أمريكا وإسرائيل في نظر الخليج.. الأولى “لا يُعتمد عليها” والأخرى تجلب الويلات: هل تسعى لتحالفات جديدة؟


 تسفي برئيل

إن الانشغال بتكبد الخسائر المحتملة لإسرائيل والولايات المتحدة فيما يسمى “اتفاقا” مع إيران، في حين ما زال الاتفاق غائباً ومذكرة التفاهم تعاني من صعوبات كثيرة، قد وقع في شرك منطقي يعرف بـ “اختبار النصر المطلق”. فأهداف الحرب كانت تفتقر إلى الجدوى العملية من البداية – سواء تعلق الأمر بالطموح إلى إسقاط النظام أو قطع صادرات إيران أو تحييد التهديد النووي بالقنابل. لذلك، لم تكن هناك أصلاً أي إمكانية ليكون فيها “نصر”. ولكن يبدو أن الرئيس الأمريكي لا يعلن عن يأسه. فقد أضاف أمس هدفاً آخر قابلاً للتحقيق على قائمة انتصاراته المكتظة أصلاً. حسب قوله “بعد كل الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة في محاولة حل هذه المعضلة المعقدة، يجب على كل الدول على الأقل التوقيع على اتفاقات إبراهيم في الوقت نفسه”.

“تغيير وجه الشرق الأوسط” هو الشعار الذي رافق الحرب منذ 7 أكتوبر. وينسب هذا الشعار إلى ادعاء إسرائيل بنشوء بنية إقليمية جديدة “تصب في مصلحة إسرائيل”، بفضل كل الإنجازات التكتيكية: احتلال قطاع غزة، وما نتج عنه من قتل ودمار وخراب، والقضاء على القيادة العسكرية والسياسية لحزب الله، وحرب الـ 12 يوماً ضد إيران السنة الماضية، وحرب هذه السنة التي أقصيت فيها قيادة طهران السياسية والعسكرية. من السهل دحض هذا الادعاء أمام الحقائق التي لا جدال حولها.

فقد تقلصت سيطرة حماس المباشرة على غزة إلى نحو 40 في المئة من مساحتها، وكاد يختفي تماماً ذلك التهديد العسكري الذي كانت تشكله على غلاف غزة. ولكن حماس تسيطر على قوة مدنية وعسكرية في منطقة تضم حوالي 2 مليون نسمة وقوتها العسكرية تتعافى بالتدريج، وتنجح، بالتعاون مع إسرائيل، في منع تنفيذ خطة ترامب لإعادة إعمار قطاع غزة، وتجبر قوات كبيرة من الجيش الإسرائيلي على الانشغال في الحفاظ على سيطرتها على نحو 60 في المئة من القطاع. وفي لبنان، يستمر حزب الله بشن حرب شاملة ضد إسرائيل، التي لا يسمح لها بشن حرب واسعة النطاق بسبب القيود التي فرضها عليها ترامب بناء على طلب من إيران. ورغم حجم الدمار الذي لحق بإيران والذي يشمل حسب الرواية الأمريكية 70 – 80 في المئة من الصواريخ البالستية وأضراراً جسيمة للمنشآت النووية واغتيال قادتها وكبار علماء الذرة، فإن التحركات السياسية ما زالت تملى من طهران، وليس من الولايات المتحدة أو إسرائيل، ولا يعود ذلك إلى التهديد النووي، بل إلى الاستخدام الفعال وغير المتوقع لسيطرتها الجغرافية على مضيق هرمز.

مع ذلك، فحص كل ساحة على حدة تغفل الصورة الكاملة. التغيير الكبير يتمثل في فقدان الولايات المتحدة قدرتها على فرض سيادتها في الشرق الأوسط وبناء تحالف دولي يدعم تنفيذها؛ فهي عالقة في منظومة معقدة من الساحات المحلية، حتى إن حلفاءها لم يعودوا يرونها حصناً منيعاً، لذلك أصبح واجباً عليهم إعادة رسم شبكة علاقاتهم وولائهم، ليس مع الولايات المتحدة فقط، بل فيما بينهم ومع إيران أيضاً.

