دليل الحائر إلى إيلون ماسك


لكلّ امرئ رأيه في إيلون ماسك، يكتب كوين سلوبوديان وبن تارنوف في استهلال كتابهما «الماسكية: دليل الحائر»، الذي صدر مؤخراً بالإنكليزية، ضمن منشورات هاربر، في 256 صفحة؛ المخصص لرجل الأعمال الأمريكي من أصل جنوب أفريقي، المؤسس أو الرئيس التنفيذي أو كلا المنصبين لشركات «سبيس إكس» و»تيسلا موتورز» و»سولار سيتي»، ومالك منصة X المعروفة سابقاً باسم «تويتر»، بين شركات تكنولوجية أو مالية أو صناعية أخرى. ثروته، مطلع شباط (فبراير) الماضي، تجاوزت 850 مليار دولار أمريكي، وهي بذلك الأعلى في التاريخ البشري؛ ويتردد أنه تبرّع لحملة دونالد ترامب الانتخابية الثانية بمبلغ 118 مليون دولار، فكافأه الأخير بتعيينه وزيراً للكفاءة الحكومية، قبل أن يستقيل بعد خلاف.
سلوبوديان مؤرخ كندي، وتارنوف أمريكي مختصّ بالإلكترونيات، وقد اجتمعت خبراتهما وتكاملت لتوفير صورة متكاملة ما أمكن عن شخصية ماسك؛ لعلها، كما أملا، تنفع في توفير دليل للحائر: في أيّ ماسك، وعن أيّة شخصية، وهل ثمة ما يستوجب الحديث عن «ماسكية» Muskism أكثر من ماسك؛ وسوى ذلك من أسئلة مثيرة، محيّرة، ولكنها في الآن ذاته واضحة. وكما لا يصحّ الحديث عن هنري فورد، صانع السيارات الشهير، من دون الركون إلى تعبير الفوردية Fordism؛ كذلك لا يصحّ، بل لم يعد من الممكن أصلاً، الفصل بين ماسك والماسكية.
ولا يحجم المؤلفان عن اقتراح لائحة (ليست وجيزة البتة!) لتوصيفات ماسك المتعددة، المتغايرة أو الثابتة، الواقعية أو الفانتازية، اليمينية المتطرفة أم الليبرالية المتوحشة، الفقاعة أم القنبلة الموقوتة. أو، في أحدث تجلياته كما يرى المؤلفان: مخلب القطّ اليميني المتطرف، المروّج لأكثر النبوءات الكاذبة قتامة حول غزوات اللاجئين، بطل ثنائيات على غرار المخترع/ المهرّج، أو النذل/ العطوف… وتلك حال قد يلوح أنها تصعّب مهمة مؤرخ وخبير إلكتروني، ولكنها في الواقع لا تسهّل عليهما تشخيص أعراض ماسك بأمانة عالية فحسب، بل تبدد الكثير من عناصر الحيرة لديهما، وتحثّ بالتالي على تسطير دليل الحائرين هذا.
نحن نعامله كمعاملة فورد، يكتب سلوبوديان وتارنوف، لأنه «ليس مجرد آدمي، بل هو ترسيم غرافيكي Avatar لرؤية كونية عن العالم؛ إذ لوكانت الفوردية نظام تشغيل للقرن الـ 20، فإنّ الماسكية نظام تشغيل للقرن الـ 21»؛ وكما أنّ فورد تحاشى استخدام تعبير الفوردية، فإنّ ماسك أيضاً ينأى بنفسه عن إشاعة الماسكية. وأيضاً: «مثل الفوردية، تروّج الماسكية أنها مشروع تحديثي. لكنّ الفوردية أعادت كتابة العقد الاجتماعي مع وعد برفع معايير المعيشة للجميع، والسيارات في كلّ مرآب، والبرادات في كلّ مطبخ، والأجور تتصاعد مع الإنتاج. الماسكية من جانبها لا توزّع الهدايا على نطاق واسع، بل تغدق الوعد بامتلاك السيادة عن طريق التكنولوجيا».
ولعلّ نقطة السجال الأبرز في الكتاب هي تلك التي تذكّر القارئ، ذاك الحائر دون سواه، بأنّ ماسك لا يبيع السيارات والمركبات الفضائية والأقمار الصناعية، بقدر ما ينشر الاستيهام المركزي بأنه يمكن للدول والأفراد (في هذا العالم المضطرب المضطرم على حدّ سواء) تعزيز الذات وتقوية القدرات العصامية عن طريق الالتحاق بالبنى التحتية التي يشيدها. المفارقة، يتابع الكتاب، أنّ هذا الالتحاق تحديداً هو الذي يصنع الاعتماد على ماسك، وما يُباع بوصفه «تكنو ــ سيادة» هو انحباس في حديقة ماسك المسوّرة، حيث المفاتيح في جيوبه وحدها.
وإذا كانت الماسكية لا تتوقف عن تصنيع مزاعم الـ»تكنو ــ سيادة»، فإنها في الآن ذاته لا تكفّ عن ممارسة أشكال شتى من الإقصاء: تطهير الشبكات الاجتماعية، على منصة X مثلاً؛ وتصفية نماذج الذكاء الاصطناعي من الاعتبارات الإيديولوجية المعارضة، أو المخالفة، أو غير المنضوية؛ وتطبيق سياسات ترحيل، فعلية وافتراضية، للجماعات الإثنية التي تُصنّف «خارجة» عن الركب الماسكي، أو «دخيلة» عليه. والحصيلة هي «جماعة مطهَّرة يعرّفها انتساب ثقافي ومورّثاتي أبيض، غربي أوروبي، تحرسه تكنولوجيا فوقية، أقرب إلى حصن لحماية أنقى ما في الإنسانية».
خلاصة فظيعة، غنيّ عن القول، لا يجد الحائر عناء في إدراك شعارها الأعلى، كما لخّصه ماسك شخصياً، متوجهاً إلى 225 مليوناً من متابعيه: «إذا كان التسامح يعني نهاية الحضارة الغربية، فإننا لن نكون متسامحين أبداً». وهنا سبب إضافي كي يصادق القارئ على منهجية الكتاب في النظر إلى الماسكية، أكثر من ماسك نفسه، إذ إنّ الأولى هي الأكثر احتواء على عناصر فضح الثاني؛ خاصة لجهة الإقلاع عن النظر إلى ماسك كرجل منفلت من أيّ التزام تجاه الحكم والحوكمة، فالعكس هو الصحيح تماماً لأنه بنى إمبراطوريته على ركيزة الاندماج في الدولة، فكيف برغائبه المعلنة في غزو كوكب المريخ!
وإذ يرى كثيرون أن ماسك خرافيّ النفوذ والقوة والتسلط، وهو بالتالي يصعب أن يُقهر؛ فإنّ واحدة من أكبر نقاط ضعفه تضعه في خانة واحدة مع فورد؛ لجهة أنّ ملياراته، مصادر هيمنته، كامنة حصرياً في بورصات شركاته، وبالتالي هي عرضة لكلّ رياح هوجاء يمكن أن تحيلها إلى عصف مأكول. تماماً كما تنبأ بنفسه: «إذا أفلستْ ‘سبيس إكس’ و’تيسلا موتورز’ و’سولار سيتي’، فإني سأفلس معها».
خاصة، بالطبع، أنّ البورصات حين تعصف فإنها لا تحتاج، كالحائر، إلى دليل!



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *