كان – «القدس العربي»: في أفلام جيمس غراي، لا تأتي المأساة عادةً من الخارج. ليست العصابات وحدها هي ما يدمّر الرجال، ولا الفقر، ولا المدينة القاسية، بل ذلك الشيء الأكثر التباساً وإيلاماً: العائلة نفسها. العائلة بوصفها ملاذاً وعبئاً في آن، مصدر الحبّ ومصدر الألم. العائلة هنا هي الملاذ والوعد بالخلاص والسبب المباشر للدمار والنهاية. ولهذا يبدو فيلمه الجديد «نمر من ورق»، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان في دورته التاسعة والسبعين (12 إلى 23 مايو/أيار الجاري) امتداداً طبيعياً لعالمه السينمائي، لكنه أيضاً من أشد أفلامه مرارة وحزناً.
يأخذنا الفيلم إلى نيويورك الثمانينيات، إلى بيت أسرة طامحة، تسعى إلى تقديم أفضل تعليم لأبنائها، وأب يكافح ليحقق لأسرته كل الكماليات والأحلام التي تليق بأسرة من الطبقة المتوسطة. منذ اللقطة الأولى، يضع غراي شخصياته تحت ثقل قدرٍ ينذر بمأساة تعصف بهم. وعلى الرغم من أن الأسرة التي تبدو سعيدة والبيت يبدو هادئاً، إلا أن كل شيء يبدو محكوماً مسبقاً بالفشل، حتى لحظات الفرح العائلية تحمل داخلها نذير الخراب.
في قلب الفيلم يقف إروين بيرل، الذي يؤدي دوره مايلز تيلر أداء هادئاً ومؤلما. إروين مهندس يعيش مع زوجته هستر وولديه المراهقين. يبدو لنا رب أسرة مكافحا ومجتهدا ويسعى لتحقيق الأفضل لأسرته، لكنه أيضاً هش ويشعر بأن عمله الدؤوب لا يكفي ليمنح أسرته ما يصبو إليه. لا يطمح إروين في الثراء الفاحش، كل ما يريده أن يضمن مستقبلاً أفضل لابنيه، أن يراهما يعبران الطبقة التي عجز هو عن مغادرتها. وهذا بالتحديد ما يجعل سقوطه مأساوياً إلى هذا الحد، فهو لا يغامر بدافع الجشع، بل بدافع الخوف. الخوف من الفشل كأب، كزوج، كرجل لم يحقق ما يكفي. ثم يدخل الأخ الأكبر غاري، الذي يمنحه آدم درايفر حضوراً طاغياً. غاري يبدو لنا محط الأنظار أينما حلّ، يشع حضوره بثقة واسعة. غاري شرطي سابق، مطلّق، أنيق، يتحدث بثقة توحي بأنه رجل له صلات واسعة ونفوذ كبير. يدخل منزل أخيه حاملاً الطعام الفاخر والهدايا والوعود، كأنه نسخة أكثر لمعاناً من الحياة التي كان يمكن لإروين أن يعيشها. والأهم أن غاري يعرف تماماً كيف يمارس سلطته العاطفية: فهو لا يطلب من أخيه المشاركة في مشروع إجرامي بشكل مباشر، بل يجعله يشعر بأن رفض العرض خيانة عائلية تقريباً.
هنا تحديداً يصبح الفيلم أكثر تعقيداً من مجرد حكاية عن رجل تورط مع المافيا الروسية. التورط مع المافيا في الحقيقة ليس سوى نتيجة لما يحدث داخل الأسرة نفسها. فغاري لا يخدع إروين فقط، بل يحبّه أيضاً ويود له الثراء. وهذه ربما أكثر الأفكار قسوة في الفيلم، وهي أن الحب نفسه قد يكون أداة ضغط، وأن أكثر الناس قرباً منك قد يدفعونك إلى الهلاك وهم مقتنعون بأنهم يساعدونك.
العنوان «نمر من ورق» يتحول تدريجياً إلى صورة رئيسية للفيلم كله. غاري يصف رجال العصابة الروس بأنهم «نمر من ورق»، أي أكثر ضعفاً مما يبدون عليه، لكن الفيلم يقلب المعنى لاحقاً بطريقة مؤلمة. فالنمور الورقية الحقيقية هنا هم الرجال أنفسهم: ذكور الطبقة الوسطى الذين يحاولون التظاهر بالقوة، بينما هم في الداخل هشّون، خائفون، ومهددون بالانهيار عند أول اختبار حقيقي. إروين يبدو رجلاً محترماً ومستقراً، لكنه ينهار بالكامل بمجرد أن يُفتح أمامه باب الثروة السهلة. وغاري نفسه، رغم استعراضه الدائم للقوة، يبدو كطفل مسكين يريد أن يُعجب به الجميع.
أما سكارليت جوهانسون، فتقدم واحداً من أكثر أدوارها نضجاً وهدوءاً. دور امرأة تواجه مأساتها الشخصية في صمت وعزيمة. هي ليست مجرد الزوجة القلقة على مستقبل الأبناء، بل تمثل نوعاً آخر من المأساة الصامتة. امرأة تدرك تدريجياً أن البيت الذي كرّست حياتها لحمايته بدأ يتداعى. غراي يمنحها لحظات صامتة طويلة، نظرات أكثر من الكلمات، وكأنها الوحيدة التي ترى الكارثة قبل وقوعها بينما يصرّ الرجال على التقدم نحوها بعناد أعمى. ما يفعله غراي ببراعة هنا هو تحويل التفاصيل اليومية الصغيرة إلى مادة للتراجيديا. حفلة عيد ميلاد، حديث عن رسوم الجامعة، عشاء عائلي، زيارة ليلية من أب وابنيه إلى موقع ما يطمح الأب أن يكون مشروعاً يجلب الخير والثراء. كل هذه اللحظات تتراكم ببطء حتى يصبح الهواء نفسه خانقاً. نشاهد في الفيلم مشهد اقتحام رجال المافيا الروس لمنزل إروين في منتصف الفيلم، وهو مشهد يملؤنا ذعراً وفزعاً، ليس بسبب العنف المباشر، بل لأن الرعب فيه نفسي بالكامل. الغرباء لا يقتلون أحداً، بل يكتفون بإعادة ترتيب الأثاث وتصوير أفراد العائلة أثناء نومهم. وكأنهم يقولون إنهم اخترقوا قلب هذا المنزل الهادئ وحياة تلك الأسرة المسالمة، التي لم تظن يوماً أن تتقاطع حياتها مع المافيا الروسية.
لا يسعى «نمر من ورق» إلى إثارة تشويقية بقدر ما يسعى إلى تشريح نفسي وأخلاقي، فهو أقرب إلى تراجيديا عائلية في شكل فيلم جريمة. حتى المافيا الروسية تبدو أحياناً أقل أهمية من التوتر القائم بين الأخوين، أو من شعور إروين الدائم بأنه أقل شأناً من غاري. الخطر الحقيقي ليس العصابة، بل تلك الرغبة الذكورية المستميتة في إثبات القيمة عبر المال والنفوذ. غراي لا يصنع حبكة بقدر ما يصنع مناخاً كاملاً من القلق والاختناق والانكسار التدريجي. والحقيقة أن قوة الفيلم الأساسية لا تكمن في قصته بقدر ما تكمن في إحساسه العميق بالفقد. الفقد هنا ليس الافتقار المادي، بل فقدان ما كان متوفراً بالفعل: الطمأنينة، وذلك الشعور المحبب بأن البيت مكان آمن، وأن العائلة تحميك من العالم الخارجي. في «نمر من ورق»، يقتحم العالم الخارجي بقسوته وعنفه البيت، فيحيل دفئه صقيع خوف.
في النهاية، يبدو الفيلم وكأنه مرثية لرجال تربوا على فكرة أن قيمتهم مرتبطة بقدرتهم على الإعالة والحماية. رجال يكتشفون بعد فوات الأوان أن سعيهم المحموم إلى تأمين حياة أفضل لعائلاتهم هو بالضبط ما دمّر تلك العائلات.