لماذا سيبقى غوارديولا «علامة فارقة» في تاريخ البريميرليغ؟


لندن ـ «القدس العربي»: تصدر المدرب الشهير بيب غوارديولا عناوين الصحف والمواقع الرياضية على مدار الأيام والساعات القليلة الماضية، وهذه المرة ليست لأسباب تتعلق بنجاحاته ولا أفكاره ولا حتى إخفاقه في منع آرسنال من استعادة لقب الدوري الإنكليزي بعد غياب 22 عاما، بل لتسونامي الأنباء والتسريبات التي تحدثت عن اقترابه من مغادرة منصبه في القيادة الفنية لمانشستر سيتي، بعد عقد من الزمن، وفي رواية أخرى بعد عشرية ستبقى عالقة لسنوات وربما عقود في أذهان مشجعي الدوري الإنكليزي بوجه خاص وعشاق المان سيتي بالأخص، تاركا وراءه إرثا سيتفاخر به آباء وشباب اليوم أمام الأجيال القادمة، كيف لا والحديث عن المدرب الأكثر تأثيرا في تاريخ الدوري الممتاز، بعد حملات التشكيك في أفكاره وقدرته على مجاراة نسق الدوري الأكثر سرعة وقوة وتنافسية في العالم، بعد بدايته البطيئة مع السكاي بلوز، التي استهلها بأول مواسمه الصفرية في مشواره التدريبي في عالم كرة القدم (2016-2017)، مع إنهاء الموسم في المركز الثالث على بعد 15 نقطة من بطل البريميرليغ آنذاك تشلسي أنطونيو كونتي، وثماني نقاط عن الوصيف توتنهام ماوريسيو بوتشيتينو، قبل أن يبدأ في إجبار الغريم قبل مشجع النادي على «الخضوع» لأفكاره الثائرة التي تحولت إلى إستراتيجية أو نهج أو فلسفة عامة في مختلف ملاعب والدوريات في وطن كرة القدم بالطريقة التي يستعرضها التقرير الآتي.

عصر الرغبي

وصل الفيلسوف الكتالوني إلى قلعة «الاتحاد» في أوج لحظات أسلوب الرغبي، الذي كان يطلق على أسلوب لعب معظم الفرق الإنكليزية، في القلب منها ستوك ووست بروميتش ألبيون وسوانزي وأندية أخرى كانت تعتمد على الأسلوب الإنكليزي الكلاسيكي باللعب على الكرات الطولية والاستغلال المثالي للركنيات، وهو ما جعل بعض النقاد والخبراء يضعون الكثير من علامات استفهام حول مدى نجاعة أسلوب بيب وقابليته للنجاح على أرض الملعب أمام خصومه الأقوياء على المستوى البدني، مثل قائد مانشستر يونايتد السابق غاري نيفل، توقع فشل ثلاثية ديفيد سيلفا وفرناندينيو وكيفن دي بروين، في حديث موثق على شبكة «سكاي سبورتس»، أشار فيه إلى أن القوة البدنية والصلابة التي تميز أندية البريميرليغ آنذاك تتنافى مع منطق غوارديولا ومعاييره في اختيار العناصر القادرة على تحمل اللعب في الأجواء الشتوية القاسية، وحدث ذلك بعد تعرض فريق بيب لخسائر محرجة وغير مسبوقة في تاريخه المهني، مثل الانحناء بالأربعة مرتين أمام إيفرتون وليستر، لكن سرعان ما ترك نتائج وألقاب الفريق ترد على منتقدي الأمس، وصلت لحد احتكار لقب البريميرليغ في الموسمين التاليين، برصيد 100 نقطة في موسم 2017-2018، و98 نقطة في الموسم التالي، أو 198 نقطة من 64 انتصارا في 76 مباراة في الدوري الإنكليزي، محطما الرقم القياسي الذي كان مسجلا باسم جوزيه مورينيو في ولايته الأولى مع تشلسي، حين جمع 186 نقطة خلال موسمي 2004-2005 و2005-2006، خرج منهما البلوز بـ144 هدفا مقابل 201 هدف لفريق غوارديولا، وهذا النجاح لم يتحقق بضربة حظ أو من قبيل الصدفة، بل نتيجة تخطيط المدرب الكتالوني السليم، الذي رسخ قواعد حكمه بالطريقة التي يريدها، باستثمار ما يلامس الربع مليار جنيه إسترليني في صفقات تتماشى مع أفكاره والطريقة التي يريدها للمشروع من نوعية الحارس الذي يجيد اللعب بقدمه إيدرسون وفي الخط الخلفي كايل ووكر وبنجامين ميندي ودانيلو بالإضافة إلى العبقري القصير برناردو سيلفا، وذلك في الوقت الذي كان يستثمر فيه نظيره في مانشستر يونايتد جوزيه مورينيو الملايين في أصحاب العضلات والبنية الجسدية القوية أمثال روميلو لوكاكو ونيمانيا ماتيتش وفيكتور ليندلوف.

