عمان – “القدس العربي”: الخلاصة التي يمكن استنتاجها من مقال نشرته مؤخرا وزيرة الطاقة الأردنية السابقة، هالة زواتي، أن “استئناف ضخ غاز المتوسط إلى المملكة أثناء حرب الـ 40 يوما مع إيران، ساهم في تمكين الأردن من التنفس قليلا ومؤقتا”.
ما يعني أن الكيان الإسرائيلي “يخنق” الأردن جيوسياسيا لأهداف سياسية وفق ما يقول الخبير الاستراتيجي قاصد محمود لـ”القدس العربي”.
زواتي حاولت تحليل خريطة تحديات أمن الطاقة في البلاد في ظل أجواء الإقليم الملتهبة وارتفاع أسعار النفط الخام، وما حصل عندما استؤنف ضخ غاز المتوسط. كذلك في ظل التحديات الوشيكة القادمة المرتبطة حصرا في تأثيرات أزمة الأسمدة والزراعة وملف الأمن الغذائي قريبا جدا.
لا تعرف بعد الأسباب التي دفعت زواتي للتطرق لملف الطاقة محليا نحو 3 مرات في نشاطات عامة. على الأرجح، تحاول “قرع الجرس” وتقترح “إجراءات احترازية” أكثر شمولا، وإن كانت تتجنب “مزاحمة” المسؤولين حاليا عن الملف.
زواتي حاولت تحليل خريطة تحديات أمن الطاقة في البلاد في ظل أجواء الإقليم الملتهبة وارتفاع أسعار النفط الخام
ما قالته بجرأة في مقالها الأخير، وقبل ذلك في إحدى الندوات، لا يمثل ما يقوله الوزير الحالي للطاقة صالح الخرابشة الذي يشيع التفاؤل والأمل، أمام البرلمان والصحافة والرأي العام، في مهمة صعبة ومعقدة، ولا يحسد عليها.
ما يرشح عن أوساط الخرابشة البرلمانية يوحي بأن الحكومة، وفي التسعيرة الشهرية للمحروقات، قد لا تستطيع تخفيض الأسعار بالنسبة المطلوبة نفسها، إذا ما انخفضت أسعار الوقود والمحروقات والبترول في السوق العالمية والإقليمية .
وغالبا ما يتجنب مسؤولون سابقون، مثل زواتي، وحاليون مثل الخرابشة استعمال عبارة “غاز إسرائيل” ويستبدلونها بعبارة “غاز المتوسط” وذلك تجنبا للحساسيات التي تثيرها أصلا فكرة الاعتماد على الغاز الإسرائيلي.
وقد سبق لوزير الخارجية الأسبق مروان المعشر أن انتقد علنا وعدة مرات وضع احتياجات أساسية ومركزية للأردن في حضن الإسرائيليين الذين انقلبوا على الجميع.
نتنياهو الذي أوقف واردات الغاز إلى الأردن عدة مرات، منذ بدايات حرب غزة، يعبث ويتلاعب بمصالح واحتياجات الاردن
الخبير الدولي دريد المحاسنة، انتقد في تصريحات لـ “القدس العربي” فكرة تراجع الاحتياطات والتحوط على أساس أن الاعتماد في الطاقة والغاز والمياه على حصص متفق عليها مع الإسرائيليين جزئية في غير مكانها وموقعها بسبب تملص الإسرائيلي حتى في أيام السلم وليس الحرب فقط من مجمل التزامات الاتفاقيات والمعاهدات.
عموما أعاد مقال زواتي طرح إشكالية غاز المتوسط علنا، إذ إن خبراء الطاقة يشيرون إلى أن رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي أوقف واردات الغاز إلى الأردن عدة مرات، منذ بدايات حرب غزة، يعبث ويتلاعب بمصالح واحتياجات الاردن.
نتنياهو مؤخرا استأنف ضخ حصة الغاز إلى الأردن بالسعر المتفق عليه بقرار أمريكي على الأرجح وفي سياق انتهازية إسرائيلية كانت تستثمر وتستفيد من نشاط الأردن الدفاعي ضد صواريخ إيران.
وما تقوله زواتي، باختصار، إن استمرار تدفق غاز المتوسط ليس مضمونا في كل الأحوال.
ثمة شكوك مبكرة في إمكانية وضع وصفة منتجة توازن ما بين التضخم وارتفاع الأسعار، وبين حالة الاستقرار الاجتماعي الداخلي
من هنا، فإن صناع التخطيط الإستراتيجي الأردني في ملف الغاز والطاقة، عليهم أن يأخذوا بالاعتبار اعتماد بدائل منتجة والاستعداد لأزمة قادمة لا محالة والتنويع في مصادر الطاقة والغاز لإدامة خدمات الكهرباء.
ثمة شكوك مبكرة في إمكانية وضع وصفة منتجة توازن ما بين التضخم وارتفاع الأسعار، وبين حالة الاستقرار الاجتماعي الداخلي في الأردن.
غياب ضمانات الاستمرار في ضخ غاز إسرائيل يتحول عمليا إلى مأزق وكمين له صلة حتمية وقطعية بابتزاز الأردن جيوسياسيا لا بل بمحاصرته، حسب محمود.
تل أبيب قطعت الغاز متذرعة بالحرب، لكن حتى زواتي ألمحت إلى أن الضخ لأغراض الداخل الإسرائيلي خلال الحرب استمر، الأمر الذي يعكس مؤشرات الابتزاز الإسرائيلي.
بالنسبة للخبير الاقتصادي والسياسي جواد العناني فإن أن “تشكيل خلية طوارئ يقرأ الأحداث بعيدا عن سطحها، هو الأساس، ليس في ملف الطاقة فقط ولكن في حزمة المصالح الاقتصادية الإستراتيجية”، حسب ما قال لـ” القدس العربي”، مؤكدا أن “أي حدث يحصل في الإقليم الآن، قد يبدل ويغير في حزام الأمان والمصالح الأردنية، لأن التحالفات الاستراتيجية القديمة لم تعد مستقرة”.
السؤال الأهم أردنيا، كيف ولماذا فقدت عمان القدرة على ضمان تدفق غاز المتوسط وكيف تستعيدها
ما الذي يعنيه كلام العناني عندما يتعلق الأمر بمعضلة غاز المتوسط؟.
سؤال لا بد من الإجابة عليه، وقد حاولت زواتي ذلك في خطاب تحذيري، لكن ما هو غير واضح بعد ترسيم قواعد الاشتباك مع الإرادة السياسية لليمين الإسرائيلي التي تعبث بمصالح الأردن وتبتزه، مرة في حجب الغاز لدواع وذرائع متهالكة، ومرات في حجب المياه أو إغلاق الجسور والمعابر.
نتنياهو الذي حجب الغاز عن الأردنيين في أحداث 7 أكتوبر، تمكن من ضخه للأردن في ظل حرب الصواريخ التي استمرت 40 يوما مع إيران. ذلك يثبت أن العمليات الحربية ليست سببا مقنعا لمنع أو حجب واردات الغاز الإسرائيلي، ونتنياهو وطاقمه يعبثان، فيما لا يدفعان كلفة هذا العبث مع عمان عمليا.
السؤال الأهم أردنيا، كيف ولماذا فقدت عمان القدرة على ضمان تدفق غاز المتوسط وكيف تستعيدها؟ الإجابة تحتاج لتجاوز “المسكوت عنه” في الملف، كما تحتاج لسردية مختلفة عن تلك التي يعتمدها الخرابشة، وعن السيناريو التحذيري الذي تحدثت عنه الوزيرة زواتي.