هل يقبل السودان بتدخلات المجتمع الدولي؟


نواصل هذه السلسلة من المقالات التي خصصناها لمناقشة تدخلات المجتمع الدولي ومساهمات المبادرات الخارجية في حل أزمات السودان.
ابتدرنا السلسلة بمقالين سابقين أكدنا فيهما على موضوعية وحتمية هذه التدخلات، وأنها دائما مطلوبة، بل وقد تكون ضرورية في لحظة ما، كما فصلنا في العوامل الداخلية والخارجية المسببة لها. وناقشنا في المقالين أيضا كيف أن للمجتمع الدولي تجارب غنية في التدخل والمساهمة في فض النزاعات وتقديم الحلول للعديد من البلدان التي تطحنها الأزمات، وأن هذه التجارب قد شابتها الكثير من العيوب والجوانب السالبة، بل والضارة أحيانا، وعددنا بعضا من هذه الجوانب السالبة. ولكنا أعقبنا مناقشتنا هذه بإطلاق تحذير حتى لا نقع في الفخ ونعتقل أنفسنا في نظرية المؤامرة، فلا نرى في تدخلات ومساهمات المجتمع الدولي لحل أزمات بلادنا سوى أنها مؤامرة ضد سيادتنا ومصالحنا الوطنية، وبالتالي نرفضها مطلقا ودون أي تمييز. وقلنا إن الموقف السليم، من وجهة نظرنا، هو التعاطي الإيجابي مع هذه التدخلات والمساهمات بما يخدم مصالحنا الوطنية، وذلك وفق مبادئ أساسية حاكمة، نبتدر مقال اليوم باستعراضها:
المبدأ الأول: القبول والترحيب بهذه المساهمات والتدخلات، مع ضرورة الأخذ في الاعتبار الدروس المستفادة من تجارب المجتمع الدولي السابقة، وأن لا نتجاهل السلبيات التي أفرزتها هذه التجارب في العديد من البلدان، بما فيها السودان.
المبدأ الثاني: الحذر الشديد حتى لا تتغول هذه المساهمات على مصالح البلاد وسيادتها الوطنية، أو تُختصر في فرض التسويات الفوقية بين أطراف النزاع، أو الصفقات التي تخدم مصالح الدوائر الخارجية أكثر مما تخدم مصالح شعوبنا. وفي النهاية، دائما ما تكون النتيجة هي إعادة إنتاج الأزمة، وربما تجدد الحرب بعد توقف مؤقت.

موقع السودان الاستراتيجي يضعه في قلب منطقة تشهد توترات جيوسياسية عميقة، حيث الصراعات المرتبطة بأمن البحر الأحمر، والتنافس الدولي المحتدم حول الممرات المائية

المبدأ الثالث: لا يمكن حل قضية شعب من خارجه وبالإنابة عنه! هذا قانون أساسي يعبر عن حقيقة أن مساهمات المجتمع الدولي وتدخلاته لحل أزمات بلادنا، صحيح مهمة وضرورية، لكنها تظل عوامل مساعدة فقط، ولا تقدم حلولا جذرية لهذه الأزمات. مثلا بالنسبة للحرب الدائرة اليوم في السودان، من الصعب فرض وقف إطلاق النار وتحقيق هدنة وتوقف الإقتتال مؤقتا بدون تدخلات وجهود دولية وإقليمية. وبدون هذه الجهود من الصعب إنفاذ تدفق المساعدات الإنسانية، أو تيسير أي مفاوضات محتملة بين أطراف النزاع. ولكن يظل السقف الأعلى لهذه التدخلات والجهود هو إيقاف القتال وليس إنهاء الحرب أو حل الأزمة الوطنية الممسكة بتلابيب البلاد منذ عقود، والمسببة لنزاعاته وحروبه. والجهة الوحيدة التي يقع على عاتقها حل هذه الأزمة، هي القوى والأطراف السودانية عبر شحذ إرادتها وتوافقها على اجتراح رؤية محددة تخاطب التفاصيل الضرورية لوقف الحرب ومنع تجددها، وبسط السلام المستدام. والمعادلة هنا بسيطة وواضحة: الحل يجب أن يكون سودانيًا خالصًا، ولكن الطريق إلى هذا الحل يحتاج إلى دعم من إرادة دولية حقيقية لمنع تأثير كل ما يمكن أن يحول دونه. أما أن تظل الأطراف السودانية في وضع المراقب والمنتظر لمساهمات المبادرات الخارجية لوقف الحرب دون أن تكون لمساهماتها هي القدح المعلى، فهذه خطيئة من الدرجة الأولى، إضافة إلى أنها لن توقف الحرب. المبدأ الرابع: الأخذ في الاعتبار العوامل الجيوسياسية وكيفية التعاطي معها في إطار العلاقة مع المجتمع الدولي وفهم جوهر تدخلاته ومساهماته في الأزمات والنزاعات في البلدان النامية. بالنسبة للسودان، فهو يتمتع بموقعٍ استراتيجيٍّ فريد، كمنفذ إفريقي حيوي إلى البحر الأحمر عبر ساحل يمتد نحو 850 كيلومتراً، إضافة إلى كونه جسراً يربط بين دول القرن الإفريقي ووسط إفريقيا والعالم العربي، مما يجعله عنصرًا محوريًا في مخططات القوى الدولية. وموقع السودان الاستراتيجي يضعه في قلب منطقة تشهد توترات جيوسياسية عميقة، حيث الصراعات المرتبطة بأمن البحر الأحمر، والتنافس الدولي المحتدم حول الممرات المائية وطرق التجارة العالمية، وكذلك النزاعات المرتبطة بأمن وادي النيل. كما يعزز موقع السودان الاستراتيجي من إمكانية امتداد وانتشار نزاعاته الدامية إلى دول الجوار، لا سيما تلك التي تعاني أصلاً من تصاعد التوترات السياسية والإجتماعية وهشاشة الأوضاع الأمنية. وهكذا، فإن أهمية السودان الجيوسياسية تجعله محط اهتمام القوى الدولية والإقليمية، ولكنه اهتمام يُعقّد أزماته الداخلية، حيث تتداخل المصالح الخارجية مع النزاعات المحلية، لتجعل من الحرب المشتعلة اليوم في البلاد، في جانب منها، حربا بالوكالة عن أطراف خارجية لها مصالح وذات علاقة بمصالح بعض الأطراف في السودان، وأطراف خارجية أخرى عينها على أراضي السودان الشاسعة الخصبة ومياهه الوفيرة ومعادنه النفيسة. والسؤال الرئيسي هنا: كيف يمكن للقوى والأطراف السودانية أن تطور استراتيجية ذكية تستفيد من هذا الواقع الجيوسياسي ومن هذه الاهتمامات الدولية، لصالح هدف وقف الحرب، ولصالح علاقة منفعة متبادلة مع القوى الدولية والإقليمية؟ سنجيب على هذا السؤال بالتفصيل في أحد المقالات القادمة من هذه السلسلة، ولكنا نقول هنا، وبحسب ما تسمح به المساحة المخصصة لمقالنا، إن المطلوب هو تفاهم جديد، أو «عقد اجتماعي جديد»، بين القوى الوطنية السودانية والمجتمع الدولي، يقوم على الشراكة بدلاً من الوصاية، والمساءلة المتبادلة بدلاً من الشروط الأحادية، والرؤية المشتركة للسودان كدولة مستقرة تساهم في أمن المنطقة بدلاً من تهديده، وقبل كل ذلك قناعة المجتمع الدولي بأن مستقبل السودان يقرره السودانيون. وباختصار، في زمن تتقاطع فيه الأزمات الإقليمية والدولية، يملك السودان فرصة تاريخية لتحويل موقعه الجيوستراتيجي من لعنة تزيد النزاع تعقيداً إلى نعمة تجذب الدعم الدولي الحقيقي للسلام. ولكن هذه الفرصة لن تتحقق بدون قوى مدنية سودانية موحدة الرؤى وفاعلة، تقدم برنامج عمل واضح، ومجتمع دولي يدرك أن استثماره في سلام السودان هو استثمار في استقرار منطقة بالغة الأهمية لمصالحه، ولصالح السلم والأمن في العالم، بما في ذلك محاصرة بؤر التطرف والإرهاب.

٭ كاتب سوداني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *