يشهد العالم صعودا ونزولا في وتيرة وقوة الأصوات المنادية بالاستقلال (الانفصال) عبر مختلف القارات.
تختفي هذه الأصوات زمناً ثم تعود. لا أحد اهتم كثيرا بأسباب الغياب، وقليلون يسألون عن أسباب العودة. ربما لأن مطالب الاستقلال (الانفصال) تبدو من ضروب الترف في عالم اليوم مقارنة بالحروب والمآسي الإنسانية التي تعيشها البشرية، خصوصا في الجزء الجنوبي من الكرة الأرضية وبين شعوبها الأكثر فقرا وبؤسا.
لكن أصوات الاستقلال (الانفصال) لم تعد حكرا على شعوب ومناطق الجزء الجنوبي من الكرة الأرضية. لقد أصبحت خلال العقدين الماضيين تُسمع في أوروبا وكندا وآسيا. في عدد من الدول الأوروبية هناك مقاطعات وشعوب تطالب بالاستقلال (الانفصال) عن الدولة الأم. اسكتلندا في بريطانيا وجبل طارق وإقليما الباسك وكاتالونيا في إسبانيا خير مثال. في كندا ترتفع أصوات في بعض المقاطعات تطالب بالاستقلال (الانفصال) أو بمزيد من الصلاحيات. آخر هذه الأصوات سُمع في مقاطعة ألبرتا.
قريبا منا، برز قبل نحو شهر فجأة في بعض وسائل الإعلام حديث عن استقلال سبتة ومليلية الإسبانيتين وعودتهما إلى المغرب.
القاسم المشترك بين هذه الدعوات (والتي ستليها في المستقبل) أنها تفتقر للجدية ولن تذهب بعيدا.
فشلَ دعاة الاستقلال في اسكتلندا في استفتاء تقرير المصير الذي جرى في أيلول (سبتمبر) 2014 بعد سنوات من التحضير النفسي والسياسي واللوجستي. وفشل دعاة العودة إلى السيادة الإسبانية في جبل طارق مرتين، بنسبة 99% سنة 1967، ورفضوا استفتاء تقسيم السيادة على الصخرة بين إسبانيا وبريطانيا بنسبة 98.98% في استفتاء 2002. وأجهضت الحكومة الإسبانية، بمساعدة الحكومات الأوروبية والغربية، استقلال (انفصال) إقليم كتالونيا رغم النتيجة الداعمة له في استفتاء 2017، ما أدى إلى أزمة دستورية حادة لا تزال عالقة إلى اليوم.
وستفشل أغلب المحاولات لو جرَّب أصحابها مرة أخرى. كما سيفشل غيرهم في مناطق أخرى إذا ما وُجدوا.
السوابق التي شهدها العالم في الشهور والسنوات القليلة الماضية لعبت دورا في التقليل من قوة رياح الاستقلال (الانفصال) حيثما هبّت. وقد فعلت وستفعل أكثر.
سكان شبه جزيرة غيرنلاند صاحوا ملء حناجرهم أن لا للاستقلال عن الدنمارك رغم الماضي المأساوي بين الجزيرة وكوبنهاغن.
أقل من ثلث سكان ولاية ألبرتا الكندية (البالغ عددهم نحو 5 ملايين نسمة) يريدون الاستقلال (الانفصال). بينما يريد الآخرون البقاء ضمن دولة كندا الموحدة. وتراجعت دعوات الاستقلال في الأقاليم الفرنسية وراء البحار مثل كاليدونيا، إذ نظم الإقليم الواقع في المحيط الهادئ 3 استفتاءات بين 2018 و2021، وفي كل مرة اختارت الأغلبية البقاء تحت السيادة الفرنسية (بنسبة 56.7% في 2018، و53.3% في 2020 و96.5% سنة 2021).
يشهد العالم صعودا ونزولا في وتيرة وقوة الأصوات المنادية بالاستقلال (الانفصال) عبر مختلف القارات
أسباب تراجع روح الاستقلال (الانفصال)، وفشل المسعى في المناطق التي بلغ مداه، موضوعية وتفرض نفسها على جميع من هم في موقع أو وضع يغريهم بالفكرة ولو على سبيل الترف الثقافي والفكري.
أبرز هذه الأسباب أن الدول الوطنية المستقلة حديثا فشلت، أو لم تحقق لشعوبها ما تتمناه من قوة وتنمية وازدهار. سبب آخر هو الخوف من المجهول ومن فقدان نعمة الرفاهية والاستقرار. سبب ثالث الخوف من العزلة في عالم يجنح نحو القوة ويعج بالمجانين والمتنمرين. سبب رابع يكمن في اختلاف السياق العالمي والتوازنات الدولية جذريا عما كان عليه الحال خلال القرن الماضي، ولا يشجع على الاستقلال (الانفصال)، بدليل أن أوروبا برمتها وقفت مع مدريد في وجه استقلال (انفصال) كاتالونيا، حفاظا على توازن القارة واستقرارها، وخوفا من امتداد العدوى.
سبب خامس يتمثل في أن العلاقة بين الدولة ودعاة الاستقلال (الانفصال) عنها اليوم أفضل وتختلف عن شكل العلاقة العنيفة بين المستعمِر والمستعمَر كما عرفها العالم في النصف الثاني من القرن الماضي.
يمكن أن أضيف إلى الأسباب الغياب الواضح في الوقت الحالي لقوة دفع شعبية حقيقية ومتجذرة في المجتمع الذي يُراد له الاستقلال (الانفصال). فأغلب دعوات الاستقلال (الانفصال) نخبوية ومحدودة وأقرب إلى ترف الكلام. وفي بعض الأحيان تبدو موجهة للتوظيف السياسي المحلي.
ينطبق هذا أيضا على الحديث عن استقلال سبتة ومليلية وعودتهما إلى المغرب. حتى الآن لا يسمع العالم عن تحرك مغربي جاد لاستعادة المدينتين. ولم يسمع أحد عن شيء اسمه حركة أو جهود استقلال (انفصال) سبتة ومليلية. كما يغيب هذا الكلام في الشارع وفي أحاديث الناس اليومية في المدينتين. وفوق كل هذا، وبالمنطق، من الصعب تصوّر استفتاء شعبي ينتهي بالتضحية بانتماء المدينتين لإسبانيا، مع كل ما يعنيه ذلك من فقدان للامتيازات والأمان، مهما كانت الإغراءات ومهما كان اسم الوطن البديل.
حتى في الاستفتاءات التي تغلبت فيها أصوات الاستقلال (الانفصال)، توقف الأمر في منتصف الطريق ولم يتطور المطلب إلى واقع جديد معترف به دوليا، كما هو حال كردستان العراق (2017)، أو فشل في التحول إلى مشهد معقد، كما هو الحال في كتالونيا.
بالنسبة لألبرتا الكندية وغيرنلاند الدنماركية، القراءة بسيطة وتتعلق بمكيدة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. هو يثير استقلال ألبرتا طمعا في ثرواتها الطبيعية، وللتنكيد على الحكومة المركزية الكندية. ويثير موضوع غرينلاند لضرب استقرار ووحدة صف الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، أكثر منه حرصا على مستقبل سكان الجزيرة.
*كاتب صحافي جزائري