نبوءة المايسترو

بينما كان بيب يتعرض لكل أنواع الانتقادات في إنكلترا بسبب عروضه غير المقنعة مع السيتي في موسمه الأول، كان تلميذه النجيب تشافي هيرنانديز سباقا في توقعه الصائب، بأن مدربه السابق في برشلونة سيغير وجه الدوري الإنكليزي، عكس كل عتاولة التدريب الذين اضطروا لتقديم تنازلات بالجملة لمواكبة القوة البدنية المفرطة لأندية البريميرليغ، وسرعان ما أثبتت الأيام أن مايسترو البلوغرانا في عصر ليونيل ميسي الذهبي، كان محقا في توقعه، من تراجع جماعي في كرة القدم الإنكليزية، ما بين مشاهدة برشلونة وريال مدريد يبسطان سيطرتهما على الكأس ذات الأذنين، وبين صدمات المنتخب الإنكليزي، الذي ودع لتوه بطولة أوروبا من الدور الأول، وقبلها بعامين اكتفى بشرف المشاركة في دور المجموعات لكأس العالم البرازيل 2014، لكن بعد وصوله الذي تزامن مع توافد صفوة المدربين في أوروبا على الأندية الإنكليزية في النصف الثاني من العقد الماضي، استعاد البريميرليغ جزءا كبيرا من المنافسة القوية التي افتقرها في فترة ما بعد تقاعد سير أليكس فيرغسون وابتعاد آرسنال عن دائرة المنافسة، فقط احتاج مُحدّث اللعبة في القرن الجديد لموسم واحد، كان أشبه باستراحة المحارب، وهو موسم تتويج ليفربول، قبل أن يعود ويكتسح الأخضر واليابس في المواسم الأربعة التالية، محققا إنجازا فريدا من نوعه، كأول مدرب في كل العصور يقود فريقه للاحتفاظ بلقب الدوري الإنكليزي 4 مرات على التوالي، في وقت بدأ يشعر فيه البعض بغياب المنافسة على الألقاب المحلية، نظرا للطريقة التي كان يسحق بها السيتي خصومه في معارك السبت والأحد، باستثناء الدراما التي خلقها آرسنال في آخر موسمين في الصراع الثنائي بين الأستاذ والتلميذ، باحتفاظ الفريق اللندني بالصدارة لفترات طويلة، وفي الأمتار الأخيرة يرفع الراية البيضاء أمام عصابة غوارديولا، وكما هيمنت إسبانيا على العالم والقارة في سنوات بيب مع البارسا، وكذلك الأمر توجت ألمانيا بكأس العالم في وجود بيب على رأس الجهاز الفني لبايرن ميونيخ، كاد المنتخب الإنكليزي أن يسير في نفس الاتجاه، لولا خسارة نهائي اليورو آخر نسختين وبينهما وصل إلى نصف نهائي مونديال قطر 2022.

المدرسة الغوارديولية

بعيدا عن نهج غوارديولا، الذي تحول إلى فكرة أو مشروع أو نموذج يُحتذى به للكثير من الأندية الإنكليزية، وكما أشرنا أعلاه كان الأسلوب السائد في مختلف الدوريات الإنكليزية في السنوات الماضية، فهو يمثل المدرسة التي تهيمن على القارة في الوقت الحالي، بالأحرى «الأب الروحي» لعدد لا بأس به من أنجح المدربين في العالم في الوقت الحالي، والحديث عن مرعب فرنسا وأوروبا لويس إنريكي، الذي لعب ودرب بجانب غوارديولا في برشلونة، قبل أن يتحول إلى واحد من أفضل 3 مدربين في العالم في العقد الأخير، وتلميذه الثوري فينسنت كومباني، الذي يبلي بلاء حسنا مع بايرن ميونيخ، وباقي القائمة سيسك فابريغاس وتشابي ألونسو ودي زيربي وقبل هذا وذاك، تلميذه الذي تفوق عليه هذا الموسم ميكيل آرتيتا، بعد نجاحه في كسر عقدة آرسنال مع الدوري الإنكليزي، وخليفته المنتظر في الجزء السماوي لعاصمة الشمال، إنزو ماريسكا، الذي يُصنف كواحد من أبناء بيب المميزين في مجال التدريب، من قبل حتى نجاحه المدوي مع تشلسي، بإعادته في وقت قياسي إلى دوري أبطال أوروبا، وقيادته للفوز ببطولة المؤتمر الأوروبي ثم معانقة كأس العالم للأندية، قبل أن يدخل في صدامه الشهير مع إدارة البلوز، والذي عجل بطرده من «ستامفورد بريدج»، وسبقها عاصفة من الأنباء والتقارير التي تتحدث عن رغبة غوارديولا في التنحي عن منصبه.
والمرشح المفضل والأوفر حظا لخلافته هو ماريسكا، باعتباره النموذج الأقرب للحفاظ على الإرث الذي تركه المدرب الأسطوري، وبالتبعية سيضمن الاستمرار في نفس النهج أو الفلسفة المعروفة عن الفريق، كمنظومة تجمع بين المتعة البصرية التي تعتمد على العمل الجماعي وبين المنافسة على كل البطولات القارية والمحلية، خاصة بعدما تحول الفريق إلى واحد من الكبار على المستوى القاري، بعد نجاح غوارديولا في تخطي صداع «شخصية» الفريق وتمرسه على اللعب بثوب الكبار في دوري الأبطال كما كان يفعل في البطولات المحلية، وكل ما سبق لا يعكس سوى التأثير غير المسبوق لهذا المدرب سواء على جودة وأسلوب لعب دوريات بأكملها أو على هذا الكم من التلاميذ والأتباع الذين يحلمون بالسير على خطاه، وحتى ندرك هذا التأثير، نلاحظ أن بيب في آخر موسمين تنازل عن الكثير من معتقداته المقدسة ومفهومه عن اللعبة، مثل الاعتماد على حارس مرمى لا يجيد اللعب بقدمه أو البناء بشكل صحيح من الخلف، وسبقها لجأ لفكرة رأس الحربة الصريح مع هالاند، والتي تحولت إلى موضة في ما بعد، أنه خلال نفس العامين، يبدو وكأن البريميرليغ عاد كما كان مع وصول هذا العبقري، باعتماد الأندية الكبيرة قبل المتوسطة والصغيرة على الكرات الثابتة والركنيات التي تحولت إلى حلول جوهرية لأندية مثل البطل آرسنال ومانشستر يونايتد حاليا مع مايكل كاريك، لهذا سيبقى غوارديولا المدرب الأكثر تأثيرا في تاريخ الكرة الإنكليزية، وسيبقى أليكس فيرغسون الخاص بمانشستر يونايتد، بعدما قاد النادي للفوز بـ20 بطولة، وقبلها كان في تاريخ الكيان 18 بطولة فقط.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *