عيد المغاربة بطعم المرارة والسخط على حكومة «الإفك العظيم»!


عاش الكثير من المغاربة عيد الأضحى، هذا العام، في أجواء غير معهودة من قبل، ذلك أن حكومة عزيز أخنوش نغّصت عليهم الفرحة، ونكّدت المناسبة الدينية العظيمة، فجعلت طعمها مريرًا.
وخلافًا للتقارير التلفزيونية في القنوات الرسمية التي تحدثت عن «بهجة» المواطنين، كانت الساعات التي سبقت ليلة العيد وتلك التي تلتها من أسوأ الأوقات التي عاشوها. وكأن لسان الحكومة يردد الجملة الشهيرة التي تبتدئ بها إحدى المسلسلات الدرامية المغربية المعنونة بـ «ساعة في الجحيم»: «وهادْ الساعة اللي غادي يدوّز، هي أكفس ساعة في حياتو!» (بمعنى: هذه الساعة التي سوف يمرّ منها هي أسوأ ساعة في حياته).
وسبب ذلك أن أكباش الأضاحي صارت مطلبًا عسير المنال، بعدما حطّمت أرقامًا قياسية من حيث أثمانها، كما أن المواطنين كانوا يتنقلون بين الأسواق دون أن يجدوا ضالّتهم، بحكم ندرة العرض.
حسنًا، وما دخل حكومة عزيز أخنوش في الموضوع؟
الحكومة هي المسؤول الأول عن هذا الوضع الذي جعل المَشهد المغربي الراهن مسخرةً أمام العالم أجمع؛ أولاً، لأنها تحدثت رسميًا عن «وفرة العرض» هذه السنة، إذ قال رئيسها رجل المال والأعمال، أمام البرلمانيين، بافتخار إن المغرب صار يتوفر على حوالي 40 مليون رأس.
وثانيًا، لأنها روّجت لأثمان غير حقيقية حول بيع الأكباش، دون أن تعتريها ذرة خجل؛ حصل ذلك لوزير الفلاحة الذي ارتكب إفكًا عظيمًا، حين زعم، تحت قبّة البرلمان، أن سعر الخروف لا يتجاوز ألف درهم (مئة دولار) !
استغرب النواب وتساءلوا في ما بينهم، عمّا إذا كان هذا الرجل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، أم إنه غارق في شطحات الخيال الرومانسي؟ حُجّتهم في ذلك أن المبلغ الذي خرج من بين شفتيه، أقلّ بكثير ممّا كان موجودا في المغرب منذ ربع قرن!
وكمَن استفاق من خدر لذيذ، عاد وزير الفلاحة إلى المنصة، محاولاً تصحيح فِرْيَته، فادّعى أن سعر الأضاحي يتراوح ما بين مئتي و300 دولار فقط.
عندئذ، سارع برلمانيون ومدوّنون وإعلاميون إلى تقديم طلبات لوزير الفلاحة بأن يبيع لهم الأكباش ذات الأسعار المنخفضة التي تحدّث عنها، بما يتناقض مع ما هو موجود في السوق!
لقد اختلفت صيغ التعليقات، ولكنها أجمعت على شيء واحد، مؤداه أن هذه الحكومة كذبت على الشعب، وكذبت على جلالة الملك أيضًا، حين زعمت بوجود أعداد غفيرة من الأكباش، وكذلك حين روّجت لأثمان يفنّدها واقع الأسواق ولسان حال المواطنين!
والأدهى من ذلك، أن الحكومة قدّمت مساعدات مالية وعينية لكبار مُربّي الأغنام طيلة السنوات الأخيرة، غير أن هذا الدعم المجزي لم ينعكس إيجابًا على أسعار الأضاحي ولا على أثمان اللحوم، إذ ازدادت ارتفاعًا بشكل غير مسبوق؛ في حين كان مطلوبًا من الحكومة أن تعمل على «تسقيف الأسعار»، عوض أن تبقى تتذرّع بمبررات «منطق اقتصاد السوق» و»حرية المنافسة»، متجاهلةً قيم المواطنة وشروط العيش المشترك. فهذا المبرر «قد» يُستساغ على مضض لو أن تجار المواشي والمنتجات المرتبطة بها لا يحصلون على مساعدات مجزية من الدولة، دون أن تكون لهم التزامات أخلاقية تجاه المستهلكين.

«محاكمة» شعبية لإنجازات خيالية!

الحكومة، إذًا، تركت المواطنين البسطاء عُزّلاً أمام جشع «المفترسين» الذين عملت على «تسمينهم» أكثر. ولم تنفع صرخات حتى بعض البرلمانيين من المعارضة، لدرجة أن أحدهم أصدر كتابًا أسودَ بعنوان «أزمة القطيع الوطني: من دعم الإنتاج الداخلي إلى ريع الاستيراد»، يبسط فيه بالحجة والدليل ممارسات «مافيا» الأكباش، بتزكية من حكومة زواج المال بالسلطة.
المسألة لم تعد مقتصرة على سجال بين المعارضة والحكومة المُستقوية بأغلبيتها العددية في البرلمان، بل شملت منصات التواصل الاجتماعي المتضمنة لمئات الفيديوهات التي أطلق فيها المكتوون بنيران الغلاء صرخاتهم في وجه المتحكمين في رقاب البلاد والعباد. فكانت تلك الصرخات بمثابة «محاكمة شعبية» أُدينتْ فيها الحكومة بالإجماع، بُرهانًا على فشلها الذريع.
وإذا كان أخنوش وتابعوه في الحزب الذي يقود الجهاز التنفيذي، أنفقوا أموالا طائلة في إنجاز وصلات سمعية ـ بصرية قصيرة من أجل الدعاية لـ «إنجازاتهم» الخيالية، في ما يشبه الحملة الانتخابية السابقة لأوانها، فإنّ ما حدث خلال عيد الأضحى هذا العام، فنّد كل تلك البهرجة والجعجعة، كما أسقط كل محاولات التجميل المؤدّى عنها التي تتولاّها مواقع إلكترونية وحسابات افتراضية يقف وراءها إعلاميون وأكاديميون.
لقد بقيت أقل من أربعة شهور على الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في 23 أيلول/ سبتمبر المقبل، ولكن العديد من المغاربة يستعجلون رحيل حكومة أخنوش، بل ومحاسبتها قبل الرحيل. بيد أن أفضل محاسبة لها هو «التصويت العقابي» ضد التحالف الحزبي الثلاثي المشكِّل لها؛ ذلك أن صناديق الاقتراح تعدّ الفيصل الحاسم إذا توفرت فيها الشفافية والمصداقية وغابت أساليب شراء الأصوات والذمم. وكما قال مواطن لميكرفون موقع إخباري ساخرًا: «الكبش يُباع اليوم بأربع آلاف درهم، فمن العار أن تبيع صوتك أخي المواطن بمئتي درهم»، في انتقاد لما يروج من حالات «إرشاء» الناخبين؛ وهي ممارسات مذمومة قانونًا وأخلاقًا.

الاستثناء يأتي من النساء!

جرى تداول فيديو يصوّر «قائدة» (مسؤولة سلطة محلية تابعة لوزارة الداخلية) تتجول داخل سوق للأكباش، وتسأل بائعًا عن ثمن خروف، فيجيبها: 3500 درهم (350 دولار)، لكنها تردّ عليه بحزم: ثمنه لا يتجاوز 2500 درهم (250 دولار) وعليك أن تبيعه بهذا الثمن!
اختلفت المواقف من سلوك «القائدة»، بين مُستحسن له من منطلق واجب ردع المخالفات، وبين مستهجن بحجّة أن تلك المسؤولة المحلية اتجهت إلى الحلقة الأضعف في سلسلة غلاء الأكباش، من باب «الشطط في استعمال السلطة».
وتحوّل الموضوع إلى نقد ساخر، حيث استعان البعض بتقنيات الذكاء الاصطناعي لتركيب صورة للمسؤولة المعنية، وهي توجّه أوامر لرئيس الحكومة، عزيز أخنوش، بأن يبيع بنزين السيارات بثمن منخفض!
مهما يكن، فإن رواج صورة «القائدة» وهي «تصحّح» الثمن الحقيقي لخروف العيد، يحمل دلالات رمزية عدة، من بينها أن رجال وزارة الداخلية ونساءها في المغرب غير راضين على تحالف الحكومة مع كبار «الإقطاعيين» وصمتها عن تجاوزاتهم المتواصلة في حق المواطنين «الغلابة» وفي قوتهم ومعيشهم اليومي.
سلوك القائدة المعنية يعيد إلى الأذهان صورة القائدة «حورية» التي اشتهرت خلال فترة جائحة «كورونا»، حيث كانت تصرخ بعفوية وإنسانية في وجه سكان الأحياء من أجل الالتزام بالحجر الصحي والمكوث في منازلهم.
لنتأمل جيدًا هذه العبرة: الاستثناء يأتي من المرأة!

 مدير مكتب «القدس العربي» في المغرب



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *