نواكشوط –«القدس العربي»: في ظل تصاعد المخاوف الإقليمية المرتبطة بانتشار وباء إيبولا في بعض الدول الإفريقية، رفعت السلطات الموريتانية مستوى التأهب الصحي، عبر سلسلة إجراءات وصفت بأنها «استباقية واحترازية» شملت تشكيل خلية طوارئ وطنية متعددة القطاعات، وتعزيز الرقابة على المعابر الحدودية، وتقييم جاهزية المختبرات الوطنية وخطط الاستجابة الصحية.
وجاءت هذه التحركات عقب تقارير صحية دولية تحدثت عن ارتفاع مستوى المخاطر المرتبطة بفيروس إيبولا، خصوصا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث تسجل البؤرة الرئيسية الحالية للمرض.
وفي هذا السياق، عقد المركز الموريتاني لعمليات طوارئ الصحة العمومية اجتماعا طارئا بصيغة هجينة، حضوريا وعن بعد، خُصص لتقييم مستوى الجاهزية الوطنية للتعامل مع أي طارئ محتمل يتعلق بالفيروس.
وشارك في الاجتماع ممثلون عن إدارة الطب الوقائي ومكافحة الأمراض، والمعهد الوطني للبحوث في مجال الصحة العمومية، وإدارة المصالح البيطرية، ومكتب منظمة الصحة العالمية في موريتانيا، إضافة إلى خبراء وطنيين وفريق «التدخل والتجاوب السريع». وأكد المعهد الموريتاني للبحوث في مجال الصحة العمومية، خلال الاجتماع، أن المختبر الوطني المرجعي بات يمتلك القدرات الفنية اللازمة لتشخيص فيروس إيبولا عند الحاجة، فيما شددت إدارة الطب الوقائي ومكافحة الأمراض على جاهزيتها للمشاركة في مختلف جهود التحضير والاستجابة. كما ناقش الخبراء المشاركون جملة من التوصيات الفنية الرامية إلى تعزيز الجاهزية الوطنية، من خلال تفعيل مختلف ركائز الاستجابة، والاستفادة من الخطط والوثائق الفنية المعدة مسبقا للتعامل مع هذا النوع من الأوبئة.
من جهته، قدم مدير الطب الوقائي ومكافحة الأوبئة بوزارة الصحة، محمد عبد الله بو حبيب، عرضا فنيا حول الوضع الوبائي، أوضح فيه أن السلالة المنتشرة حاليا تتركز أساسا في جمهورية الكونغو الديمقراطية وبعض المناطق المجاورة لها، مذكّرا بأن المرض ظهر لأول مرة سنة 1976.
أمام التفشي المخيف لوباء إيبولا في إفريقيا
وأشار إلى أن الدول الإفريقية تنقسم حاليا إلى ثلاث فئات: دول مصابة، ودول عالية الخطورة بحكم الجوار والعلاقات التجارية، ودول بعيدة نسبيا عن بؤر الوباء، مؤكدا أن موريتانيا تصنف ضمن الفئة الأخيرة.
ورغم ذلك، شدد المسؤول الصحي على ضرورة التحلي باليقظة، نظرا للانفتاح الدولي ووجود جاليات موريتانية في بعض الدول المعنية، موضحا أن الفيروس ينتقل عبر ملامسة السوائل الجسمية للحيوانات أو الأشخاص المصابين، وليس عبر الهواء. كما نبه إلى أن التحور الحالي للفيروس لا يتوفر له لقاح فعال حتى الآن، داعيا إلى الالتزام بالإجراءات الوقائية والتوجه السريع إلى المؤسسات الصحية عند ظهور أي أعراض مشتبه بها.
وخلال الاجتماع، قدم ممثلو البعثات الدبلوماسية الموريتانية في الدول المعنية مداخلات عبر تقنية الفيديو كونفرانس، استعرضوا فيها الوضع الصحي المحلي وجهود توعية الجاليات الموريتانية بخطورة الوباء وسبل الوقاية منه، مؤكدين عدم تسجيل أي إصابة بين المواطنين الموريتانيين حتى الآن.
وفي عرض إحصائي، كشف المستشار الأول بسفارة موريتانيا في أديس أبابا، محمد الصوفي، عن تسجيل 930 إصابة و220 وفاة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، تركزت في مناطق إيتوري وكيفو الشمالية وكيفو الجنوبية، وهي المناطق الأكثر تأثرا حاليا بالفيروس. وفي خطوة موازية، أعلنت الحكومة الموريتانية تشكيل خلية طوارئ وطنية تضم قطاعات الخارجية والداخلية والصحة والتجهيز والنقل، بهدف ضمان المتابعة الدقيقة لتطورات الوباء والتنسيق الفوري بين مختلف الجهات المعنية. وأوضحت الحكومة، في بيان مشترك، أن الخلية ستتولى مهام الرصد وجمع وتحليل المعلومات المتعلقة بالوباء، إضافة إلى التوعية والتحسيس، والتنسيق مع البعثات الدبلوماسية الموريتانية في الدول التي تشهد انتشارا للمرض، لمتابعة أوضاع الجاليات الموريتانية هناك.
وأكدت السلطات أن الخلية ستظل في حالة انعقاد دائم لمواكبة المستجدات الصحية واتخاذ ما يلزم من تدابير احترازية، داعية المواطنين الموريتانيين المقيمين
في الدول المعنية إلى الالتزام الصارم بالإرشادات الوقائية الصادرة عن الجهات الصحية المختصة.
وأكد السفير محمد مولود محمد سالم، رئيس الخلية الوطنية للطوارئ والمدير العام للموريتانيين في الخارج بوزارة الخارجية، أول اجتماع للخلية، أن التحرك الحكومي يأتي تنفيذا لتوجيهات الرئيس محمد ولد الغزواني، وفي إطار «مقاربة استباقية قائمة على اليقظة والتنسيق والتعبئة المشتركة».
وقال ولد محمد سالم إن المهمة الأساسية للخلية تتمثل في «الرصد والمتابعة وجمع وتحليل المعلومات بما يسمح باتخاذ الإجراءات المناسبة في الوقت المناسب»، مشددا على أهمية تعزيز الرقابة الصحية في المعابر الحدودية ونقاط الدخول، وتطبيق التدابير الوقائية المعتمدة لمنع انتقال الأمراض العابرة للحدود.
وأضاف أن التعامل مع مثل هذه التحديات الصحية يتطلب «أعلى درجات الجاهزية والانضباط والعمل الجماعي»، مع الاعتماد على التقييم المستمر للمعطيات الميدانية والمعلومات الدقيقة.
ويرى مراقبون أن التحركات الحكومية الحالية تعكس توجها نحو تعزيز منظومة الأمن الصحي الوطني، خاصة في ظل التجارب التي راكمتها موريتانيا خلال السنوات الأخيرة في مواجهة الأزمات الصحية العابرة للحدود، وفي مقدمتها جائحة كورونا.