محمد المليحي
يعيش الرسم الحديث في العالم العربي حالة من الفوضى والتشوش والاضطراب العبثي هي ليست وليدة اليوم، بل تمتد بجذورها إلى منتصف سبعينيات القرن الماضي. بمعنى أن ما نراه اليوم هو ثمرة لنصف قرن من التراجع. إن أحدا من أبناء تلك المرحلة لم يكن يتوقع أن تنتهي الأمور إلى هذا الوضع الباهت والركيك والخالي من المعايير، بحيث يسلب اللافن الفن، قدرته على أن يعبر عن قوته. فمع زيادة عدد الرسامين وهو أمر طبيعي، زادت السوق انفتاحا على العروض الجديدة، التي لم تنطو على تجارب فردية تنبئ بخصوصيتها. وإذا ما عرجنا على الفراغ الذي تركه معلمو الفن الأوائل بسبب تقاعدهم، أو موتهم وهو فراغ انعكس على مستوى التدريس الفني في المعاهد والجامعات، فلا بد أن نُذكّر بأن تعرف الفنانين العرب الجدد على تحولات الرسم في العالم، تم بطريقة عشوائية ولم تأخذ المعرفة سياقها التاريخي.
في تلك اللحظة صار التأثر نوعا من السباق إلى السوق، حيث الذائقة الجمالية المكرسة. فإذا رأى الفنان رسوما للأمريكي سي تومبلي رسم مثلها، وإذا مرت به تجربة الفنان الألماني إنسلم كيفر، التقط بعض مفرداتها وصار يتاجر بها. واقعيا نجح البعض في تسويق أعمالهم على هذا الأساس الواهي، الذي لا يستند أصلا على قاعدة توظيف الموهبة لخدمة الذائقة الجمالية السائدة. ولا يهم اليوم السؤال عمَن كان الجاني ومن هو المجنى عليه، في ظل تدهور أحوال الرسم وسط فوضى، يصر عدد من محتكري صناعة المشهد الفني العربي على الاستمرار في الاستثمار فيها. لا لأنها تجلب لهم أموالا غير متوقعة حسب، بل أيضا لأن من شأن استمرارها أن يضفي عليهم صفة الوصاية. في سياق ذلك يمكننا أن نفهم أساليب وسبل تكريس الجيل الفني الذي ظهر في العالم العربي نهاية ستينيات القرن الماضي، باعتباره أهم الأجيال التي عملت على خلق فن حديث.
البحث عن أطواق نجاة
رافع الناصري
هل خرب الستينيون حقا مستقبل الرسم في العالم العربي؟ ذلك سؤال يتم تداوله همسا من غير أن يجرؤ أحد على التصريح به. ولكنه من وجهة نظري سؤال مبالغ في تشدده. صحيح أن ظهورهم اكتمل في السبعينيات التي صارت لهم مسرحا غير أن التدهور العام لم يكن من صنعهم. وصحيح أيضا أنهم استفادوا من تلك الخلخلة بحيث بقيت أسماؤهم في الصدارة التاريخية، في حين اختفت أسماء كثيرة تعود لفنانين ظهروا بعدهم، غير أن الظرف التاريخي الذي مرّ به العالم العربي هو الذي وهبهم تلك المكافأة التي لم تكن من صنعهم.
على سبيل المثال أذكر رافع الناصري وسالم الدباغ وعلي طالب ومحمد مهر الدين من العراق. محمد المليحي وفريد بلكاهية ومحمد شبعة من المغرب. نجيب بلخوجة وعلي بن سالم ومحمود سهيلي وعبد الرزاق الساحلي من تونس. فاروق حسني وعمر النجدي وأحمد نوار من مصر، وبول غراغوسيان وأمين الباشا وشفيق عبود من لبنان، ومروان قصاب باشي ونذير نبعة وفاتح المدرس من سوريا. كل هؤلاء وسواهم أسسوا لقيام رسم جديد في العالم العربي، تكمن أهميته في التحرر من وهم الهوية القومية، التي فشل الخمسينيون في الاهتداء إلى عناصرها.
تنعم الرسامون الستينيون العرب بالتأثيرات العالمية بعيدا عن الثنائية المحرجة في التراث والمعاصرة. ولكنهم وتلك حقيقة جارحة ومقلقة لم يأسسوا لمفهوم عميق للأصالة الشخصية، بحيث تشكل تأثيراتهم قاعدة لقيام رسم جديد في العالم العربي، رسم يستمد أصالته وقوة تعبيره ونبوغ معانيه من تجاربهم. كل واحد منهم كان عبارة عن جزيرة مقفلة على كنوزها المتخيلة. هل كانوا مسؤولين عن تلك القطيعة التي جرّت الرسم في ما بعد إلى مواقع رثة، في تهالكها في البحث عن أطواق نجاة خارجية؟
خبراء ضالعون في التضليل
فاتح المدرس
«شركة أعلنت إفلاسها» هل ينطبق ذلك الوصف على الرسم في العالم العربي، بعد أن تبنى الفنانون (عدد ليس قليلا منهم) المنطق التجاري. لا يمكن أن نصف الرسام الذي يرسم من أجل أن يكون منسجما مع الذائقة الجمالية السائدة، سوى بالرسام التجاري. ذلك ليس صحيحا من وجهة نظر رعاة الفن والمستثمرين فيه. لن يصدقنا أحد إذا ما قلنا إن الرسامين الذين يتصدرون المشهد الفني في العالم العربي، هم مجرد نساخين لتجارب عالمية أعجب بها المقتنون، بعد أن ضللتهم شبكات الدعاية التي صارت تتولى إنتاج خبراء ضالعين في العلاقات العامة. ولكنها الحقيقة.
ما يُسلط عليه الضوء من الرسم في العالم العربي اليوم هو عبارة عن جنين مشوه. لا لأنه لا يملك هوية شخصية حسب، بل أيضا لأنه لا يمت بصلة إلى الرسم، باعتباره بحثا حيا عن العلاقة التي تصلنا بالجمال بطريقة مستنيرة. كل رسوم الرسامين العرب الأحياء، التي تتبناها المزادات اليوم، هي علامات مرضية ينبغي الحذر منها. هناك مئات الرسامين العرب الأحياء فرض عليهم، إما أن يُطردوا إلى الهامش، أو يتم إلغاء وجودهم كما لو أنهم ليسوا موجودين. شيء من ذلك القبيل لا يمكن توقعه. ولكن المال الذي انتصر على النقد الفني يمكنه أن ينتصر على الرسم، من خلال جره إلى المستنقع.
ولكن ما علاقة فناني الستينيات العرب بذلك الخراب؟
مات الكثيرون منهم. ألا يزال في إمكان الأحياء منهم أن يشكلوا خطرا بما يستدعي التحذير منه؟
من السياسة إلى المال
مازحت ذات مرة صديقي الرسام المغربي أحمد جاريد. قلت له «يوم كان محمد المليحي في أربعينياته كان يُشار إليه بالرسام الكبير. أنت اليوم في الستين من عمرك ولا يُلحق باسمك لقب من ذلك النوع. ما سر تلك المفارقة؟» بطريقة أو بأخرى امتلك الستينيون نفوذا أهّلهم لأن يشكلوا سلطة على الفن. بدأ ذلك النفوذ بالاحتماء بالسلطة السياسية ليرتمي في ما بعد في حاضنة السلطة المالية. في الربع قرن الأخير تغير العالم العربي بطريقة سمحت للمال بأن يكون هو الحكم المهيمن الوحيد. وهنا أتذكر على سبيل المقاربة ما فعلته جماعة مدرسة تونس بالفنانين، حين تمترست في خندق السلطة السياسية، وصار لها نفوذ مارست من خلاله قمع الفنانين. في لحظة ما نجح الستينيون في الاستيلاء على السلطة الثقافية وقمعوا سواهم. اليوم يمارس مَن تبقى منهم الدور نفسه محتميا بالمال، بعد أن فقدت السلطات السياسية قوتها التقليدية في غير بلد عربي. لقد غيب احتكار الستينيين المشهد الفني أجيالا من الفنانين العرب كانت تجارب عدد مهم منهم تمثل تحولا في الرؤية الفنية والذائقة الجمالية. ولو أتيح لتلك التجارب أن تأخذ مسارها الطبيعي في العرض داخل العالم العربي لتغير تاريخ الفن في تلك المنطقة. ولكن شيئا من ذلك القبيل لم يحدث إلا في حدود ضيقة.
هناك اليوم مئات الرسامين العرب يعيشون في الغرب، خارج أوطانهم. يعزو البعض تلك الهجرة لأسباب سياسية، ذلك صحيح. غير أن الصحيح أيضا أن الجزء الأكبر منهم ترك بلاده لأنه شعر بأن هناك ظرفا ثقافيا يهدده بالاستسلام إلى اليأس ليتحول إلى مجرد معلم للرسم في إحدى المدارس. ذلك مصير من نجا منه البعض، لكن عن طريق الفرار. وعلينا اليوم أن نتخيل لو أن أولئك الرسامين بقوا في أوطانهم لما انتهينا إلى الفراغ.
ما يحدث اليوم في العالم العربي أن هناك عددا قليلا من الرسامين صار يستعمل في ذلك الفراغ موهبته في العلاقات العامة، لينضم إلى شبكة الاستثمار في الفن. وهي شبكة تتألف من أدعياء خبرة ومديري صالات فنية ومدبري علاقات سرية مع المزادات. يبدو المشهد كما لو أنه اقتُطع من أفلام المافيا. لكن لو عدنا إلى لوائح أعضاء لجان التحكيم والاستضافة والاختيار والتحكيم والتنسيق لاكتشفنا الحقيقة المرة. سنُصدم بالأسماء نفسها. نحن في حلقة مغلقة.
كاتب عراقي