وكيف ساهمت في بناء فكره ومشروعه المعرفي الذي يرفض الانغلاق داخل هوية واحدة، فيما هو يرى نفسه كائناً متعدد الانتماءات.
ولهذا فإن قراءة «شياطين «موران تساعد على فهم الخلفية الوجودية والعاطفية لفلسفة التعقيد نفسها؛ إذ نكتشف أن كثيراً من أفكاره الكبرى، مثل التعدد، واللايقين، والترابط، والهوية المركبة، ليست مفاهيم نظرية فقط، بل تجارب عاشها في حياته الشخصية قبل أن يصوغها في مشروعه الفكري، وقد كتب: «لست من أولئك الذين لهم مسيرة مهنية، بل من أولئك الذين لهم حياة». وقد ظلت هذه الحياة تتغذى باستمرار من تناقضات العالم وتوتراته، كما من التناقضات التي كان يختبرها في ذاته. وتدلّ على ذلك حتى قصة ميلاده؛ فحين وُلد إدغار ناحوم يوم 8 يوليو/تموز 1921 في باريس، داخل أسرة يهودية، كانت لحظاته الأولى معلقة بين الحياة والموت. كانت أمه «لونا» قد أخفت عن زوجها «فيدال» أن الأطباء منعوها من الإنجاب بسبب علّةٍ في القلب نتجت عن مضاعفات الإنفلونزا الإسبانية التي أصيبت بها سنة 1917. ومع ذلك، نجا الطفل ونجت الأم، ونشأت بينهما وشيجة حب وتعلق متبادل لا ينفصم. غير أن هذه الوشيجة ستتعرّض لصدمةٍ مُدمّرةٍ في حياة إدغار الصغير؛ إذ توفيت أمه إثر أزمة قلبية يوم 26 يونيو/حزيران 1931، عندما كان يقترب من سن العاشرة.
وقد وصف موران هذه الحادثة لاحقاً بأنها «هيروشيما داخلية»، ومنذ ذلك الحين، سيجد نفسه مضطراً إلى أن يعيش وفق العبارة التي استعارها من الفيلسوف الإغريقي هيروقليطس وجعلها شعاراً لحياته: «أن نحيا من الموت، وأن نموت من الحياة».

كاتب مغربي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *