منطقتنا الضعيفة جدا… منطقتنا القوية جدا


كشفت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران وما ما خلفته من تداعيات إقليمية ودولية خطيرة، عن المكانة والأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة. فمنذ أحداث طوفان الأقصى ووصولا إلى الحرب الراهنة على إيران، يمكن القول إن أحداث هذه المنطقة هي التي تؤطر وإلى حد كبير المشهد العالمي وتعيد ترتيب الأجندة الدولية بشكل واضح، وعلى جميع المستويات، السياسي والاقتصادي والأمني والعسكري والدبلوماسي والاستراتيجي. حتى كأننا أمام تحولات عالمية كبرى ومعادلات دولية جديدة، بصدد التشكل، وتساهم هذه المنطقة فيها بشكل واضح ولافت، عكس ما بدا إلى وقت قريب من أن هذه المنطقة، مجرد هامش، لا قيمة ولا تأثير لها في المشهد الدولي.
سادت خلال العقدين الماضيين، سردية مفادها أن الولايات المتحدة الأمريكية، تنسحب بخطى متسارعة من المنطقة بعد عقود من الحضور الطاغي والمستحكم. وجرى تبرير هذا التوجه الأمريكي بالانسحاب، باعتباره خيارا استراتيجيا، للتخفف من منطقة تتزايد هامشيتها، وتتناقص أهميتها وتتراجع حيويتها، لصالح مناطق أخرى أكثر أهمية، استراتيجيا واقتصاديا وعسكريا، على غرار منطقة آسيا والمحيط الهادي. وأيضا حاجة الولايات المتحدة الأمريكية إلى الانشغال بفضاءات جيوسياسية أهم، والالتفات إلى «العدو» الصيني و»الخطر» الروسي. وخُطت في هذا الصدد تقارير ورؤى من الخبراء وصناع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية. وتصدّر هذا التوجه وزير الخارجية الأمريكي الراحل هنري كسينجر الذي دعا مرارا إلى إعادة رسم السياسة الخارجية الأمريكية وتوجيهها نحو المناطق الأكثر أهمية وحيوية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، محذرا من خطر الغفلة عن المخاطر المتزايدة الناشئة عن الصعود الصيني المتسارع والمتوسع، والعودة الروسية القوية.
فما سماها الرئيس الأمريكي «عملية عسكرية» ضد إيران، وما انبثق عنها إلى حد الآن من ملامح المواجهة في أسابيعها الأولى، وتجليات القوة وحدودها لدى الأطراف المتواجهة، وما خلفته من تداعيات إقليمية ودولية كبيرة وخطيرة، أكد مجموعة من الحقائق تستوجب التوقف.
أولا: الأهمية القصوى للمنطقة في الجغرافية-السياسية العالمية. أهمية لا تُختزل في الموارد الاقتصادية وإنما على جميع المستويات. وهي حقيقة تسفّه السردية التي تم الترويج لها منذ حوالي العقدين، ومقتضاها أن المنطقة، فقدت أهميتها، واستُهلكت، واستنزفت ثرواتها، ولم يعد لها أي وزن على في التوازنات الدولية. بينما أثبتت الأحداث أن مجرّد مواجهة عسكرية ولو محدودة في المنطقة لمدة أسابيع، كالتي حصلت، كفيلة بإرباك العالم، أمنا واقتصادا واستقرارا.
ثانيا: كشفت أحداث المنطقة أن الولايات المتحدة الأمريكية، كقوة دولية، حلت منذ الحرب العالمية الثانية كصاحبة النفوذ في المنطقة، بعد إبعاد فرنسا وبريطانيا، بعيد العدوان الثلاثي على مصر في 1956، غير قادرة بالضرورة على إثبات نفوذها وهيمنتها على المنطقة، ولا على حماية مصالحها وقواعدها المنتشرة في المنطقة. ويعود السبب في ذلك تغير موازين القوى إقليميا ودوليا، فضلا عن التغيّر المتسارع في معادلات الردع العسكرية. هذا التغيّر قلّص إلى حد كبير من معادلات القوة والردع التقليديين، لصالح معادلات جديدة، دخلت فيها المسيّرات، ومعادلات ردع غير تقليدية تتعلّق بالجغرافيا والموقع الاستراتيجي. فمنذ العدوان الإسرائيلي على غزة معطوفا تاليا على الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، برزت بشكل لافت الأهمية الاستراتيجية الدولية للمنطقة، سواء لجهة الثروات أو لجهة الممرات البحرية أو لجهة حتى المسارات الجوية، وكأن العالم يكتشف مجددا أهمية هذه المنطقة، أو كأن هذه المنطقة تتجلّى ذات أهمية استراتيجية قصوى، بعد أن كانت تؤخذ كمنطقة متاحة ومستباحة.
ثالثا: تمتلك المنطقة بما لها من مقدرات تقليدية وغير تقليدية وما تحوز عليه من موقع، وزنا ديمغرافيا واستراتيجيا تتأكد حيويته إقليميا ودوليا، ما يؤهلها لكسب رهان الاستقلال الاستراتيجي، والنهوض كقوة إقليمية ودولية فاعلة ومؤثرة، ومحددة في التوازنات الدولية، وليست مجرّد مصدر للثروة أو سوقا مستهلكا للأسلحة والمنتوجات العالمية. فالتحولات التكنولوجية النوعية، تمكّن بلدان المنطقة، من امتلاك ناصية التكنولوجية العسكرية في جميع مستوياتها، دون الحاجة للارتهان لقوى دولية، تمن بما تشاء وتحجب ما تشاء من هذه التكنولوجيا. وتنهض تركيا وإيران في الإقليم وأوكرانيا في العالم نماذج لافتة في تطوير التكنولوجية العسكرية.
رابعا: تحوز منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على فرص نمو كبيرة واعدة، تشير إلى أنها يمكن أن تتحول إلى قطب عالمي للنمو والاستثمار والتحول التكنولوجي. والمنطقة التي تتمتع بثقل ديمغرافي معتبرا يتجاوز نصف مليار نسمة، تمثل هي نفسها بوابة القارة الأفريقية بكل ثقلها الديمغرافي الذي يناهز المليار ونصف المليار نسمة، فضلا عن ثروات واعدة، يتضمن بعضها المواد النادرة التي بات العالم اليوم في أشد الحاجة إليها.

