الناصرة- “القدس العربي”:
تنظر المحكمة الإسرائيلية العليا، اليوم الثلاثاء، ببث حيّ، بالتماسات ضد تعيين رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو سكرتيره العسكري الجنرال رومان غوفمان، المهاجر من روسيا البيضاء سابقا، رئيسا للموساد، وذلك بدعوى فقدان الكفاءة والأخلاق.
وقدمت عدة جهات هذه الالتماسات، من بينها ناشط إعلامي صاحب قناة واسعة في تطبيق “تيليغرام”، أوري إلمكايس، الذي يتهم غوفمان باستغلاله عندما كان فتى دون السابعة عشرة، حيث جنده ليكون جزءا من عملية اصطياد عملاء في الشبكة العنكبوتية، ومن حملة تأثير سرية، حتى اعتقله “الشاباك” بشبهة العمالة مع وكيل أجنبي، وبدلا من حمايته والدفاع عنه تبرأ منه غوفمان، فبقي خلف القضبان، وتعرّض للإهانة والتنكيل في غرف التحقيق. وقد اعتبرت أوساط إسرائيلية غير رسمية سلوك غوفمان غير أخلاقي، لا سيما أنه استخدم فتى في عملية استخباراتية بشكل غير قانوني.
في التماسها، تدعي “الحركة من أجل طهارة المعايير” و”الحركة من أجل جودة الحكم” أن هناك إخفاقات خطيرة في عمل اللجنة الاستشارية الخاصة بتعيين موظفين كبار (لجنة غرونيس)، والتي أيدت تعيين غوفمان بأغلبية كبيرة.
تدعي جهات أن هناك إخفاقات خطيرة في عمل اللجنة الاستشارية الخاصة بتعيين موظفين كبار (لجنة غرونيس)، والتي أيدت تعيين غوفمان بأغلبية كبيرة
وحسب هذا الالتماس، فإن معظم أعضاء اللجنة المذكورة المؤيدين للتعيين، بخلاف موقف رئيسها المعارض الوحيد، لم يكونوا مطلعين على قضية الفتى إلمكايس يوم دعموا ترشيح غوفمان لرئاسة الموساد، وإنهم علموا بها بعد الكشف عنها في الصحافة.
كما يدعي الالتماس أن لجنة التعيينات هذه لم تستدع إلمكايس نفسه لتقديم شهادته حول ما حصل معه، مكتفية بمواد نشرت في تقارير إعلامية.
من جهتها، قالت المستشارة القضائية للحكومة غالي بهراب ميارا، في ردها المقدّم للمحكمة العليا، إن تعيين نتنياهو لغوفمان رئيسا للموساد تعتريه إخفاقات جوهرية.
فضيحة إلمكايس
كما تشير المستشارة القضائية ميارا إلى قضية تشغيل إلمكايس من قبل غوفمان عندما كان قائدا لوحدة 201 العسكرية دون صلاحية قانونية. وتقول ميارا في ردها أيضا إن مسألة إلمكايس تلقي بظلالها على طهارة المعايير لدى غوفمان، وإن قرار رئيس الحكومة ينبغي أن يلغى.
وتستند ميارا في موقفها بالأساس إلى خلاصات رأي الرئيس السابق للمحكمة العليا، غرونيس، رئيس لجنة تعيين الموظفين الكبار، اليوم، والذي حذّر فيه من تعيين غوفمان، منوها لنقطة “طهارة المعايير” التي ينبغي أن تتوفر بالضرورة لدى المرشح لوظيفة مرموقة كرئاسة الموساد.
وقدّم رئيس الموساد الحالي دادي بارنياع رؤيته للمستشارة القضائية للحكومة وللمحكمة العليا، حذّر فيها من أن تعيين غوفمان يشكّل تهديدا على الموساد والعاملين فيه وعلى الدولة.
قدّم رئيس الموساد الحالي دادي بارنياع رؤيته للمستشارة القضائية للحكومة وللمحكمة العليا، حذّر فيها من أن تعيين غوفمان يشكّل تهديدا على الموساد والعاملين فيه وعلى الدولة
ويستنتج من مذكرة بارنياع المعارضة للتعيين أنه يرى بأن غوفمان يعمل دون خطوط حمراء، وأن تعيينه من شأنه أن يتسبب بضرر للموساد الذي يعمل دون قانون ودون رقابة خارجية كافية، معتبرا أن مسألة تفعيل الصبي إلمكايس تنطوي على خلل أخلاقي صعب لا يتيح تعيينه رئيسا للموساد.
من جهته، رد نتنياهو في شريط فيديو زعم فيه أنه الوحيد المخوّل بتعيين رئيس للموساد، خاصة في خضم حرب تمتد على سبع جبهات ضد محور المقاومة، مع فرصة تاريخية لتفكيكه، وبالتالي تغيير وجه الشرق الأوسط.
تعيين أبواق بدلا من أكفاء
وتأتي هذه السجالات حول تعيين غوفمان لرئاسة الموساد بعدما نشبت سجالات مشابهة عقب الكشف عن تعيين زيني، أحد مقربي نتنياهو، رئيسا للمخابرات العامة (“الشاباك”) قبل شهور، بعد أن قابله لخمس دقائق وهما يستقلان سيارة، بدلا من مقابلة مهنية وفق المعايير المعتمدة، مما دفع إلى اتهامات واسعة ضد نتنياهو بأنه يعيّن موالين له شخصيا موظفين كبارا في رئاسة المؤسسة الأمنية.
عين نتنياهو غوفمان بعد أن قابله لخمس دقائق وهما يستقلان سيارة، بدلا من مقابلة مهنية وفق المعايير المعتمدة، مما دفع إلى اتهامات واسعة ضد نتنياهو بأنه يعيّن موالين له شخصيا
وهكذا في الحكومة، حيث بادر نتنياهو في مطلع 2023 لتعيين نواب بدون كفاءات، أو مع وصمات أخلاقية، في مناصب وزارية، كوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، المدان في محاكم إسرائيلية خمسين مرة، منها التورط بالإرهاب.
وجاء تعيين بن غفير وزيرا للأمن القومي رغم أنه، بنظر أوساط إسرائيلية واسعة، وزير عنصري واستفزازي بدون كفاءات، ومدمن على النشر في وسائل الإعلام، لدرجة وصفه بـ”وزير التيك توك”.
ويشار إلى أن بن غفير كان ينتمي لحزب “كاخ” العنصري برئاسة الحاخام الراحل مئير كهانا، الذي انتخب عضوا للكنيست للمرة الأولى عام 1984، ولاحقا شطبت حركته ومنع من المشاركة في الانتخابات بسبب مواقفه العنصرية والدموية المعلنة.
في تلك الانتخابات، فاز الليكود برئاسة شامير بـ60 مقعدا من أصل 120، فيما فاز “العمل” برئاسة بيريز بـ59 مقعدا، وفاز كهانا بمقعد واحد، بيد أن شامير استدعى بيريز وشكّلا معا حكومة وحدة وطنية كي لا يتكئ على كهانا في حكومته.
أما اليوم، فباتت العنصرية علنية وسافرة، وجزءا من التيار الإسرائيلي المركزي، وصار المدان بالإرهاب وزيرا مسؤولا عن الأمن، وكل هذه التطورات تعكس تغيرات جوهرية في إسرائيل، من أبرزها تعيين كبار الموظفين على مبدأ “الولاء للملك بدلا من الولاء للمملكة”، وذلك كجزء من معركة نتنياهو على الرواية، وعلى وعي الإسرائيليين بكل ما يتعلق بفضائح الفساد، ونجاح قطر باختراق ديوانه، ومسؤوليته عن “السابع من أكتوبر”، وغيرها.