من غزة إلى أوكرانيا وإيران.. اكتشف ترامب محدودية القوة الأمريكية


لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا أعده ديفيد إي. سانغر، المختص بمتابعة الرؤساء الأمريكيين، قال فيه إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصل إلى طريق مسدود في تدخلاته الخارجية، فقد اكتشف أن الانتصارات السريعة التي وعد بها في أوكرانيا وغزة وإيران تتناقض مع الحقيقة المرة.

كل هذا مع أن الرئيس ترامب يحب أن تكون انتصاراته العسكرية والدبلوماسية سريعة وحاسمة. فهو يحتفظ على مكتبه في المكتب البيضاوي بنماذج لقاذفات بي-2 التي دمرت ثلاثة مواقع نووية إيرانية في ليلة واحدة، قبل أقل من عام. وفي الأسابيع الأولى من الحرب ضد إيران هذا العام، تحدث كثيرا عن نجاحه في فنزويلا، والذي وصفه بـ”السيناريو الأمثل”، وذلك في إشارة إلى الإطاحة بزعيم اعتبرته أمريكا مثيرا للمشاكل لها، بغارة كوماندوز سريعة، واستبدلته بخليفة مطيعة وموالية لأمريكا. ومن الواضح الآن أن ترامب وصل إلى مرحلة الجمود في رئاسته.

ودخلت حربه ضد إيران هذه المرحلة، فعندما أعلن وقف إطلاق النار في 7 نيسان/أبريل، قال ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي إن إنهاء العمليات القتالية سيكون مشروطا بـ”الفتح الكامل والفوري والآمن لمضيق هرمز”، ولم يكن الأمر كذلك. فحتى لو استؤنفت التجارة عبر المضيق بموجب مذكرة تفاهم لا يزال يتفاوض عليها، إلا أن مستقبل البرامج النووية والصاروخية الإيرانية لم يُبحث، وما زال على حاله، كما كان في شباط/فبراير عندما شن حربه مع إسرائيل ضد طهران. وتقول الإدارة الأمريكية إن مفاوضاتها بشأن هذا الملف “محدودة” جدا، وربما استمرت 60 يوما.

مستقبل البرامج النووية والصاروخية الإيرانية لم يُبحث، وما زال على حاله، كما كان في شباط/فبراير عندما شن حربه مع إسرائيل ضد طهران. وتقول الإدارة الأمريكية إن مفاوضاتها بشأن هذا الملف “محدودة” جدا

ولكن الإيرانيين اكتشفوا، على ما يبدو، تردد ترامب الشديد في العودة إلى العمليات العسكرية التي لا تحظى بشعبية واسعة بين الأمريكيين.

ويعتقد خبراء الشأن الإيراني أن إيران قد تحاول إطالة أمد المفاوضات لأشهر أو سنوات، كما فعلت مع الإدارات السابقة.

ثم هناك حرب أوكرانيا، وهي حرب مستمرة منذ خمس سنوات، حيث تباهى ترامب بأنه سينهيها في غضون 24 ساعة بعد توليه منصبه. وبعد ستة عشر شهرا من أدائه اليمين الدستورية، لم يعد يذكر الحرب هذه إلا نادرا. وقد اشتكى وزير الخارجية ماركو روبيو في الفترة الأخيرة من أنه سئم من إضاعة الوقت في مفاوضات لا نهاية لها، ملمحا إلى أنه سيكون سعيدا تماما إذا أرادت دولة أخرى التدخل ولعب هذا الدور.

من جانبهم، أوضح الروس بهدوء، وبحسب مصادر مطلعة على المفاوضات، أنهم يشعرون بالملل من الزيارات المتقطعة التي يقوم بها المبعوث الخاص للرئيس، ستيف ويتكوف، وصهر ترامب جاريد كوشنر. ويقولون إنهم يريدون عملية دبلوماسية مستقرة، تتضمن فرق عمل واجتماعات منتظمة. كما يطالبون بتعيين سفير أمريكي لدى روسيا، وهو منصب شاغر، بشكل مثير للدهشة، منذ ما يقرب من عام.

وهناك غزة، فعندما سافر السيد ترامب إلى إسرائيل للاحتفال بإطلاق سراح آخر الرهائن الأحياء من هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أشاد بخطة من عشرين بندا تبدأ بنزع سلاح حماس وإنشاء قوة استقرار دولية وإعادة إعمار غزة في نهاية المطاف. وتصور ترامب غزة الجديدة بأنها منطقة تنتشر فيها ناطحات سحاب زجاجية عملاقة وبراقة ومنتجعات ساحلية.

وبعد ثمانية أشهر من تلك الزيارة، لم تنزع حماس سلاحها بعد، ولا يزال الفلسطينيون ينامون في خيام، ولم تزل الأنقاض التي تعيش فيها القوارض والفئران. وفي الأسبوع الماضي، أعلن نتنياهو أن الجيش الإسرائيلي سيوسع سيطرته لتشمل نحو 70% من القطاع الفلسطيني.

ويعلق سانغر أن الجمود في الملفات الثلاثة قد يكون بسبب الصدام الحتمي لرئيس مع واقع الحروب. وربما كان ناتجا عن الثقة وتجاوز الحدود، فقد افترض ترامب بعد نجاحه الأولي في “غزوة” إيران، ومن ثم فنزويلا، أن لا شيء يقف أمام تفوق الجيش الأمريكي.

إلا أن بعض الخبراء يشيرون إلى سوء فهم جوهري من جانب ترامب للقوة الأمريكية، فكما قال أحد المقربين منه، فإن تدمير المواقع النووية من الجو هو ما تجيده أمريكا، لكنها لا تجيد إدارة سير الأحداث السياسية في أوكرانيا وروسيا وإيران.

ونقل سانغر ما قاله ريتشارد فونتين، كبير مساعدي السناتور جون ماكين سابقا والرئيس التنفيذي الحالي لمركز “الأمن الأمريكي الجديد”، في مقابلة خلال عطلة نهاية الأسبوع: “عادة ما تكون السياسة الخارجية عملية طويلة وشاقة، وترامب ليس أول رئيس يتخيل حلولا سريعة وبسيطة لمشاكل دولية معقدة ومستمرة. ومع ذلك، فإن الإدارة المستمرة والمتابعة الدقيقة هما ما يصنعان الفرق في كثير من الأحيان، وليس الإعلان الكبير والمثير”.

وفي هذا المجال، فسجل ترامب في الالتزام بتنفيذ الوعود ضعيف جدا.

ولإثبات جدارته بجائزة نوبل للسلام، كان يميل إلى جمع شهادات تشيد بالإنجازات التي حققها أو دعوة القادة إلى البيت الأبيض وعقد مراسم توقيع، أما إذا ما استؤنف القتال، فمن غير المرجح أن يتحدث عنه لاحقا.

ولعل الحرب الروسية-الأوكرانية هي الاستثناء بين كل الأمور التي تحدث عن سهولة حلها، فقد اعترف ترامب بأنه قلل من شأن المشكلة وتعقيدها، وربما من قدرته على الإقناع.

وقال في مقابلة مع صحيفة “نيويورك تايمز” في كانون الثاني/يناير، في إشارة إلى الرئيسين فلاديمير بوتين من روسيا وفولوديمير زيلينسكي من أوكرانيا: “لقد مررت بحالات كنت قد حسمت فيها الأمور مع بوتين، لكن زيلينسكي رفض إبرام الاتفاق، الأمر الذي صدمني، ثم مررت بحالات أخرى كان الوضع فيها معكوسا، أعتقد الآن أنهما يرغبان في إبرام اتفاق، لكننا سنرى”.

وفي الأشهر الخمسة التي تلت تلك المقابلة، تنبأ ترامب أكثر من مرة بقرب التوصل إلى اتفاق، لكنه فشل مرارا.

ويشعر الأوكرانيون اليوم بمزيد من القوة، إذ تصل طائراتهم المسيرة بعيدة المدى وصواريخهم محلية الصنع إلى عمق الأراضي الروسية، وتضرب مواقع الطاقة الحيوية والمصانع والمختبرات التي تنتج مكونات أسلحة رئيسية، وأحيانا أهدافا في موسكو.

ومع ذلك، بدا روبيو، الذي ترك المفاوضات بشكل رئيسي لويتكوف وكوشنر، وكأنه قد يئس من التوصل إلى اتفاق سلام مع أي من الطرفين في أي وقت قريب. وقال للصحافيين يوم الثلاثاء: “الولايات المتحدة على أهبة الاستعداد لتقديم كل ما في وسعها للمساعدة في إنهاء هذه الحرب. ونأمل أن تتاح لنا الفرصة في وقت ما لنلعب هذا الدور مرة أخرى”.

يرى بعض الخبراء الذين لعبوا دورا خفيا في محاولة تحفيز المفاوضات أن خطأ الإدارة الأمريكية يكمن في اعتمادها المفرط على المكالمات الهاتفية المتقطعة أو زيارات المبعوثين الخاصين، دون الانخراط اليومي للدبلوماسية التقليدية

ويرى بعض الخبراء الذين لعبوا دورا خفيا في محاولة تحفيز المفاوضات أن خطأ الإدارة الأمريكية يكمن في اعتمادها المفرط على المكالمات الهاتفية المتقطعة أو زيارات المبعوثين الخاصين، دون الانخراط اليومي للدبلوماسية التقليدية للحفاظ على استمرار المحادثات.

ويقول توماس غراهام، الدبلوماسي الأمريكي المخضرم الذي خدم في موسكو قبل انهيار الاتحاد السوفييتي وأدار حوارا استراتيجيا مع الكرملين خلال إدارة جورج دبليو بوش: “هذا الصراع جاهز للحل. لقد تغير المزاج في موسكو، وساحة المعركة مختلفة: الأوكرانيون جمدوا خط المواجهة، وتتفاقم المشاكل الاقتصادية في روسيا، ويتصاعد السخط السياسي. تدور النقاشات داخل الكرملين حول كيفية تقديم هذا على أنه نصر”.

لكنه أشار إلى أنه “لا بد من وجود عملية تفاوض”، وهذا ما زال مفقودا. وأضاف غراهام: “أعتقد أنهم يرغبون في رؤية هذه العملية من خلال مؤسسة بحيث تتجاوز مجرد حديث مبعوثين مع بوتين”.

كما تمثل إيران شكلا معقدا، وبشكل خاص، من أشكال الجمود. فخلال المفاوضات مع إيران في جنيف في شباط/فبراير، قال ويتكوف في مقابلة مع “فوكس نيوز” إن ترامب كان “يتساءل عن سبب عدم استسلامهم. لا أريد استخدام كلمة “استسلام”، ولكن لماذا لم يستسلموا؟”.

وطرح ترامب السؤال نفسه في الأسابيع الأولى من الحرب. وأعلن أن النتيجة الوحيدة المقبولة لديه هي “استسلام إيراني غير مشروط”. ولم يحدث أي من ذلك.

وعندما سأل سانغر ترامب، على متن رحلة عودته من الصين في منتصف أيار/مايو، عن سبب اعتقاده أن استئناف العمل العسكري سيقربه من أهدافه السياسية أكثر من الجولة الأولى من الضربات، ثار غاضبا وسرد قائمة بالأهداف التي ضربها الجيش، وأشار إلى القوات الجوية والبحرية الإيرانية المدمرة، لكنه لم يجب عن سؤال لماذا لم تتخل إيران عن اليورانيوم المخصب أو برنامجها الصاروخي. ووصف “نيويورك تايمز” والكاتب بـ”الخونة”.

وقد حدث هذا قبل أسبوعين، وهو يحاول الآن استخدام مزيج من الحوافز والتهديدات والمطالب المعدلة لإجبار إيران على الدخول في مفاوضات مماثلة لتلك التي كانت جارية في شباط/فبراير عندما بدأ هو ونتنياهو الحرب.

ونقل الكاتب ما قاله جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي للرئيس جوزيف بايدن، وأحد الشخصيات الرئيسية في مفاوضات عهد أوباما مع إيران: “لقد حاول قصف إيران وحاول فرض حصار عليها وحاول ترهيبها، ولكنه عالق الآن”.

وفي حال اتفق ترامب مع القيادة الجديدة في إيران، فسيبدأ جولة طويلة من المفاوضات. ويرى فونتين أن “المشكلة الأضيق المتمثلة في استمرار تخصيب اليورانيوم في إيران كان من الممكن حلها بالقصف، على الأقل على المدى المتوسط. أما المشكلة الأوسع نطاقا المتمثلة في الجمهورية الإسلامية، فلا يمكن حلها بهذه الطريقة”.

واكتشف ترامب التحديات نفسها في غزة، فهناك نجح في التوسط لعقد هدنة بين إسرائيل وحماس، وأُطلق سراح جميع الأسرى، أحياء كانوا أم أمواتا. وكل شيء توقف بعد ذلك، وفقد ترامب تركيزه مع انشغاله بالصراع الإيراني.

فلم تدخل الإدارة الفلسطينية الجديدة، التي أشار ترامب إلى أنها ستتشكل في غضون أشهر، إلى القطاع لتولي مسؤولية إعادة إعمار المدن.

وبالكاد بدأ “مجلس السلام” الذي شكله ترامب، والذي كان من المفترض أن يشرف على جهود إعادة الإعمار والاستثمار، عمله. وتواصل إسرائيل قصفها بشكل شبه يومي.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *