طرابلس – «القدس العربي»: في مشهد أعاد إلى الواجهة أجواء الاستقطاب العسكري والانقسام السياسي في ليبيا، تحولت مناورات «درع الكرامة 2» التي أطلقتها قوات خليفة حفتر في منطقة رأس العلبة جنوب شرقي البلاد إلى محور جدل واسع، ليس فقط بسبب حجم الحشد العسكري الكبير الذي رافقها، بل أيضا بعد تداول معلومات عن اشتباكات مسلحة وقعت بين مجموعات تابعة لمعسكر الشرق نفسه، وسط حديث عن قتلى ومصابين ومحاولات لاحتواء التوتر بعيدا عن الأضواء.
وجاءت المناورات التي شارك فيها آلاف العناصر المسلحة التابعة لقوات شرق ليبيا، بعد أسابيع من مشاركة قوات من شرق وغرب البلاد في تمرين «فلينتلوك 2026» قرب مدينة سرت، وهو تمرين عسكري قادته الولايات المتحدة بمشاركة عشرات الدول، وجرى الترويج له باعتباره خطوة نحو تعزيز التنسيق الأمني والعسكري بين الأطراف الليبية المنقسمة منذ سنوات.
لكن بينما حاولت القيادات العسكرية التابعة لحفتر تصوير «درع الكرامة 2» كرسالة قوة وانضباط واستقرار، رأى سياسيون ومراقبون أن ما جرى في رأس العلبة كشف العكس تماما، خاصة مع ظهور مؤشرات على تصاعد التنافس داخل التشكيلات المسلحة التابعة لمعسكر الشرق، واحتدام الصراع على النفوذ بين المجموعات المقربة من صدام حفتر.
وشهدت المناورات حضورا بارزا لخليفة حفتر ونجله صدام حفتر، الذي بات خلال السنوات الأخيرة يتصدر المشهد العسكري في شرق ليبيا، إلى جانب خالد حفتر وعدد من القيادات العسكرية التابعة للقيادة العامة.
كما حرصت القيادات المقربة من حفتر على الترويج للمناورة باعتبارها «الأكبر في تاريخ الجيش»، مع الحديث عن مشاركة نحو 25 ألف عنصر من مختلف الوحدات البرية والجوية والبحرية، إضافة إلى استخدام معدات عسكرية روسية ومنظومات دفاع جوي وآليات ثقيلة.
اللافت في المناورات لم يكن فقط حجم الحشد العسكري، بل طبيعة الرسائل السياسية التي رافقتها، خاصة مع تزامنها مع تحركات أمريكية وأممية متزايدة لإعادة ترتيب المشهد الليبي والدفع نحو تفاهمات جديدة تتعلق بتوحيد المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية.
ويرى مراقبون أن حفتر يسعى عبر هذه المناورات إلى إعادة تثبيت نفسه طرفا رئيسيا في أي ترتيبات سياسية أو أمنية مقبلة، في ظل الحديث المتزايد عن إعادة تشكيل السلطة التنفيذية وفتح مسارات جديدة للحوار بين الشرق والغرب.
وقال سياسي ليبي مطلع على المشاورات الجارية بين الأطراف الليبية إن «حفتر يحاول استثمار الحراك الدولي الحالي لإظهار نفسه كصاحب القوة العسكرية الأكبر في البلاد»، مضيفا أن «الرسالة الأساسية من هذه المناورات موجهة للخارج أكثر من الداخل».
وأضاف أن «القيادة العامة تدرك أن أي تسوية سياسية مقبلة ستشمل ملف المؤسسة العسكرية، لذلك تحاول فرض واقع ميداني يضمن بقاء نفوذها وعدم تجاوزها في أي اتفاق».
في المقابل، اعتبر مراقبون أن الحشد العسكري الكبير ومحاولات الترويج الإعلامي للمناورات لا يخفيان حجم الانقسامات داخل معسكر الشرق، خاصة مع استمرار هيمنة الطابع العائلي والقبلي على بنية التشكيلات المسلحة التابعة لحفتر.
وأشاروا إلى أن صعود صدام حفتر السريع داخل المؤسسة العسكرية خلق حالة من التململ لدى بعض القيادات الميدانية القديمة، التي ترى أن النفوذ بات يتركز داخل دائرة ضيقة مرتبطة بأبناء حفتر والمقربين منهم.
وفي خضم أجواء الاستعراض العسكري، تداولت أوساط محلية معلومات عن وقوع اشتباكات مسلحة داخل منطقة رأس العلبة بين عناصر تتبع مجموعات يقودها علي المشاي ومنعم اطبيقة، وهما من القياديين المقربين من صدام حفتر.
وحسب المعلومات المتداولة، فإن الاشتباكات اندلعت بعد خلاف داخل موقع المناورة، قبل أن تتطور إلى تبادل لإطلاق النار باستخدام أسلحة خفيفة ومتوسطة.
وأفاد إعلام محلي بأن الاشتباكات أسفرت عن سقوط قتلى ومصابين، من بينهم رئيس عرفاء يدعى عبد الونيس علي عبدربه الشيخي، إضافة إلى عدد من الجرحى، بينما تحدثت مصادر عن تدخل صدام حفتر لاحقا لاحتواء الموقف وفرض تهدئة سريعة بين الأطراف المتصارعة.
كما أشارت المعلومات المتداولة إلى صدور تعليمات بفرض تعتيم على تفاصيل ما جرى، في محاولة لمنع تأثير الحادثة على صورة المناورات التي كانت القيادة العامة تسعى لتقديمها باعتبارها دليلا على الانضباط والجاهزية.
ويرى متابعون أن هذه الاشتباكات كشفت حجم الهشاشة داخل معسكر حفتر، خاصة أن الحادثة وقعت خلال مناورة يفترض أنها تخضع لقيادة مركزية صارمة، وهو ما أعاد التساؤلات حول طبيعة التشكيلات المسلحة في شرق ليبيا ومدى قدرتها على التحول إلى مؤسسة عسكرية موحدة.
ويقول مراقبون إن «الحديث عن جيش موحد يصطدم دائما بواقع تعدد الولاءات داخل هذه التشكيلات»، مضيفا أن «كثيرا من الوحدات ترتبط بقياداتها المحلية أو القبلية أكثر من ارتباطها بالمؤسسة العسكرية نفسها».
وأضاف أن «أي خلاف شخصي أو تنافس على النفوذ يمكن أن يتحول بسرعة إلى اشتباك مسلح، وهذا ما حدث مرارا خلال السنوات الماضية».
في المقابل، حاول أنصار حفتر الدفاع عن المناورات واعتبارها دليلا على تطور قدرات قوات الشرق، حيث نشر ناشطون ومقربون من القيادة العامة تدوينات تشيد بما وصفوه بمستوى السيطرة والانضباط داخل الوحدات العسكرية.
وكتب الناشط محمد قشوط أن «أقوى رسالة في رأس العلبة هي أن القيادة انتقلت لمكان المناورة بكاملها من قائدها الأعلى إلى أدنى ضابط»، معتبرا أن وجود هذا العدد الكبير من العناصر المسلحة في مكان واحد يعكس «مستوى عاليا من الثقة والسيطرة».
كما تحدث سامي المتريح، وهو من المؤيدين لمعسكر حفتر، عن أن المناورات أكدت «تنوع مصادر السلاح» و»جاهزية القوات المسلحة»، معتبرا أن «مشروع الكرامة» ما يزال مستمرا.
إلا أن منتقدين اعتبروا أن هذا الخطاب يتجاهل حقيقة الانقسامات الداخلية والتوترات المتكررة داخل معسكر الشرق، مؤكدين أن الحديث عن «جيش وطني» لا ينسجم مع استمرار سيطرة المجموعات المسلحة والعلاقات الشخصية والعائلية على بنية المؤسسة العسكرية.
وقال أكاديمي ليبي متابع للملف الأمني إن «المشكلة ليست في إجراء مناورات عسكرية، بل في طبيعة القوة التي تنفذها»، مضيفا أن «أي مؤسسة عسكرية محترفة لا يمكن أن تتحول إلى مساحة لصراع النفوذ بين أبناء القائد والمجموعات المسلحة المرتبطة بهم».
كما أشار إلى أن الربط بين «درع الكرامة 2» وتمرين «فلينتلوك» يحمل دلالات سياسية مهمة، خاصة أن الولايات المتحدة تحاول منذ أشهر الدفع نحو ترتيبات أمنية مشتركة بين شرق البلاد وغربها، في وقت يسعى فيه حفتر إلى استغلال هذا الانفتاح الدولي لإعادة تقديم نفسه كشريك أساسي في ملف الأمن الليبي.
وفي ظل استمرار التحركات الأممية لإحياء العملية السياسية، يرى مراقبون أن ما جرى في رأس العلبة يكشف حجم التناقض بين الخطاب الذي تتبناه قيادة الشرق حول «الاستقرار والانضباط»، وبين واقع الانقسامات المسلحة والصراع على النفوذ داخل معسكر حفتر نفسه، وهو ما يطرح تساؤلات جديدة حول مستقبل المؤسسة العسكرية الليبية، وإمكانية بناء جيش موحد بعيدا عن منطق الولاءات والسلاح.