 تحوز منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على فرص نمو كبيرة واعدة، تشير إلى أنها يمكن أن تتحول إلى قطب عالمي للنمو والاستثمار والتحول التكنولوجي

كما أن هذه القارة المتجاورة للشرق الأوسط تحوز على ثقل دبلوماسي لافت بوجود 54 دولة أفريقية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعضوية مجموعة العشرين، وحضور نوعي يمكن أن يتعزز في مجموعة «بريكس». هذا الحضور لا شك له تأثير وازن على القرارات الأممية، إذا ما اُستعمل واُستثمر على الوجه المصلحي للمنطقة.
خامسا: تمثل المنطقة مهد الأديان وملتقى الحضارات، وتحوز على أهمية قصوى لجهة التراث العالمي. ففيها تتقاطع الحضارات، وتتعايش الثقافات، وهي مهد الأديان، ومركز انتشارها. وتنهض هذه الأهمية الحضارية والثقافية، في تضاد مع السردية التي تقلّل من أهمية وقيمة المنطقة. وهي اليوم كمنطقة من الفضاءات الحضارية القليلة التي تتجلى هويتها واضحة، وثقافة التعدد والتعايش فيها ساطعة، ورسوخ أصالتها وعمقها ماثلا.
وتكتسي هذه السمات الثقافية والحضارية للمنطقة أهمية بالغة، تمثل نقطة قوة، بسبب ما يمر به عالم اليوم من فراغ واضطراب المعنى، وتراجع الأفكار الجاذبة، والقيم الدافعة، لصالح ثقافة الاستهلاك التي كرسها منوال ثقافي ومجتمعي غربي، اُستهلكت حيويته، وضمرت جاذبيته، وخفت بريقه.
سادسا: تحفّز التحديات والمخاطر الكبيرة التي تواجهها المنطقة اليوم شعوبها على المواجهة والحق في تقرير المصير. فشعوب هذه المنطقة التي يمثل الشباب فيها النسبة الديمغرافية الأكبر والأوسع، لا تبدو اليوم قابلة بالانكسار والدونية، وإنما تتطلع متحفزة إلى أن يكون لها مكانة بين دول العالم، واعتبارا بين شعوب العالم، وأدوارا في لعبة الأمم. وتعي نخب المنطقة، في الحكم والمجتمع أنها اليوم ليست مخيّرة في توجيه البوصلة وتقرير المصير باتجاه المستقبل، مدركة أكثر من أي وقت مضى بأنها تستطيع إحداث اختراق حقيقي خارج قوقعة قرن انقضى، ضاقت فيها المناورة وفُرضت فيه معادلات وتوازنات راجحة للآخرين على حساب هذه المنطقة وشعوبها.
سابعا: بعد ما يناهز القرن على مشروع سايكس بيكو الذي هندس المنطقة وشكلها بما يستجب لشروط ومصالح الأمم الكبرى، تعيد هذه المنطقة من خلال شعوبها ونخبها اكتشاف ذاتها، متحفزة للنهوض والتقدم وتقرير مصيرها، واستقبال مئوية جديدة مختلفة. وبينما تجد هذه المنطقة ذاتها أمام مخطط جديد لإعادة إنتاجها وصياغتها على عين الآخرين، الجدد-القدامى، إخضاعا وهيمنة وسيطرة، كمنطقة تبدو ضعيفة جدا ومغرية للآخرين لنيلها والتمكن منها، فإنها تتجلى قوية جدا، استعصاء وتمنّعا وصلابة في مواجهة هذه المخططات. وهي تكتشف اليوم ذاتها قوية قادرة على تقرير مصيرها وتقدير اتجاها وتحديد بوصلتها، ليس فقط بسبب ما تجد في ذاتها، وإنما بسبب ما ترى من ملامح ضعف وتراجع في الآخرين. فهذه المنطقة اليوم تسوق لها الأقدار ملامح مشهد عالمي متعدد متدافع، تلوح فيه فرص تاريخية للتقرير والاختيار والمناورة. مشهد دولي، ارتخت فيه قبضة المهيمنين، ووازنتها قبضات أخرى صاعدة ومعاندة.

٭ كاتب وباحث مدير المركز المغاربي للبحوث والتنمية



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *