لا تُغلِقِ الأبوابَ دوني،
فإنّي
أتيتُ من التعبِ الطويلِ
وفي يديَّ بقايا نجمةٍ
نجتْ من انطفاءِ المجرّات.
أتيتُ
أجرُّ خلفي
ليلَ مدائنَ كاملةٍ،
وأصغي إلى الأرصفةِ
وهي تئنُّ تحتَ خطى الغياب،
كأنَّ البلادَ التي مررتُ بها
كانت تُخبّئُ في شقوقِ جدرانِها
أعمارَ ناسٍ
تآكلوا بصمتِ الانتظار
لا تُغلِقِ الأبوابَ دوني،
فقلبي
ليس عابرَ ريحٍ،
ولا سائحاً في خرابِ الكلمات،
بل آخرُ من تبقّى
يحرسُ المعنى
حين تهربُ اللغةُ من أفواهِ القصائد.
أنا لم أجئْ
لأرتّبَ هزيمتي فوق الطاولاتِ
ككأسٍ مهشّمة،
ولا لأعدَّ خسائري
كما يفعلُ المنفيّونَ في محطّاتِ الرحيل،
بل جئتُ
أبحثُ عن نافذةٍ
تتّسعُ لصوتِ طفلٍ
ما زال يؤمنُ
بأنَّ السماءَ تُشبهُ رغيفاً دافئاً
إذا ابتسمَ الصباح.
لا تُغلِقِ الأبوابَ دوني،
ففي صدري
تمشي قوافلُ الذينَ مضوا
ولم ينحنوا،
الذينَ علّموا الترابَ
كيف يقفُ في وجهِ العاصفة،
وكيف تُضيءُ الدماءُ
إذا صارَ الوطنُ أكثرَ ظلمةً.
أنا واحدٌ منهم،
أرقّعُ بالقصيدةِ
ثقوبَ هذا العالم،
وأجمعُ من حطامِ الحروفِ
لغةً
تليقُ بأمٍّ
تنتظرُ ابنَها عند آخرِ الدعاء،
وبعاملٍ
يعودُ إلى بيتِه
حاملاً تعبَ الأرضِ
ورائحةَ الشمس.
لا تُغلِقِ الأبوابَ دوني،
فربّما يتأخّرُ النهارُ،
لكنّه لا يخونُ الجهات،
وربّما تتعبُ السفنُ
من دورانِها في المرافئِ البعيدة،
غيرَ أنّ بحراً واحداً
يكفي
كي تتذكّرَ الأمواجُ
طريقَ العودة.
دعني أمرُّ،
مثلَ عصفورٍ
أفلتَ من رصاصةِ صيّادٍ
بمعجزةِ الغناء،
ودعني أعلّقُ فوقَ هذا الليلِ
قنديلاً صغيراً،
لعلَّ التائهينَ يرونَ
أنَّ في هذا العالمِ
باباً
ما يزالُ موارباً للضوء.
شاعر من فلسطين