في مقال نشره في مجلة “ناشيونال إنترست”، كتب الباحث والمعلق الإماراتي طارق العتيبة: “لم تحقق المنظمات العربية متعددة الجنسيات دورها الأهم على الإطلاق: بناء تحالف موحد قادر على ردع أي تدخل خارجي. وغياب الوحدة العربية سمح لدول مثل تركيا وإيران بتوسيع نفوذها الإقليمي، في الوقت الذي كان فيه وجود دول الخليج وإسرائيل يشكل القوة الموازنة الوحيدة. إن خروج دول الخليج من التكتل العربي لن يضعفه فقط، بل سيقضي عليه تماماً، ويوجد بذلك نظام إقليمي جديد يقل فيه نفوذ العرب بشكل كبير”.

وقد جاء تقييم مشابه في أقوال نشرها أنور قرقاش، وهو المستشار السياسي لحاكم دولة الإمارات، في آذار الماضي. حيث كتب في “اكس”: “منذ بداية العدوان الإيراني الخبيث، حافظت الدول الشقيقة على التواصل، لكنها اختلفت فيما بينها، بين من قدم مساعدة حقيقية وهو ما يجب أن نكون ممتنين له، وبين من اختفوا واكتفوا بالتصريحات الجوفاء”. “لقد أثبتت الإمارات الصمود، وهي ليست بحاجة إلى معدات ومقاتلين بقدر حاجتها إلى مواقف واضحة ومعرفة من يمكن الاعتماد عليه في الأوقات الصعبة”.

أما إيران فقد عملت بجهد لإبعاد نفسها عن هذا “الدور” وإيجاد ملاذ سياسي لها داخل الكتلة العربية بالتحديد، في مواجهة التحالف بين أمريكا وإسرائيل. لقد استندت إيران في استراتيجيتها إلى ثلاثة محاور: “حزام ناري” أقامته فروعها في العراق ولبنان واليمن بهدف إبعادها عن التصادم المباشر والعمل كحاجز عسكري؛ وشبكة علاقات اقتصادية مع الصين وروسيا من أجل الالتفاف على العقوبات الأمريكية والدولية؛ وغطاء سياسي داعم مع الدول العربية تم تعزيزه بشكل رئيسي في السنوات الأربع الأخيرة. في هذا الإطار، استأنفت إيران علاقاتها مع الإمارات والسعودية، وأملت في السنة الماضي استئناف علاقاتها مع مصر.

لكن أسس الاستراتيجية العربية اهتزت أيضاً بعد أن تبين لهذه الدول أن السور الواقي لها، الولايات المتحدة، لا يُعتبر في وقت الاختبار ذخراً استراتيجياً حيوياً يجب حمايته بكل ثمن. والآن، في حين تفحص إسرائيل نتائج اتفاق التفاهم مع إيران وتحاول إيجاد ثغرة يمكنها من خلال ممارسة نفوذها على ترامب، تواجه الدول العربية مشكلة لا تقل خطراً، تتمثل معضلتها الصعبة في ما إذا كان ينبغي لها محاولة إقامة “تحالف أشقاء”، نوع من تحالف الناتو، الإقليمي الذي يقوم على الاعتماد المتبادل، محلياً أو إقليمياً. هل يجب عليها أيضاً ضم دول ليست “شقيقة” مثل تركيا وباكستان إلى هذا التحالف نظراً لقوتها العسكرية؟ هل ستعتمد كل دولة من الآن على نفسها؟ والأهم، هل يوجد مكان لإشراك إيران في مثل هذا التحالف للحد من تهديدها، أو بدلاً من ذلك جعلها حليفاً اقتصادياً إذا تم توقيع اتفاق معها لرفع العقوبات عنها، فتصبح مرة أخرى قوة اقتصادية شرعية تنافس على زبائن دول الخليج؟

ماذا بشأن إسرائيل؟ دول المنطقة لا تحتاج إليها كحلقة وصل مع البيت الأبيض فقط، بل ينظر إليها بأنها هي التي جرت المنطقة إلى حرب زائدة ألحقت بها أضراراً كبيرة. وتحالفها العسكري مع الإمارات بأنه بأنه تهديد.

 هآرتس 26/5/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *