طرابلس – «القدس العربي»: أعاد تحذير بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا من استمرار التحشيدات المسلحة وتزايد حوادث الاغتيال في مدينة الزاوية ومحيطها، ملف الانفلات الأمني غرب البلاد إلى واجهة المشهد الليبي، وسط مخاوف من أن تتحول المدينة مجددا إلى بؤرة اشتباك مفتوحة، في وقت لا تزال فيه آثار جولات العنف السابقة حاضرة في ذاكرة السكان، خاصة بعد الاشتباكات التي شهدتها المنطقة خلال الأسابيع الماضية قرب المصفاة ومحيط الأحياء السكنية.
وقالت البعثة الأممية في بيان إنها تشعر بقلق بالغ إزاء التقارير التي تتحدث عن استمرار حشد التشكيلات المسلحة في الزاوية والمناطق المحيطة بها، إلى جانب التزايد المقلق في حوادث الاغتيال، محذرة من أن هذه التطورات تنذر بإشعال موجة جديدة من العنف في المنطقة، بما يضع حياة المدنيين أمام خطر مباشر.
ويأتي هذا التحذير بعد أسابيع من توتر أمني واسع شهدته الزاوية، عقب إعلان عملية أمنية في المدينة على خلفية اشتباكات اندلعت قرب المصفاة ومناطق مجاورة، حيث تحدثت مصادر محلية وطبية حينها عن سقوط قتلى وجرحى، بينما ناشدت فرق الإسعاف والطوارئ الأطراف المتقاتلة فتح ممرات آمنة لإجلاء المدنيين العالقين، خصوصا في منطقة الحرشة التي تحدثت تقارير محلية عن وجود عشرات العائلات المحاصرة داخلها خلال المواجهات.
وأظهرت تلك الأحداث هشاشة الوضع الأمني داخل المدينة، إذ لم تعد الاشتباكات مقتصرة على خطوط تماس بعيدة عن السكان، بل امتدت إلى محيط منشآت حيوية وأحياء مأهولة، ما أثار مخاوف من تكرار سيناريوهات العنف المحلي التي تدفع المدنيين إلى دفع الثمن الأكبر، سواء عبر النزوح المؤقت أو انقطاع الخدمات أو التعرض المباشر لإطلاق النار والقذائف.
وفي بيانها الأخير، ربطت البعثة الأممية بين التطورات الحالية والنتائج التي خلص إليها فريق الخبراء المعني بليبيا، مشيرة إلى أن التنافس بين التشكيلات المسلحة على النفوذ والسيطرة والوصول إلى موارد الدولة لا يزال يقوض الأمن ويضعف مؤسسات الدولة ويغذي الإفلات من العقاب، وهو توصيف يعكس طبيعة الأزمة في الزاوية، حيث تتداخل الحسابات الأمنية مع شبكات النفوذ المحلي والمصالح الاقتصادية المرتبطة بالمنافذ والمنشآت الحيوية والطرق الساحلية.
وتعد الزاوية واحدة من أكثر مدن الغرب الليبي حساسية من الناحية الأمنية، بحكم موقعها على الطريق الساحلي غرب طرابلس، وقربها من معبر رأس جدير، واحتضانها مصفاة نفطية ومرافق حيوية، ما جعلها خلال السنوات الماضية ساحة متكررة للتنافس بين تشكيلات مسلحة محلية، بعضها يرتبط بملفات التهريب والوقود والهجرة غير النظامية، وبعضها الآخر يحاول فرض نفوذ أمني أو سياسي داخل المدينة ومحيطها.
ودعت البعثة جميع الأطراف إلى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، وطالبت بحماية المدنيين والامتناع عن استخدام المناطق السكنية لأغراض عسكرية، في إشارة إلى المخاوف المتكررة من تمركز مسلحين داخل الأحياء أو قرب المدارس والمرافق العامة، وهي ممارسات تزيد احتمالات سقوط ضحايا مدنيين عند اندلاع أي مواجهة جديدة.
كما شددت البعثة على ضرورة إجراء تحقيقات سريعة ومستقلة وشفافة في جرائم القتل والاغتيالات وأعمال الترهيب، مؤكدة أهمية محاسبة المسؤولين عنها وفق سيادة القانون، وهو مطلب يكتسب أهمية خاصة في ظل تكرار الاتهامات المحلية بعدم جدية التحقيقات في حوادث الاغتيال السابقة، وبقاء كثير من الملفات الأمنية من دون نتائج معلنة أو مساءلة واضحة.
ولا ينفصل التوتر في الزاوية عن المناخ الليبي العام، حيث يتزامن مع تعثر المسار السياسي واستمرار الانقسام المؤسسي، ومع محاولات أممية لإحياء العملية السياسية عبر مسارات مصغرة وحوارات تستهدف إعادة بناء الثقة بين الأطراف، غير أن استمرار العنف المحلي يضعف قدرة هذه المسارات على إنتاج تهدئة مستدامة، ويؤكد أن الأزمة الليبية لا تتعلق فقط بالخلافات السياسية العليا، بل أيضا بشبكات السلاح والنفوذ على الأرض.
وبين التحذير الأممي ومخاوف الأهالي، تبدو الزاوية اليوم أمام اختبار جديد؛ فإما أن تنجح جهود التهدئة والمحاسبة في منع موجة عنف أخرى، وإما أن تتحول التحشيدات الحالية إلى شرارة جديدة داخل مدينة أنهكتها صراعات النفوذ وتداخل السلاح بالاقتصاد والسياسة، في مشهد يعكس جانبا من الأزمة الليبية الأوسع، حيث لا يزال غياب الدولة الجامعة يترك المدن رهينة لموازين القوة المحلية.