يبدو أن المرحلة الأولى من مفاوضات إسلام أباد أوشكت على الانتهاء بنجاح. لقد أصبحت فرص التوصل إلى اتفاق أكبر بعشرات المرات من احتمالات العودة للحرب. وبناء على ما توفر من معلومات حتى الآن تتضمن مذكرة التفاهم التي يتم التفاوض بشأنها في إسلام أباد ثلاثة أجزاء رئيسية، الأول يتعلق بصيغة نهائية متفق عليها بين الولايات المتحدة وإيران بشأن برنامج تنفيذي لفتح مضيق هرمز وإنهاء الحصار البحري الأمريكي وتخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران بما في ذلك القطاع النفطي والأرصدة المالية المجمدة.
الجزء الثاني يضع إطارا تفاوضيا يستمر لمدة 60 يوما (من المرجح أن يطول كثيرا عن ذلك وربما تجرى له جراحات لفصل أجزائه عن بعضها)، بشأن حدود البرنامج النووي الإيراني يشمل تحديد نسبة التخصيب «غير الخَطِر» المسموح به، وكيفية التصرف في مخزون اليورانيوم المخصب الموجود فعلا، وفترة تقييد التخصيب المتفق عليها، في حال وافقت إيران، وما يترافق مع ذلك من إنهاء العقوبات تماما وتطبيع العلاقات بين إيران والولايات المتحدة.
أما الجزء الثالث فإنه يتعلق بالقضايا الإقليمية والضمانات، ولا تزال المفاوضات جارية، حتى وقت كتابة هذه السطور، بشأن تقريب المواقف بين طهران وواشنطن، وضبط الصياغات والمصطلحات لضمان سلامة التنفيذ. وقد وجه ترامب تعليمات إلى الوفد الأمريكي المفاوض بالتمهل في صياغة نص مذكرة التفاهم، تفضل باكستان تسميته «إعلان إسلام أباد». في المقابل، وبعد أن وافق المرشد الأعلى الإيراني السيد مجتبى خامنئي على الإطار العام للوثيقة المقترحة، فإن كل النصوص والتعديلات التي يتم تبادلها مع الجانب الأمريكي عبر الوسيط الباكستاني، تخضع لدراسة عميقة وسريعة في مراكز صنع القرار في طهران، التي تضم مؤسسة الرئاسة، ومجلس الشورى، وقيادة مؤسسة خاتم الأنبياء وغيرها، مثل المجلس الأعلى للأمن القومي. وربما تكون تعليمات ترامب إلى مفاوضيه بعدم التعجل، وروتين عملية صنع القرار في طهران وراء تأخير إعلان التوصل إلى اتفاق. يضاف إلى ذلك بالقطع طبيعة استراتيجية التفاوض الإيرانية التي تتعمد إنهاك الخصم في عملية المساومة، خصوصا إذا كان الخصم في عجلة من أمر التوصل إلى اتفاق.
شكوك عربية وإسرائيلية
تواجه المفاوضات فعليا مجموعة من العقبات الداخلية والخارجية التي يسعى الجانبان إلى تنحيتها عن الطريق. أهم العقبات الداخلية تتعلق بعدم ثقة الجانب الإيراني في السياسة الأمريكية، بينما تتضمن العقبات الخارجية القلق وعدم اليقين من جانب الأطراف الأخرى ذات العلاقة بالاتفاق بين واشنطن وطهران، مثل الدول العربية التي تخشى تداعيات الاتفاق، خصوصا مع سيطرة إيران على مضيق هرمز، وكذلك إسرائيل التي تسودها حالة من الغضب المكتوم، لأن ترامب الذي كان شريكا في بداية الحرب يتعمد الآن إبعاد حكومتها عن التأثير في مدخلات المفاوضات، حتى وإن كان يخبرها بالنتائج.
من ناحيتها تحاول الولايات المتحدة فتح شهية نتنياهو للصفقة، وتنحية عوامل القلق والخوف التي تسيطر عليه بورقة التطبيع الجماعي، حيث يدعو ترامب الدول العربية والإسلامية ذات الصلة بمفاوضات إسلام أباد، ومنها قطر والسعودية وباكستان بالانضمام إلى ما يسمى «الاتفاقات الإبراهيمية»، وهو حلم يراود نتنياهو والطبقة السياسية في تل أبيب. من الناحية العملية لن تجد دعوة ترامب أي استجابة حقيقية ما لم يتم ربط الاتفاق مع إيران بالقضايا الإقليمية الشائكة، وعلى رأسها حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولة مستقلة ذات سيادة. وأظن أن الدول العربية والإسلامية وعلى رأسها السعودية وتركيا وإندونيسيا ومصر وإيران تتفق على ذلك.
ترامب يدرك الآن حدود قوته، وأن أمريكا بسبب ورطة إيران فقدت شهيتها للحرب، خصوصا أن أكثر من نصف المجتمع الأمريكي بات يفهم أن حرب إيران هي حرب إسرائيل وليست حرب أمريكا
أما طهران فإنها تحاول طمأنة العرب بورقة المشاركة في نظام جديد للأمن الإقليمي يدمج التعاون الاقتصادي بالأمن ويوسع نطاق علاقات الجوار إلى إطار إسلامي أوسع، لكن ما يقلق بعض العواصم العربية هو أن طهران امتلكت نفوذا لم تكن تملكه قبل الحرب، ليس فقط في ما يتعلق بإدارة مضيق هرمز، ولكن أيضا في عموم القضايا التي تمس الاستقرار الإقليمي، وأنها سوف تزداد قوة في حال نجاح صفقة فتح المضيق وإنهاء الحصار البحري المفروض عليها بواسطة الولايات المتحدة. في الوقت الحاضر تحاول دبلوماسية المفاوضات في إسلام أباد أن تطير بجناحين، اطمئنان عربي إلى إيران بأنها لن تكون قوة زعزعة إقليمية، واطمئنان إسرائيلي للولايات المتحدة بأنها ستظل مخلصة للدفاع عن المصالح الإسرائيلية وتوسيع نطاقها، على الأقل حتى عام 2035 وهو التاريخ الذي حدده نتنياهو لتحقيق «الاستقلال الدفاعي» عن الولايات المتحدة.
في هذا السياق كانت الاتصالات الهاتفية المكثفة بين ترامب ونتنياهو في الأيام الأخيرة، كما كانت الاتصالات الإيرانية العربية التي تتم عبر قنوات مباشرة وغير مباشرة. ومن المعتقد أن طهران تحاول زيادة قوة مصداقية رسائلها إلى جيرانها العرب عبر قناة الدوحة، وفي هذا السياق جاءت زيارة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي. وقد تكون الدوحة بصدد الاستعداد لتكون المحطة الوسيطة للإفراج عن الأرصدة المالية الإيرانية المجمدة، التي سيتم الاتفاق على تحريرها من العقوبات الأمريكية في إطار مفاوضات إسلام أباد. أيضا ربما تكون الدوحة بصدد لعب دور دبلوماسي أكبر في تمرير الرسائل الإيرانية إلى دول مجلس التعاون الخليجي، إضافة الى الدور الذي تلعبه مسقط التي تربطها علاقات وثيقة مع طهران.
هل تعود أمريكا للحرب؟
لن يكف الرئيس الأمريكي عن إصدار التهديدات ضد إيران، لأنه يريد أن يرتدي ثوب الأسد الهصور، الذي لا تلين له قناة، ويخشاه خصومه دائما، ويتصرفون على هواه. ومع ذلك فإن ترامب يدرك الآن حدود قوته، وأن أمريكا بسبب ورطة إيران فقدت شهيتها للحرب، خصوصا أن أكثر من نصف المجتمع الأمريكي بات يفهم أن حرب إيران هي حرب إسرائيل وليست حرب أمريكا. الحرب تكلف الاقتصاد الأمريكي ما يقرب من 900 مليون دولار يوميا، حسب تقدير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، وقد كلفت الاقتصاد الأمريكي خلال أول شهرين ما يتراوح بين 25 – 40 مليار دولار. الاقتصاد الأمريكي لن يتحمل ذلك بعد أن بلغ الدين العام أكثر من 39 تريليون دولار. كما أن المواطن الأمريكي لا يستطيع تحمله لأنه يعني ارتفاع عبء الضرائب وزيادة الأسعار، خصوصا أسعار الوقود والغذاء، وعودة أسعار الفائدة للارتفاع، ما يعني زيادة تكلفة الاقتراض العقاري، بما في ذلك تكلفة سداد القروض القائمة بالفعل. في الوقت نفسه فإن ترامب شخصيا مهتم جدا بتعزيز قوة تياره السياسي داخل الحزب الجمهوري وحصار منافسيه ومطاردتهم في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. وهو لن يستطيع تحقيق ذلك انتخابيا في الوقت الذي تخوض فيه الولايات المتحدة حربا ينقسم بشأنها الرأي العام بين أغلبية معارضة وأقلية متحمسة لاستمرارها، وهي أغلبية معروفة بولائها للصهيونية أكثر من ولائها للمصالح القومية الأمريكية. في هذا السياق فأنا أرجح فرص التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران في مفاوضات إسلام أباد. ويعود ذلك إلى سببين يتعلقان بالمفاوضات نفسها. السبب الأول هو أن المفاوضات حققت فعلا نجاحا كبيرا في الفصل بين القضايا المباشرة العاجلة المتعلقة بفتح مضيق هرمز، وإنهاء الحصار البحري الأمريكي، والقضايا ذات الطابع الاستراتيجي طويل الأجل التي تحتاج الى وقت، وأهمها البرنامج النووي الإيراني. هذا الفصل بين القضايا الاستراتيجية والأخرى طويلة المدى يبعث الأمل على تحقيق نجاح كبير في المرحلة الأولى. لكن ما تريده طهران خلال المرحلة الأولى يتجاوز مجرد الاكتفاء بإنهاء الحصار البحري، ويصل إلى مطالبة واشنطن باتخاذ إجراءات فعلية لبناء الثقة لأن طهران لم تعد تثق في الوعود البراقة، حيث إن خبرتها القريبة تقول، إن الولايات المتحدة أخفقت في احترام المفاوضات السابقة، وشنت عدوانا غاشما بينما كانت المفاوضات في مسقط تجري على الطريق السليم. تريد طهران أيضا أن تحصل على تعويض عن هذا الإخفاق الأمريكي، وليس فقط إجراءات لبناء الثقة. ومن هنا فإنها ترى أن إنهاء الحصار مقابل فتح مضيق هرمز ليس كافيا، خصوصا وأنها خلقت أمرا واقعا جديدا في إدارة الملاحة. ولهذا كان الإصرار على إنهاء العقوبات المفروضة على القطاع النفطي ومشتقاته، وليس فقط تجارة النفط، وتنفيذ برنامج تحرير الأرصدة المالية المجمدة، ووضع ضمانات لعدم الرجوع إلى الحرب أو التهديد بها في إطار حزمة واحدة لا تتجزأ، على الرغم من تجزئة المفاوضات فعليا عبر مرحلتين أو ربما أكثر.
كاتب مصري