نواكشوط – “القدس العربي”: هل وصلت التبرعات التي جمعها الموريتانيون على مدى سنوات دعماً لسكان قطاع غزة إلى مستحقيها بالفعل؟ وإذا كانت قد وصلت، فلماذا يثير السفير الفلسطيني في نواكشوط بشير أبو حطب الشكوك حول مصيرها؟ ومن يملك الرواية الأدق في هذا الملف الحساس، السلطة الفلسطينية أم الجهات التي أشرفت على حملات الدعم والمتضامنين مع غزة؟ وهل يكشف الجدل الحالي عن خلل في آليات التبرع والتحويل، أم إنه مجرد انعكاس للانقسام الفلسطيني والتجاذبات السياسية المحلية في موريتانيا؟
شهدت موريتانيا خلال حرب غزة، حملات تعبئة وتبرعات واسعة شارك فيها مواطنون من مختلف الشرائح الاجتماعية
هذه الأسئلة تصدرت النقاش العام في موريتانيا خلال الأيام الأخيرة، بعد أن تحولت تصريحات أدلى بها أبو حطب، بشأن التبرعات الموريتانية الموجهة إلى سكان قطاع غزة، إلى محور سجال سياسي وإعلامي واسع، أعاد إلى الواجهة أسئلة قديمة حول آليات جمع الأموال وتحويلها، كما كشف في الوقت ذاته حجم التشابك بين التضامن الشعبي الموريتاني مع فلسطين والانقسامات الفلسطينية الداخلية، فضلاً عن امتداد التجاذبات السياسية المحلية إلى هذا الملف شديد الحساسية.
وكان السفير الفلسطيني قد أكد، في تصريحات أثارت ردود فعل متباينة، أن التبرعات المالية التي قدمها الموريتانيون خلال السنوات الأخيرة دعماً لسكان قطاع غزة “لم تصل إلى القطاع”، مضيفاً أن السفارة الفلسطينية على استعداد للإشراف على إيصال أي تبرعات بصورة علنية وشفافة، بما يضمن وصولها إلى مستحقيها.
ولفتت هذه التصريحات الأنظار على نطاق واسع مكانة القضية الفلسطينية في الوجدان الموريتاني، حيث شهدت موريتانيا خلال حرب غزة، وكذلك خلال المحطات السابقة من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حملات تعبئة وتبرعات واسعة شارك فيها مواطنون من مختلف الشرائح الاجتماعية، وأشرفت عليها هيئات وجمعيات عدة، يتقدمها الرباط الوطني لنصرة الشعب الفلسطيني، الذي يمثل منذ سنوات إحدى أبرز واجهات التضامن الشعبي مع الفلسطينيين في موريتانيا.
تحولت تصريحات السفير إلى مادة رئيسية للنقاش في وسائل الإعلام المحلية، وعلى منصات التواصل الاجتماعي
وخلال ساعات قليلة، تحولت تصريحات السفير إلى مادة رئيسية للنقاش في وسائل الإعلام المحلية، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث انقسمت الآراء بين من اعتبرها تشكيكاً مباشراً في مصير ملايين الأوقية التي جُمعت باسم دعم غزة، ومن رأى فيها انعكاساً للخلافات الفلسطينية الداخلية أكثر من كونها كشفاً لمعطيات جديدة حول ملف التبرعات.
ويرى متابعون أن الجدل لم يكن معزولاً عن السياق السياسي المحلي، إذ سرعان ما دخلت على الخط الانقسامات القائمة بين الإسلاميين وخصومهم في موريتانيا. فبعض المنتقدين يعتبرون أن الجهات الأكثر نشاطاً في جمع التبرعات محسوبة سياسياً على تيار الإخوان المسلمين، بينما يرى المدافعون عنها أن استهدافها يأتي في إطار خصومة سياسية قديمة لا علاقة لها بالعمل الإنساني أو بالقضية الفلسطينية.
حماس تدخل على الخط
وجاء أول رد بارز على تصريحات السفير الفلسطيني من ممثل حركة “حماس” في موريتانيا، محمد صبحي أبو صقر، الذي سارع إلى التأكيد أن المساعدات والتبرعات التي يقدمها الموريتانيون تصل بالفعل إلى مستحقيها داخل الأراضي الفلسطينية.
وقال إن الشعب الفلسطيني يقدر عالياً ما قدمه الموريتانيون من أشكال الدعم والإسناد خلال السنوات الماضية، مؤكداً أن حجم التضامن الشعبي والرسمي الموريتاني مع فلسطين يحظى بتقدير واسع داخل قطاع غزة.
موريتانيا تمثل بالنسبة للفلسطينيين فضاءً داعماً على المستويات الإنسانية والشعبية والإعلامية والدبلوماسية
وأضاف أن موريتانيا تمثل بالنسبة للفلسطينيين فضاءً داعماً على المستويات الإنسانية والشعبية والإعلامية والدبلوماسية، مشيداً بالتسهيلات التي توفرها السلطات الموريتانية للقضية الفلسطينية. كما شدد على أن حركة حماس لا تتدخل في الشأن السياسي الداخلي الموريتاني، وتقف على مسافة واحدة من مختلف القوى الوطنية والسياسية.
شهادات مضادة
وفي مواجهة تصريحات السفير، تحرك عدد من الإعلاميين والناشطين المقربين من الجهات المشرفة على حملات التبرعات للدفاع عن مصداقية تلك الجهود.
وقال الهيبة الشيخ سيداتي، مدير وكالة الأخبار المستقلة المقربة من الاتجاه الإسلامي، إن السفير الفلسطيني يمثل السلطة الفلسطينية التي لا تدير قطاع غزة، مشيراً إلى وجود عشرات المقاطع المصورة والشهادات الميدانية التي يظهر فيها فلسطينيون من القطاع وهم يشكرون الموريتانيين على ما وصلهم من مساعدات ودعم.
أما السياسي والشاعر أحمد أبو المعالي، فاعتبر أن التشكيك في مصير التبرعات ليس جديداً، وأن مثل هذه الاتهامات طُرحت في مناسبات سابقة دون أن تنجح في زعزعة ثقة الموريتانيين في الهيئات المشرفة على حملات الدعم.
وأضاف أنه تعامل عن قرب مع القائمين على الرباط الوطني لنصرة الشعب الفلسطيني، ويشهد لهم، حسب تعبيره، بالجدية والأمانة والتفاني في خدمة القضية الفلسطينية، مؤكداً أن الأموال التي تُجمع من المتبرعين يتم التعامل معها باعتبارها أمانة مخصصة حصراً لدعم الشعب الفلسطيني.
السياسي والشاعر أحمد أبو المعالي، اعتبر أن مثل هذه الاتهامات طُرحت في مناسبات سابقة دون أن تنجح في زعزعة ثقة الموريتانيين في الهيئات المشرفة على حملات الدعم
وأشار كذلك إلى أن معظم الأنشطة الإغاثية موثقة بالصوت والصورة، وأن قادة ومسؤولين في حركة حماس أشادوا مراراً بالمساعدات القادمة من موريتانيا.
في المقابل، رأى عدد من المدونين والفاعلين السياسيين أن تصريحات السفير الفلسطيني تستوجب نقاشاً أكثر عمقاً حول آليات جمع الأموال وتحويلها ومراقبة أوجه صرفها.
واعتبر المدون محمد عبد المؤمن أن القضية تحولت سريعاً إلى ساحة للمناكفات السياسية بين أطراف متنافسة، بينما يظل السؤال الأساسي مرتبطاً بضرورة وجود جهة مستقلة وقادرة على تقديم معلومات موثقة حول مسار الأموال منذ جمعها وحتى وصولها إلى المستفيدين.
أما المدون حبيب الله أحمد، فقدم مقاربة أكثر توازناً، مشيراً إلى أن التحقق من وصول التبرعات إلى داخل قطاع غزة يواجه تحديات حقيقية في ظل الحصار والحرب والقيود الأمنية المفروضة على القطاع.
وأوضح أن بعض الجهات تنشر بالفعل صوراً ومقاطع توثق استفادة فلسطينيين من المساعدات الموريتانية، لكن ذلك لا يلغي الحاجة إلى مزيد من الشفافية والتوثيق، خصوصاً مع وجود شهادات أخرى لسكان من غزة يقولون إنهم لم يسمعوا بوصول مساعدات موريتانية مباشرة.
وأضاف أن اقتراح تمرير المساعدات عبر مؤسسات السلطة الفلسطينية لا يبدو خياراً يحظى بإجماع المتابعين، بالنظر إلى حالة الانقسام السياسي المستمرة بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس، وإلى التعقيدات الأمنية والسياسية التي تحكم حركة الأموال والمساعدات داخل الأراضي الفلسطينية.
مطالب بالتحقيق
وذهب بعض المنتقدين إلى أبعد من المطالبة بالتوضيح، داعين إلى فتح تحقيق رسمي يكشف للرأي العام مصير الأموال التي جُمعت خلال السنوات الماضية.
وفي هذا السياق، دعا المدون المعارض محمد الحافظ ولد لبد المقيم في أمريكا إلى إجراء تحقيق شفاف ومستقل، معتبراً أن المواطنين الذين تبرعوا من مواردهم الخاصة من حقهم معرفة كيفية التصرف في أموالهم والجهات التي تسلمتها.
جدد وزير الإعلام السابق محمد ولد أمين انتقاداته القديمة لحملات جمع التبرعات، مطالباً بنشر بيانات تفصيلية
كما جدد وزير الإعلام السابق والمحامي محمد ولد أمين انتقاداته القديمة لحملات جمع التبرعات، مطالباً بنشر بيانات تفصيلية حول الحسابات المالية وأوجه الإنفاق، وعدم استبعاد اللجوء إلى تحقيق رسمي إذا ظهرت معطيات تثير الشكوك حول إدارة الأموال أو مستوى الشفافية في تسييرها.
في المقابل، يرفض المدافعون عن حملات التبرع هذه الاتهامات، معتبرين أن الهيئات المشرفة على جمع الأموال تعمل بصورة علنية وتحت أنظار السلطات والرأي العام، وأن استمرار تدفق التبرعات الشعبية خلال السنوات الماضية يعكس مستوى الثقة الذي ما زالت تحظى به لدى المواطنين.
بين الانقسام والتجاذب
ويرى مراقبون أن الجدل الدائر يتجاوز في جوهره مسألة التبرعات وحدها، ليعكس أيضاً تداعيات الانقسام الفلسطيني المستمر منذ عام 2007 بين السلطة الفلسطينية في رام الله وحركة “حماس” التي تدير قطاع غزة.
فالسفير الفلسطيني يمثل السلطة الفلسطينية المعترف بها دولياً، بينما ترتبط غالبية شبكات التضامن الشعبي الموريتانية بعلاقات وثيقة مع شخصيات وهيئات تحظى بمكانة معتبرة داخل أوساط المقاومة الفلسطينية، وهو ما يجعل أي نقاش يتعلق بالمساعدات أو التبرعات عرضة للتأثر بالاستقطاب الفلسطيني القائم.
ما الحجم الحقيقي للأموال التي جُمعت خلال السنوات الأخيرة؟ وكيف جرى تحويلها؟
وفي ظل تمسك السفير الفلسطيني بروايته، وإصرار ممثل حركة حماس والجهات المشرفة على حملات التبرعات على أن الأموال والمساعدات وصلت بالفعل إلى مستحقيها، تبقى مجموعة من الأسئلة الجوهرية معلقة دون إجابات حاسمة: ما الحجم الحقيقي للأموال التي جُمعت خلال السنوات الأخيرة؟ وكيف جرى تحويلها؟ ومن هي الجهات التي تسلمتها داخل الأراضي الفلسطينية؟ وهل يمكن نشر كشوف تفصيلية موثقة تضع حداً للجدل المتصاعد؟
أسئلة تجاوزت حدود النقاش الإنساني والإغاثي لتتحول إلى قضية رأي عام في موريتانيا، البلد الذي ظلت فلسطين فيه، لعقود طويلة، حاضرة بقوة في الخطاب الشعبي والسياسي والوجداني على حد سواء.