يقدّم موقع أسطول الصمود العالمي الأرقام الدقيقة للسفن التي قامت القوات الإسرائيلية باحتجازها، ويبث أخبارا عاجلة عن النشطاء الذين تم اعتقالهم ونداءات الاستغاثة وشرائط الفيديو التي تعرض بثا حيا للنشطاء والقوارب المشاركة في هذه المبادرة العالمية، كما تنشر رسائل ليشارك فيها الجمهور لمطالبة وزير خارجية إسرائيل وسفارة المرسل في «الكيان العنصري» باعتقال المحتجزين (أكثر من 900 ألف إيميل تم إرسالها) ومساعدة هذا الجهد الجماعي العظيم.
لهذا الموقع الموجود على متصفحات الإنترنت تحت عنوان: أبحر إلى غزة – النشاط الجماعي من أجل غزة» صفحات في وسائل التواصل الاجتماعي الشهيرة كما أن لديه قناة إذاعة «الموجة صفر» تبث أثناء سير الأسطول، وهو يقدّم رسائل سياسية واضحة: «العالم يقف من أجل فلسطين»، و»انهض لأجل مستقبلنا المشترك»، والمشتركون فيه هم من مختلف الأعمار والجنسيات مثل آني فلويرتو الأسترالية التي تبدو في منتصف الستين من العمر، ومثلها نيكول بلوفي الفرنسية، كما فيها شباب صغار، مثل أغاتا ماريا فيشلوكا، البولندية، ومحمد بن اضرمي من ماليزيا، وماريا مورارد من سويسرا، وماري غريس ماثيسن من كندا، وضمت مجموعة المشاركين القادمين من 39 دولة، أطباء ومدافعين عن حقوق الإنسان وبرلمانيين.
حاصرت السفن الحربية الإسرائيلية هؤلاء في المياه الدولية على بعد 463 كيلومترا من شواطئ فلسطين، وبخلاف العمليات السابقة نفّذت البحرية الإسرائيلية الاقتحام في وضح النهار فطوقت زوارق وحدات الكوماندوز واستخدم الجنود أشعة الليزر والأسلحة نصف الآلية لإجبار المشاركين على الاستسلام، بالتزامن مع تشويش إلكتروني كامل قطع قنوات الاتصال والبث المباشر، ليضيف الجيش الإسرائيلي إلى سجله الطويل من الانتهاكات القانونية في مواجهة نشطاء مدنيين حاولوا كسر حصار غير قانوني على الفلسطينيين في غزة.
قدّمت العملية مناسبة لوزير الأمن إيتمار بن غفير، ووزيرة المواصلات ميري ريغيف، للتفاخر على النشطاء السلميين المعتقلين والمكبّلين، والاحتفال بالتنكيل بهم. ظهر بن غفير في أحد الشرائط المصوّرة فيما تتعرّض إحدى الناشطات للتنكيل بعد أن صرخت «فلسطين حرة»، كما ظهر وهو يلوح بالعلم الإسرائيلي ويقول للناشطين المقيدين والمجبرين على إرخاء رؤوسهم نحو الأرض «أهلا بكم في إسرائيل نحن أصحاب البيت»، وفعلت ريغيف ما يشبه ذلك بإظهار الناشطين المعرضين لإجراءات الإذلال وتصفهم بـ»المخربين».
لا تفعل تصرّفات بن غفير الأخيرة، وشركائه في استعراضات القوة أمثال ريغيف وبتسلئيل سموتريتش، وزير المالية، وعميحاي إلياهو، وزير التراث، وباقي الطاقم الحكومي، غير توطيد «البراند» الإسرائيلي الذي لا مثيل له، والجامع بشكل مفارق، بين احتقار القوانين الدولية والإنسانية، واحتكار صورة الضحيّة، بحيث يصبح التضامن السلميّ مع سكان الأرض الأصليين الذين يواجهون إبادة منظمة، «معاداة للسامية»، وإرهابا!
إحدى نتائج هذه الحالة الغرائبية أن إيطاليا وألمانيا، اللتين منعتا تعليق العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل مؤخرا وأصرّتا مؤخرا على ضرورة إبقاء «حوار بنّاء» مع تل أبيب، في عبارة وصفها رئيس تحرير صحيفة «بالستاين كرونيكل» بـ»مرادف دبلوماسي للتواطؤ»، كانتا أول دولتين أوروبيتين تعبّران عن الاستياء لما حصل للناشطين.
من المفارقات الأخرى أن رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو، ومهندس هذه المجموعة المسعورة من الوزراء، انتقد طريقة تعامل بن غفير مع النشطاء باعتباره «لا ينسجم مع قيم إسرائيل»، فيما قال وزير خارجيته، جدعون ساعر، أن بن غفير «تسبب عمدا في الإضرار بإسرائيل وأنه «أفسد جهودا كبيرة ومهنية وناجحة» وأنه «ليس وجه إسرائيل»!
يعتبر نتنياهو أن لإسرائيل قيما ومعايير، أما ساعر فيندد عمليا بكشف بن غفير لتلك «القيم والمعايير». الخلاف هنا ليس على الممارسات ولكن على الإعلان عنها بهذه الطريقة الصريحة. بن غفير، في الحقيقة، هو «وجه إسرائيل» وقيمها ومعاييرها والخلاف على كيفية توضيب البضاعة وليس على السلعة نفسها.