آنا برسكي
قد يشكل الأسبوع السياسي المقبل نقطة تحول حاسمة لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، إذ يواجه في الوقت نفسه ثلاث معارك سياسية: مشروع قانون حل الكنيست، وانتخاب مراقب الدولة، والصراع الداخلي في حزب الليكود حول الانتخابات التمهيدية (البرايمريز) ومؤتمر الحزب.
ثلاث ساحات مختلفة، لكن السؤال نفسه يخيّم فوقها جميعاً: هل ما زالت المنظومة التي بناها نتنياهو حوله على مدى سنوات تستجيب لضغطة زر واحدة منه؟
إلى جانب الأسئلة السياسية المباشرة المتعلقة بموعد حل الكنيست وبدء الحملة الانتخابية وتحديد موعد الانتخابات، يشكل الأسبوع المقبل أيضاً اختباراً عميقاً للولاء والانضباط السياسي؛ فالأحزاب الحريدية تعيد فحص مكانتها داخل المعسكر اليميني، وأعضاء الائتلاف يدركون أن التصويت السري يمنحهم هامشاً نادراً من الحرية، كما يتضح داخل الليكود أن رغبة نتنياهو في تشكيل قائمة الحزب لها حدود.
والإجابة، عشية هذا الأسبوع، لم تعد بديهية كما كانت في السابق.
حتى وقت قريب كان يمكن الحديث عن “معسكر نتنياهو” وكأنه مؤسسة ثابتة تضم أحزاب الليكود و”شاس” و”يهدوت هتوراه” و”الصهيونية الدينية” و”عوتسما يهوديت”. لكن أزمة التجنيد كسرت هذه المعادلة
الشرخ الأول: الأحزاب الحريدية
حتى وقت قريب كان يمكن الحديث عن “معسكر نتنياهو” وكأنه مؤسسة ثابتة تضم أحزاب الليكود و”شاس” و”يهدوت هتوراه” و”الصهيونية الدينية” و”عوتسما يهوديت”. لكن أزمة التجنيد كسرت هذه المعادلة؛ ففي حزب “يهدوت هتوراه”، وخاصة في جناح “ديغل هتوراه” وبعد توجيهات الحاخام دوف لاندو، أصبحت الرسالة مختلفة: لم يعد هناك التزام تلقائي بمعسكر نتنياهو بالمعنى التقليدي. فإذا لم يُسن قانون ينظم وضع طلاب المعاهد الدينية، فلن يكون هناك التزام سياسي أعمى تجاه نتنياهو.
لذلك، فإن التصويت على حل الكنيست يُعد رسالة واضحة؛ فقد فعل الحريديم ما يكرهه نتنياهو أكثر من أي شيء آخر: أخرجوا التهديد من الغرف المغلقة ووضعوه على الطاولة علناً. بالنسبة لهم هذه مسألة ثقة، أما نتنياهو الذي اعتاد إدارة الأزمات مع الحريديم عبر كسب الوقت والوعود والاتصالات الليلية مع الحاخامات، فيكتشف هذه المرة أن الوقت يعمل ضده أيضاً.
الشرخ الثاني: التصويت السري على مراقب الدولة
ظاهرياً، يفترض أن يكون الأمر بسيطاً: ائتلاف حكومي يختار مرشحه لمنصب مراقب الدولة. لكن هنا تكمن المشكلة؛ فالمحامي ميخائيل رابيليو ليس مجرد مرشح يدعمه نتنياهو، بل يُنظر إليه على أنه مرتبط بنتنياهو بشكل وثيق جداً بالنسبة لمنصب يفترض أن يراقب الحكومة التي يرأسها. وقد يكون من الممكن تبرير ذلك قانونياً، لكن تبريره سياسياً وجماهيرياً أصعب بكثير.
في المقابل، يشكل القاضي المتقاعد يوسف إيلرون مرشحاً لم تكن المعارضة لتتبناه بحماسة في الظروف العادية. فهو محافظ ويميني وليس مرشح أحلام خصوم نتنياهو. لكن السياسة لا تبحث دائماً عن المرشح المثالي، بل أحياناً عن المرشح القادر على إيلام الخصم. ومنذ أن أصبح إيلرون في مواجهة رابيليو، تحول بالنسبة للمعارضة إلى الأداة المناسبة.
التصويت السري المقرر يوم الأربعاء المقبل يُدخل إلى المشهد العنصر الذي يكرهه نتنياهو أكثر من أي شيء آخر: عدم اليقين، فعضو الكنيست يستطيع علناً أن يوقع ويعد ويقسم بالولاء، ثم يصوت خلف الستار بشكل مختلف تماماً. وإذا كان هناك نواب في الليكود سبق أن وقعوا دعماً لإيلرون ثم طُلب منهم التراجع، وإذا كان هناك في “يهدوت هتوراه” من يرون في التصويت فرصة لإرسال رسالة بشأن قانون التجنيد، فإن انتخاب مراقب الدولة يتحول من إجراء مؤسساتي إلى تصويت ثقة غير مباشر بنتنياهو.
الجبهة الثالثة: الليكود نفسه
وربما تكون هذه الجبهة هي الأهم. فالمعركة داخل الليكود لا تتعلق فقط بموعد الانتخابات التمهيدية أو انعقاد مؤتمر الحزب، بل تدور حول المنتج السياسي الذي سيقدمه نتنياهو للناخبين في الانتخابات المقبلة: قائمة الليكود.
يدرك نتنياهو جيداً حجم الخطر. فمنتسبو الليكود يحبون السياسيين المقاتلين والصاخبين والمخلصين، ويكافئون من يهاجمون القضاء والمعارضة ويظهرون باستمرار في وسائل الإعلام.
لكن الانتخابات العامة ليست انتخابات تمهيدية؛ فمن يشعل حماسة القاعدة الحزبية قد ينفر في الوقت نفسه الناخبين الذين يحتاجهم نتنياهو فعلاً للفوز: ناخبو اليمين المعتدل، وخائبو الأمل من الليكود، وأولئك الذين يقولون “رغم كل شيء سنصوت لنتنياهو”. هؤلاء قد لا ينتقلون إلى اليسار، لكنهم قد يمتنعون عن التصويت أو يبحثون عن بديل آخر.
وبحسب مصادر في الليكود، فإن الاستطلاعات الداخلية المعروضة على نتنياهو ترسم صورة مقلقة: المعركة المقبلة قد تدور حول ثمانية إلى عشرة مقاعد متأرجحة. وهذا لم يعد صراعاً على المركز الأول في الانتخابات التمهيدية، بل على الفارق بين تشكيل حكومة جديدة أو البقاء في مقاعد المعارضة.
محاولات للسيطرة على القائمة
على هذه الخلفية تُطرح أفكار مختلفة للالتفاف على إرادة أعضاء الحزب أو تعديلها، مثل تشكيل لجنة تنظيمية خاصة، أو تغيير نظام الانتخابات الداخلية، أو توسيع القائمة القطرية، أو تأخير تمثيل الأقاليم إلى مراتب متأخرة، أو منح نتنياهو مقاعد محجوزة يختار شاغليها بنفسه.
الأسماء مختلفة، لكن الهدف واحد: تقليص خطر أن تنتج الديمقراطية الداخلية في الليكود قائمة ترضي القاعدة الحزبية لكنها تنفر ناخبي الوسط واليمين المعتدل.
لكن حتى داخل الليكود توجد حدود؛ فنتنياهو ما زال زعيم الحزب بلا منازع، إلا أن أعضاء الليكود لا يحبون إلغاء الانتخابات التمهيدية. هم مستعدون لقبول قائد قوي، لكنهم أقل استعداداً للتحول إلى مجرد كومبارس.
لذلك، فإن اجتماعات لجنة الدستور في الحزب يوم 2 يونيو، والمحكمة الحزبية يوم 4 يونيو، ليست مجرد إجراءات تقنية؛ فقد تشكل مؤشراً على أن نتنياهو يسلّم بإجراء الانتخابات التمهيدية، حتى لو حاول التأثير في قواعدها حتى اللحظة الأخيرة.
الخلاصة:
هذا هو جوهر الأسبوع المقبل: نتنياهو ما زال قوياً، لكن قوته لم تعد تلقائية كما كانت في السابق؛ فالأحزاب الحريدية لم تعد حليفاً مضموناً، وأعضاء الكنيست لم يعودوا أصواتاً مضمونة في جيبه، والليكود نفسه لم يعد مادة خاماً يشكلها كيفما يشاء.
معاريف 31/5/2026