باريس- “القدس العربي”: توقفت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية عند الزلزال السياسي الذي تشهده السنغال مع إقالة الرئيس باسيرو ديوماي فاي لرئيس الوزراء عثمان سونكو من منصبه، موضحة أن هذا الثنائي الذي جسّد الأمل في قطيعة جذرية مع النظام، تحوّل إلى خصومة مفتوحة، وأدخل انقسامهما السنغال في حالة من عدم اليقين.
ففي اللحظة التي يمارس فيها رئيس الدولة صلاحياته الدستورية، يظهر حليفه السابق بالفعل كأبرز قطب للتعبئة الشعبية. فقد احتشدت الجماهير مساء الجمعة في شوارع حي كير غورغي في دكار أمام منزل عثمان سونكو، كما حدث خلال المحطات السياسية الكبرى في السنوات الأخيرة، حين كان مستهدفًا من نظام الرئيس السابق ماكي سال، أو عند خروجه من السجن، أو خلال انتصاراته الانتخابية. وكان أنصاره يهتفون: “لن تسير وحدك أبدًا”، وذلك ردا على إقالته من قبل الرئيس باسيرو ديوماي فاي، في خطوة أحدثت زلزالًا سياسيًا في السنغال.
مع ذلك، لم يُفاجأ كثيرون في البلاد بما يحدث بين الثنائي سونكو- ديوماي. فمنذ صيف عام 2025، كانت بوادر التصدع واضحة، حيث تحدّث عثمان سونكو في شهر يوليو من ذلك العام علنًا عن “مشكلة في السلطة”، موجهًا انتقادات مباشرة للرئيس، خاصة بسبب ما اعتبره نقصًا في الالتزام بركيزتين أساسيتين من مشروع حزب “باستيف”: المحاسبة والعدالة لضحايا العنف قبل الانتخابات.
بعد ذلك، أعاد الرئيس باسيرو ديوماي فاي، في شهر نوفمبر عام 2025، تفعيل ائتلافه “ديوماي رئيسًا” وعيّن على رأسه أمينتا توري، وهي قيادية سابقة لدى الرئيس السابق ماكي سال، وذلك خلافًا لرأي رئيس وزرائه. ومنذ ذلك الحين، أصبح الصراع السياسي علنيًا، وتحوّلت العلاقة بين الرجلين تدريجيًا إلى حرب باردة، إلى أن تم الإعلان الرسمي عن القطيعة.
ثلاث نقاط خلاف رئيسية
الأولى سياسية، حيث ما يزال عثمان سونكو الشخصية المحورية في حركة “باستيف” ويتمتع بشرعية قوية لدى القواعد، بينما يسعى الرئيس المنتخب باسيرو ديوماي فاي إلى ممارسة كامل صلاحياته. ليتحول الوضع إلى شرعيتين متنافستين في نظام لم يُصمم لمثل هذا الثنائي.
النقطة الخلافية الثانية اقتصادية. فعند وصولهما إلى السلطة، اكتشفت الحكومة وضعًا ماليًا متدهورًا، مع ديون تتجاوز 130% من الناتج المحلي الإجمالي. وتم تجميد برنامج صندوق النقد الدولي، وتزايدت ضغوط السيولة. واتخذ عثمان سونكو موقفًا صارمًا مع رفضه لأي إعادة هيكلة للدين، بينما بدا الرئيس باسيرو ديوماي فاي أكثر انفتاحًا على التفاوض مع المانحين.
النقطة الخلافية الثالثة اجتماعية. فمع احتمال ارتفاع أسعار الطاقة، وتقليص الدعم، وتزايد الضغط على القدرة الشرائية، يصبح كل قرار اقتصادي شديد الحساسية سياسيًا، خاصة في ظل سياق دولي متوتر بفعل الحرب في الشرق الأوسط، التي تزيد من كلفة واردات الطاقة.
لطالما اعتُبر السنغال استثناءً ديمقراطيا في غرب إفريقيا المضطرب بالانقلابات. وكان وصول الثنائي سونكو–ديوماي إلى الحكم عام 2024 قد عزّز هذه الصورة. لكن هذه الوعود تبدو اليوم وكأنها من الماضي.
وتفتح إقالة سونكو سيناريو عالي المخاطر. فالبرلمان، الذي يهيمن عليه حزب “باستيف” (130 مقعدًا من أصل 165)، ما يزال مواليًا له إلى حد كبير. ومن المتوقع أن تتيح استقالة رئيس البرلمان مالك أنجاي لِسونكو تولي رئاسته، ليصبح بذلك الرجل الثاني في الدولة. هذا الوضع قد يؤدي إلى صراع مباشر بين السلطتين التنفيذية والتشريعية؛ مع العلم أن الرئيس ديوماي فاي لا يمكنه حل البرلمان قبل شهر نوفمبر، ما يعني أن حكومة بلا أغلبية ستكون ضعيفة منذ البداية.
وقد تجد فرنسا نفسها متورطة رغمًا عنها في هذه الأزمة. فقد اتهم سونكو الغرب، وخاصة باريس، بمحاولة “فرض المثلية”، في وقت تم فيه إقرار قوانين أكثر تشددًا ضد العلاقات بين الأشخاص من الجنس نفسه. كما يتهم بعض الناشطين فرنسا بتفريق الثنائي الحاكم، لا سيما بعد لقاء الرئيس السنغالي مع إيمانويل ماكرون ومديرة صندوق النقد الدولي في قمة “أفريكا فوروارد” مؤخرا في العاصمة الكينية نيروبي.
وحذّرت مصادر دبلوماسية من أن أي تقارب مع صندوق النقد قد يُفسر كاصطفاف مع الغرب، ما قد يزيد من حدة التوتر. وفي ظل تدهور الوضع الإقليمي، هناك مخاوف من أزمة مالية قد تتجاوز حدود السنغال.
مساء الاثنين، عيّن الرئيس باسيرو ديوماي فاي الخبير الاقتصادي البارز أحمدو الأمين لو، وهو مسؤول سابق في البنك المركزي لدول غرب إفريقيا، لقيادة الحكومة.
في ظل الإرهاق الاجتماعي، والتوترات الاقتصادية، وانتشار المعلومات المضللة، قد تعود الشوارع لتلعب دورًا محوريًا. وقد يلجأ سونكو إلى قاعدته الشعبية الواسعة. وبينما اختار الرئيس فرض سلطته دون أغلبية برلمانية، يحتفظ رئيس وزرائه السابق بقوة سياسية كبيرة. ويبدو أن السنغال مهددة بأن تصبح غير قابلة للحكم.