من غريب المفاجآت أن تبدي إيران قبولها رسميا بنزع سلاحها العسكري، وإلغاء نزعتها التوسعية، والالتزام ببنود القانون الدولي، على الرغم من جدية التهديدات الأمريكية لإنهاء توسعها، ونزع أسلحتها، التي أثارها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي كشفت في الوقت نفسه مخاوف حلفائها وأذرعها في الخارج والإيرانيين في الداخل، إذا أخذنا بعين الاهتمام التزام وتمسك النخبة القومية الفارسية، وإصرارها على التشبث والاستمرار على تجزئة العالم العربي والإسلامي عقائديا، من خلال نظام طائفي لا يتناسب مع التعددية البشرية، ولأسباب سياسية أيديولوجية بعيدة كل البعد عن العقيدة السياسية الوطنية لجيرانها، للخروج بحلول تضمن السلام الاجتماعي، وحاجة المجتمعات للتضامن والعمل معا للوصول إلى مواكبة مسيرة التطور الإنساني والتقني في العالم، والخروج من هذه الإشكالية السياسية العقائدية التي تنتهجها إيران، للوصول إلى تنفيذ أجندتها القديمة التي أكل الزمان عليها وشرب.
ولفهم الإشكالية السياسية، التي أدخلتها النخبة الإيرانية في شكل وطبيعة النظام السياسي العقائدي الإقليمي، وجب فهم أسباب ظهورها ومصادر ولادتها المتعددة على المشهد السياسي الدولي، الذي جعل منها إطارا قوميا توسعيا، يضمن لها إحياء نفوذها على جيرانها القريب منهم والبعيد. فتارة مثلت حروب إيران، الإرادة في إعادة بناء الإمبراطورية الفارسية، التي سادت المشرق العربي قبل العصر الإسلامي، وتارة أخرى من خلال ما سمي بمصطلح «تصدير الثورة الإسلامية»، وإقامة ما سمي بالهلال الفارسي الشيعي، والعمل على تكرار إقامة كيان مذهبي، من خلال نشر الإسلام السياسي، وفرض المذهب الشيعي، لأسباب وأهداف سياسية وقومية.
يتفق العديد من المتخصصين في الشأن الإيراني، على أن صعوبة حسم الإدارة الأمريكية لحربها يرجع إلى دعم الأغلبية الشعبية الإيرانية للنظام الثيوقراطي وأجندته التوسعية في المنطقة
لا شك في ان إيران الأخمينية الزرادشتية بعقيدتها وثقافتها التوسعية، التي عرفها التاريخ، هي إيران الخمينية الإسلامية نفسها كقوة مهيمنة، ما يجعلها تبدو مصدرا للتهديد وعاملا مستمرا للتوسع في المنطقة. وعلى الرغم من أن دستور إيران، الذي اعتُمد عام 1979، نص على وحدة الأمة الإسلامية، وانتصار المظلومين على الظالمين، ونشر الثورة الإسلامية، سعت مرجعية الخميني إلى تحقيق أهداف إيران الزرادشتية التاريخية، من خلال بسط النفوذ الإيراني في جميع أنحاء الشرق الأوسط العربي، مُكملةً للأهداف القومية لسياسة الشاه محمد رضا بهلوي، الرامية إلى إنشاء منطقة «خليج فارسي» موحدة، وعلى حساب الأغلبية العربية لدول الخليج العربي. وما بين سطور هذه المسميات، ترجمت الاستراتيجية الإيرانية بوضوح، وعلى مختلف العصور والفترات صورة لرؤية واضحة تكشف حقيقة الأهداف وتشابهها، ما يجعل من هذا التشابه، أحد مفاتيح فهم طبيعة الفكر والعقيدة البدائية التي يحملها القادة الإيرانيون وآثارها الخطيرة على وحدة الأوطان والمجتمعات، التي جعلت من منطقة الشرق الأدنى والأوسط، بؤرة لم تنضب بعد من الأطماع الفارسية، وساحة مستمرة حين تتلاءم الظروف لبسط النفوذ وإذلال الشعوب، إلى درجة لم يستغرب البعض عند سماع صوت إيران في قنوات العرب، سماع منطق الهيمنة، التي يخبئها هذا النظام لبلدان المنطقة، وتخيلهم في أن نجاة هذا النظام سيسمح لهم بالاستمرار في تدخلهم في بلاد العرب.
أحد أسباب نجاح هذه الاستراتيجية في هذه الفترة تكمن في طبيعة الثقافة القومية، التي يحملها القادة الإيرانيون، التي تتخذ من أهمية الامتداد التاريخي للفكر البشري، في الحياة والعلاقة البشرية في التأثير على الآخرين من غير الإيرانيين، وتجيير الدين الإسلامي لأهداف قومية، من خلال التأكيد على حتمية القبول بما يسمى بالأغلبية المذهبية في الحكم، ضاربة عرض الحائط حقيقة تعدد التنوع الديني والقومي للعالم العربي والإسلامي. وتوافقا مع نجاح هذه الأيديولوجية، يتفق العديد من المتخصصين في الشأن الإيراني، على أن صعوبة حسم الإدارة الأمريكية لحربها، على الرغم من الفارق الشاسع في القدرات العسكرية، ونجاحها في القضاء على الشخصيات المهمة التي تمثل قمة الهرم الحاكم في الأيام الأولى من الضربات الأمريكية، يرجع إلى حقيقة دعم الأغلبية الشعبية الإيرانية للنظام الثيوقراطي وأجندته التوسعية في المنطقة، والعمل على دخول إيران لدائرة السلاح النووي، الذي هو بمثابة الرمز الوطني الأعلى للكيان الإيراني، على الرغم من القمع المبرمج الذي واجهه خروج الشارع الإيراني، نتيجة لحالة التدهور الاقتصادي الكبير وآثاره في مستوى المعيشة، ناهيك من القوانين الصارمة التي تتعلق بحقوق الإنسان، التي لم تمنع من التفاف الشارع المعارض للنظام مع أجندته العليا التي تمثل استراتيجية إيران في المنطقة. وبانتظار الوصول إلى نهاية الحرب مع إيران، يبقى السؤال هو هل استطاعت إدارة ترامب فرض شروطها بتخلي الجمهورية الإسلامية عن عقيدتها القومية في التوسع على حساب جيرانها، والتغاضي عن بناء ترسانتها العسكرية، ليقي العراق والمنطقة من ثقافة الهيمنة البدائية، التي أثبتت استمرارها وحجم توسعها، وفي أنها كانت تمثل ثقافة فارسية مع محيطها الإقليمي تحظي بدعم الأغلبية من الشارع الإيراني وتكمن في طبيعة الثقافة القومية لبلاد فارس وان اختلفت العصور وتغيرت الوجوه.
*كاتب عراقي