الدوحة – حامد محمد: أكد الدكتور علي محيي الدين القره داغي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أن الحرب الصهيونية الأمريكية الإيرانية المدمرة أضرت بالعالم بصورة عامة والخليج بصورة خاصة، لذلك أدَناها إدانة شديدة، معتبراً في الوقت نفسه أن الهجمات الإيرانية التي استهدفت دول مجلس التعاون الخليجي والأردن وإقليم كردستان العراق عمّقت من حالة القلق وعدم الثقة في العلاقات الخليجية العربية الإيرانية، وخلّفت آثارًا نفسية وسياسية سلبية لدى الشعوب الخليجية والعربية والإسلامية، خصوصًا أن دول الخليج لم تكن طرفًا مباشرًا في الحرب، بل أعلنت منذ بدايتها رفضها للتصعيد العسكري ورفض استخدام أراضيها أو أجوائها في أي عمليات ضد إيران.
وقال القره داغي، في حوار خاص لـ”القدس العربي”، إن الاعتداءات التي طالت مناطق مدنية في دول الخليج تمثل استمرارًا لسياسات إيرانية خاطئة تجاه محيطها العربي والخليجي، مشيرًا إلى أن المنطقة كانت تأمل أن تستثمر طهران التطورات الأخيرة لإعادة بناء الثقة وتعزيز الاستقرار الإقليمي، بدلًا من المضي في سياسات تزيد من حدة التوتر والانقسام.
تناول رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أسباب تعثر الوصول إلى موقف عربي وإسلامي موحد تجاه قضايا الأمة
وتناول رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، خلال الحوار، أسباب تعثر الوصول إلى موقف عربي وإسلامي موحد تجاه قضايا الأمة، معتبرًا أن الانقسامات السياسية والطائفية والتجاذبات الإقليمية أضعفت العالم الإسلامي رغم ما يمتلكه من إمكانات بشرية واقتصادية هائلة.
كما تطرق إلى تداعيات التدخلات الإقليمية على وحدة المجتمعات العربية، وفرص المصالحة الوطنية، إضافة إلى التحولات التي جعلت القضية الفلسطينية تتجاوز إطارها القومي إلى بعد إسلامي وإنساني أوسع، مؤكدًا أن جوهر الصراع يظل مرتبطًا بالأرض والحقوق والعدالة، وليس صراعًا دينيًا مع أتباع الديانات الأخرى بمعنى أننا نحارب اليهود لدينهم، بل لعدوانهم واحتلالهم.
هنا نص الحوار:
هل أسهمت الضربات الإيرانية ضد دول مجلس التعاون الخليجي في تعميق الخلافات التاريخية؟
بالتأكيد، وقد أكدنا بوضوح إدانة العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، وفي الوقت ذاته أدنّا الهجمات الإيرانية التي استهدفت دول مجلس التعاون الخليجي، والأردن وغيرها، خصوصًا أنها طالت مناطق مدنية، رغم أن دول الخليج لم تكن طرفًا في الحرب.
طهران أظهرت بهجماتها الشديدة انتهاج سياسات تزيد من التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة
ما حدث يُعد خطأً كبيرًا واستمرارًا لنهج وسياسات إيرانية خاطئة تجاه الجوار الخليجي والعربي. كنا نأمل أن تستوعب إيران دروس المرحلة الماضية، وبخاصة بعد تدخلاتها في شؤون عدد من الدول العربية وما ترتب عليها من أعمال قتل ودمار، كما حدث في سوريا الشقيقة وغيرها، وأن تستثمر هذه الحرب لإعادة بناء الثقة مع محيطها الخليجي والعربي، لكن للأسف جاءت التطورات بعكس ذلك، واستمرت السياسات ذاتها تجاه المنطقة.
الظاهر أن معظم دول مجلس التعاون الخليجي حريصة على تحقيق التعاون وبناء علاقات مستقرة مع إيران، إلا أن طهران أظهرت بهجماتها الشديدة انتهاج سياسات تزيد من التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة، بحجة القواعد الأمريكية، لكن هناك قواعد أمريكية وحتى صهيونية في دول مجاورة لإيران لم تضربها، كما أنها ضربت مؤسسات الطاقة والمطارات وهي ليست قواعد عسكرية.
لماذا تبدو الطريق نحو موقف عربي وإسلامي موحد تجاه قضايا الأمة المركزية مليئة بالتحديات؟
للأسف، تعيش الأمة الإسلامية اليوم حالة كبيرة من التفرّق والانقسام، وهذه التباينات لا تقتصر فقط على الخلاف السني–الشيعي، بل تمتد أيضًا إلى داخل البيت السني نفسه، خصوصًا على مستوى السياسات والخلافات بين الأنظمة والحكومات. ومع ذلك، فإن الشعوب الإسلامية في معظمها تتطلع إلى الوحدة وتراها خيارًا يصب في مصلحتها المشتركة.
والمشكلة في الاستبداد والدكتاتورية لدى معظم الأنظمة العربية التي تمنع الشعوب من وحدتها. وعندما اندلعت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، استقبلت جماهير الأمة في العالم الإسلامي ذلك بالترحاب، وبقدر من التفاؤل، باعتبار أن قيام نظام يرفع شعار الإسلام قد يسهم في تعزيز وحدة الأمة بمختلف مكوناتها، بما فيها المكون الشيعي. لكن ما حدث لاحقًا، حسب رؤية الكثيرين، أن إيران اتجهت نحو تصدير الثورة والفكر الشيعي إلى عدد من الدول العربية، مثل سوريا والعراق واليمن ولبنان، وإفريقيا، وهو ما أسهم في تعميق الانقسامات داخل الأمة الإسلامية بدلًا من تعزيز وحدتها.
هذا الواقع أوجد اتجاهين داخل العالم الإسلامي؛ الأول ينظر إلى ضرورة الحفاظ على وحدة الأمة وتغليب المصالح العامة مهما كانت الخلافات، والثاني يرى أن السياسات الإيرانية، خصوصًا ما جرى في سوريا من قتل ودمار، عمّقت حالة الانقسام وأضعفت فرص التوافق الإسلامي.
من الخطير أن تدفع العاطفة البعض إلى تأييد الصهاينة ضد إيران، وهذا هو الخطيئة الكبرى. كما أنه ليس من الصواب دعم إيران في هجماتها على المسلمين في الخليج وغيره
وعلى المستوى الشخصي، تحدثت مع عدد من القادة والمسؤولين الإيرانيين منذ سنوات، وأكدت لهم أن هذا النهج ليس في مصلحة الأمة ولا حتى في مصلحة إيران نفسها، وقلت بوضوح إن المطلوب كان ممارسة الضغط على النظام السوري لإيجاد حلول، لا الإسهام في تعقيد الأزمة والقتل والتدمير. كما ناقشت هذا الملف مع الشيخ يوسف القرضاوي “رحمه الله”، وشددنا معًا على ضرورة أن تقدم إيران مصالح الأمة الإسلامية العامة على أي اعتبارات فئوية أو طائفية، لكن ذلك لم يتحقق. كما أكدنا مرارًا أن المطلوب من إيران أن تكون عنصر دعم واستقرار لدول الخليج، لا مصدر قلق أو تخوف. فبعض الدول باتت تنظر إلى السياسات الإيرانية بعين الريبة نتيجة تراكمات تاريخية وسياسية لا يمكن تجاهلها.
وفي المقابل، من الخطير أيضًا أن تدفع العاطفة البعض إلى تأييد الصهاينة ضد إيران، وهذا هو الخطيئة الكبرى. كما أنه ليس من الصواب دعم إيران في هجماتها على المسلمين في الخليج وغيره. المطلوب هو موقف متوازن يفرق بين القضايا، ويمنح كل طرف ما يستحقه من نقد أو تأييد وفقًا للحقائق، بعيدًا عن خلط الأوراق أو الانحياز العاطفي.
فالإسلام علمنا أن ميزان الحق موضوعي وليس شخصيًا أو عاطفيًا، فالحق أحق أن يتبع، قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8].
في ظل الانقسامات والصراعات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية، هل ما زالت فرص المصالحة الوطنية وإعادة بناء وحدة المجتمعات العربية قائمة، كما يُطرح اليوم في الحالة السورية؟
نعم، من خلال تجربتي الممتدة لأكثر من خمسين عامًا في الدراسة ومتابعة الشأن السياسي، أرى أن معظم الأنظمة السياسية هي المسؤولة عن حالة الانقسام والتشظي، وعدم الاستقرار داخل المجتمع. فمعظم الدول والأنظمة تتحمل مسؤولية كبيرة فيما يحدث داخل مجتمعاتها.
عمل النظام البعثي المجرم في عهد بشار الأسد ووالده حافظ الأسد على تكريس الانقسامات بين مكونات الشعب
في الحالة السورية، على سبيل المثال، عمل النظام البعثي المجرم في عهد بشار الأسد ووالده حافظ الأسد على تكريس الانقسامات بين مكونات الشعب، سواء أكانت عرقية، أم طائفية، أم مذهبية، أم أيديولوجية، من باب: فرق تسد. لكن عندما تتبنى الدولة مشروعًا وطنيًا جامعًا، وتسعى إلى احتضان جميع مكونات الشعب دون تمييز، فإن فرص المصالحة والاستقرار تصبح أكبر بكثير. وكما يقال: “إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”.
ونجاح أي تجربة وحدوية أو مصالحة وطنية، كما هو مأمول في سوريا، سيكون دليلًا على نجاح القيادة السياسية، بينما الفشل سيعكس قصورًا في إدارة الدولة وشؤون المجتمع. ومن هنا تأتي أهمية أن تتحمل الأنظمة مسؤولية مصائر شعوبها وأوطانها.
لماذا تحوّل الدفاع عن قضايا مثل فلسطين من إطارها القومي العربي إلى بعد ديني وإسلامي أوسع؟
في نظري القضية لها كل هذه الأبعاد، فهي قضية الفلسطينيين جميعًا، وقضية العرب جميعًا، وقضية المسلمين جميعًا، بل قضية جميع المنصفين. فالمفروض أن يعمل الجميع لأجلها.
ولكن البعد الإسلامي هو المحرك الأول والمؤثر وذلك لأن التأريخ يوضح لنا كثيرًا من أبعاد هذا التحول. فعندما احتل الصليبيون القدس وبلاد الشام في زمن صلاح الدين الأيوبي، كانوا يخوضون الحرب في الظاهر بدافع ديني واضح، ورفعوا شعار الصليب وأعلنوا الحرب باسم المسيحية. لكن صلاح الدين تعامل بحكمة كبيرة؛ فلم يُقدّم الصراع باعتباره حربًا دينية ضد المسيحيين، بل اعتبره معركة لتحرير الأرض واستعادة للحقوق، ولذلك لم يكن يستخدم مصطلح “الحروب الصليبية”، بل كان يسميها “حروب الفرنجة”، حتى لا يحول الصراع إلى مواجهة دينية مع عموم المسيحيين. ومن هذا المنطلق، فإن قضايا الأمة اليوم، وفي مقدمتها فلسطين، تحمل بُعدًا إسلاميًا وإنسانيًا، لكنها ليست حربًا ضد اليهودية أو المسيحية كأديان.
الصراع مرتبط بالأرض المحتلة والظلم والإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، وليس صراعًا دينيًا بمعنى ضد أتباع دين معين
وأتذكر هنا حديثًا مهمًا للشيخ أحمد ياسين عندما زار قطر، إذ صرح بوضوح: “صراعنا مع اليهود هو صراع أرض، فحتى لو كان أخي هو من احتل بيتي فسأقاتله”. وهذه العبارة تختصر جوهر القضية؛ فالصراع مرتبط بالأرض المحتلة والظلم والإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، وليس صراعًا دينيًا بمعنى ضد أتباع دين معين، ولكن الإسلام هو المحرك؛ فالإسلام، في هذا السياق، يشكل عنصرًا محفزًا ودافعًا معنويًا وأخلاقيًا للدفاع عن الحقوق والكرامة، ومن هنا، فإن ما يجري في غزة يُنظر إليه لدى كثيرين باعتباره نموذجًا للصمود والدفاع عن الأرض والهوية، في إطار قضية تحرر وطني وإنساني، يحضر فيها البعد الإسلامي باعتباره قوة محركة أساسية قادرة على الصمود والتضحية والفداء، وقد أثبتت تجربة غزة في الصمود والثبات والتضحية والفداء أن الإيمان الحقيقي هو الذي صنع ذلك، ما كان يمكن ذلك لو لم يكن الإيمان الحقيقي وراء ذلك.
ما الذي قادت إليه حالة التفرقة والانقسام داخل العالم الإسلامي؟
لا شك أن التفرقة كانت من أبرز أسباب الضعف الذي تعيشه الأمة الإسلامية اليوم. فالقرآن الكريم ربط بوضوح بين التنازع والفشل في أكثر من موضع، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]، وقوله سبحانه: ﴿… حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ…﴾ [آل عمران: 152]. وهذه سنّة واضحة؛ فكلما تفاقمت الخلافات والانقسامات، انعكس ذلك مباشرة على قوة الأمة وقدرتها على التأثير.
الأمة الإسلامية تضم ما يقارب ملياري مسلم حول العالم، وتمتلك قدرات اقتصادية هائلة، فضلًا عن موقعها الجغرافي الاستراتيجي
ومن المؤسف أن هذا الضعف لا يرتبط بقلة الإمكانات، فالأمة الإسلامية تضم ما يقارب ملياري مسلم حول العالم، وتمتلك قدرات اقتصادية هائلة، فضلًا عن موقعها الجغرافي الاستراتيجي وسيطرتها على عدد من أهم الممرات والمضايق البحرية الحيوية في العالم. كما تمتلك طاقات بشرية وعلمية كبيرة يمكن أن تصنع فارقًا حقيقيًا إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية المشتركة. ولو نجحت الدول الإسلامية، مثل السعودية تركيا وقطر وباكستان وماليزيا ونحوها، في العمل ضمن مشروع تعاون إسلامي حقيقي، لكان بالإمكان بناء قوة عسكرية سياسية واقتصادية مؤثرة على الساحة الدولية.
ونتمنى ذلك وهنا أقول لا يمكن أن تتحقق هذه الوحدة الا في ظل الدول المؤمنة بمشروع الوحدة الإسلامية، والقضية الفلسطينية، ولذلك يجب إبعاد الدول المتعاونة والمؤمنة بالدور الصهيوني، بل هي المثبطة والمفشلة. قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: 47]. ولا تأخذنا العاطفة بإجماع الأمة العربية والإسلامية، فهذا شبه مستحيل في الوقت الحالي.