تعد هذه الاشتباكات امتدادا لسلسلة من التوترات الأمنية التي تشهدها الزاوية منذ أشهر، في ظل الصراع المستمر بين تشكيلات مسلحة تتنافس على النفوذ والسيطرة داخل المدينة.
طرابلس ـ «القدس العربي»: تشهد مدينة الزاوية، الواقعة غرب العاصمة طرابلس، تصاعدا مقلقا في التوترات الأمنية خلال الأسابيع الأخيرة، وسط تجدد الاشتباكات بين مجموعات مسلحة محلية، وتزايد حوادث الاغتيال، وتحذيرات أممية من انزلاق المدينة نحو موجة جديدة من العنف قد تهدد حياة المدنيين وتفاقم حالة عدم الاستقرار في المنطقة.
وجاءت أحدث التطورات مع تجدد الاشتباكات المسلحة داخل المدينة خلال الأيام الماضية بين مجموعات متنافسة، ما أسفر عن سقوط قتيل وإصابة شخصين على الأقل، بحسب ما أفادت به مصادر محلية وتقارير إعلامية. وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي أصوات إطلاق نار كثيف وانتشارا للمسلحين في عدد من شوارع المدينة، وسط حالة من القلق بين السكان.
وتعد هذه الاشتباكات امتدادا لسلسلة من التوترات الأمنية التي تشهدها الزاوية منذ أشهر، في ظل الصراع المستمر بين تشكيلات مسلحة تتنافس على النفوذ والسيطرة داخل المدينة، التي تمثل إحدى أهم المدن الواقعة على الساحل الغربي لليبيا وتضم مرافق حيوية ومنشآت استراتيجية، أبرزها مصفاة الزاوية النفطية.
وكانت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا قد أعربت قبل أيام عن قلقها البالغ إزاء التقارير التي تتحدث عن استمرار حشد التشكيلات المسلحة في الزاوية والمناطق المحيطة بها، إلى جانب الارتفاع المقلق في حوادث الاغتيال، محذرة من أن هذه التطورات قد تؤدي إلى إشعال موجة جديدة من العنف في المنطقة.
وقالت البعثة في بيان إن استمرار التحشيدات العسكرية والتوترات الأمنية يعرض حياة المدنيين للخطر المباشر، داعية جميع الأطراف إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس والامتناع عن أي خطوات قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد.
وأشارت إلى أن النتائج الأخيرة لفريق الخبراء المعني بليبيا أكدت أن التنافس بين التشكيلات المسلحة على النفوذ والسيطرة والوصول إلى موارد الدولة ما يزال يشكل أحد أبرز العوامل التي تقوض الأمن والاستقرار وتضعف مؤسسات الدولة الليبية.
وجددت البعثة دعوتها للسلطات الليبية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المدنيين وتعزيز سيادة القانون ومحاسبة المسؤولين عن أعمال العنف والانتهاكات، مؤكدة أن الإفلات من العقاب يمثل أحد أهم أسباب استمرار دوامة العنف في البلاد.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تشهد فيه الزاوية تصاعدا في حوادث الاغتيال والاستهداف المسلح، إذ سجلت المدينة خلال الأشهر الأخيرة عددا من عمليات القتل التي استهدفت شخصيات محلية وعناصر مرتبطة بمجموعات مسلحة مختلفة، الأمر الذي عمق المخاوف من انهيار التفاهمات الأمنية الهشة التي كانت تمنع اندلاع مواجهات واسعة النطاق.
ويرى مراقبون أن الوضع في الزاوية يعكس جانبا من الأزمة الأمنية الأوسع التي تعيشها ليبيا منذ سنوات، حيث ما تزال التشكيلات المسلحة تحتفظ بنفوذ واسع في عدد من المدن والمناطق، مستفيدة من حالة الانقسام السياسي والمؤسسي التي تعرقل جهود بناء مؤسسات أمنية وعسكرية موحدة.
وتكتسب الزاوية أهمية خاصة في المشهد الليبي بسبب موقعها الاستراتيجي غرب العاصمة طرابلس، فضلا عن احتضانها واحدة من أكبر مصافي النفط في البلاد، وهو ما جعلها على الدوام ساحة للتنافس بين القوى المحلية المختلفة.
وخلال السنوات الماضية شهدت المدينة عدة جولات من الاشتباكات المسلحة بين مجموعات متنافسة، تخللتها اتفاقات تهدئة ومصالحات محلية لم تنجح في إنهاء أسباب الصراع بشكل نهائي. كما تعرضت بعض أحياء المدينة مرارا لأعمال عنف أدت إلى سقوط ضحايا بين المدنيين وإلحاق أضرار بالممتلكات العامة والخاصة.
ويربط عدد من المتابعين بين تدهور الأوضاع الأمنية في الزاوية واستمرار الانقسام السياسي في ليبيا، حيث أدى غياب سلطة مركزية قادرة على فرض سيادة القانون على كامل التراب الليبي إلى تعزيز نفوذ الفاعلين المسلحين المحليين، وتحول بعض المدن إلى مناطق نفوذ متنازع عليها بين أطراف مختلفة.
وفي هذا السياق، شددت الأمم المتحدة ودول غربية عدة خلال الأشهر الماضية على ضرورة المضي قدما في عملية سياسية شاملة تفضي إلى توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية وإجراء انتخابات وطنية تنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة التي تعيشها البلاد منذ سنوات.
كما يرى خبراء أن معالجة الوضع في الزاوية لا يمكن أن تقتصر على الحلول الأمنية فقط، بل تتطلب أيضا معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي ساهمت في بروز التشكيلات المسلحة وتعزيز نفوذها داخل المدينة، بما في ذلك قضايا التهميش والبطالة والصراع على الموارد.
وفي ظل استمرار التوترات، يخشى سكان المدينة من تكرار سيناريوهات المواجهات السابقة التي شهدتها الزاوية وأدت إلى سقوط قتلى وجرحى وإغلاق طرق رئيسية وتعطيل الحياة اليومية. كما تتزايد المخاوف من أن يؤدي أي تصعيد جديد إلى تهديد المنشآت الحيوية القريبة من مناطق الاشتباكات.
وتحمل الزاوية أهمية خاصة في المشهد الليبي ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي غرب العاصمة طرابلس، بل أيضا لاحتضانها مصفاة الزاوية، أكبر مصفاة نفطية عاملة في البلاد، إضافة إلى مرور الطريق الساحلي الدولي عبرها، وهو ما يجعل أي اضطراب أمني فيها ذا تأثير يتجاوز حدود المدينة ليطال حركة النقل والتجارة وإمدادات الوقود في مناطق واسعة من غرب ليبيا. كما تضم المدينة ميناء ومنشآت حيوية جعلتها على مدى سنوات محل اهتمام مختلف القوى المحلية المتنافسة.
وشهدت الزاوية خلال السنوات الأخيرة عددا من جولات العنف والاشتباكات المسلحة التي اندلعت بين مجموعات محلية متنافسة، وأسفرت في أكثر من مناسبة عن سقوط قتلى وجرحى وإغلاق مؤقت للطريق الساحلي وتعطيل الدراسة والخدمات العامة. ورغم نجاح وساطات محلية ورسمية في احتواء بعض تلك المواجهات وإبرام اتفاقات تهدئة، فإن جذور الأزمة المرتبطة بتعدد التشكيلات المسلحة والصراع على النفوذ والموارد بقيت قائمة، ما جعل المدينة عرضة لتجدد التوترات كلما تصاعدت الخلافات بين الأطراف المتنافسة.
وبينما تتواصل الدعوات المحلية والدولية لاحتواء التوتر ومنع انزلاق الأوضاع نحو مواجهة أوسع، تبقى الزاوية واحدة من أبرز بؤر التوتر الأمني في غرب ليبيا، وسط ترقب لمآلات التحركات الجارية والجهود الرامية إلى تثبيت الاستقرار ومنع عودة دوامة العنف التي حذرت منها الأمم المتحدة.
وتعكس التطورات الأخيرة في المدينة حجم التحديات التي ما تزال تواجه ليبيا في ملف الأمن، إذ تؤكد أن غياب الحلول السياسية الشاملة واستمرار تعدد مراكز القوة المسلحة يبقيان عاملين رئيسيين في تهديد الاستقرار، ليس فقط في الزاوية، وإنما في مختلف أنحاء البلاد.