صنعاء ـ «القدس العربي»: أكّدت مصادر في ميناء عدن جنوبي اليمن، أمس الأحد، أن وزارة النقل والهيئة العامة للشؤون البحرية تنتظران تقرير لجنة التحقيق والنزول الميداني بشأن ضلوع سفينة «تن نبتون» التي ترفع علم بنما، بتفريغ زيتي متعمد في منطقة انتظار السفن المعروفة بـ «المخطاف» خارج ميناء عدن الرئيسي.
وحسب المصادر عينها، فقد باشرت الفِرق الفنية التابعة للهيئة العامة للشؤون البحرية النزول الميداني الفعلي إلى موقع السفينة المشتبه بها والراسية في منطقة «المخطاف» وبدأت رسمياً إجراءات أخذ العينات والتحقيق بغية إعداد محضر الضبط والتقرير النهائي.
تلوث بحري
على صعيد التسرب النفطي، فقد ثُبتت واقعة وجود تلوث بحري وتسرب زيتي في مياه عدن، وهو ما تأكد فعلياً بشكل قطعي بموجب الرصد العملياتي والبيانات الرسمية لوزارة النقل.
وحسب بلاغات الرصد، فقد تأكد حدوث التلوث بعد رصد مرئي وعملياتي مباشر من برج مراقبة ميناء عدن وقوات خفر السواحل قطاع خليج عدن، الذين وثقوا وجود كميات كبيرة من الزيوت والمخلفات البترولية الطافية في منطقة انتظار السفن (المخطاف).
على الرغم من أن التلوث رُصد في محيط السفينة «تين نبتون» وصدر أمر وزاري باحتجازها تحفظياً لمنعها من المغادرة، إلا أن إدانتها رسمياً وقانونياً لا تزال قيد التحقيق الفني.
وكشفت تقارير أن السفينة المشتبه بها، التي يبلغ طولها حوالي 148 متراً، لا تملك في الأساس أي تصريح رسمي أو تفويض بالرسو في محطة عدن للحاويات، وهو ما يضعها تحت طائلة المخالفة القانونية المزدوجة (دخول المخطاف من دون تصريح، تلويث المياه الإقليمية) في حال ثبت ضلوعها بالواقعة.
وأُعلن، في وقت متأخر من مساء الجمعة، وفق البلاغات العملياتية الصادرة عن برج مراقبة ميناء عدن وقوات خفر السواحل، عن رصد قيام إحدى السفن بإفراغ كميات كبيرة من الزيوت والمخلفات النفطية العادمة.
وحسب المصادر ذاتها فقد امتدت بقعة الزيت السوداء الطافية على مسافات شاسعة، مما أدى إلى تغيّر لون المياه.
وبناءً على ذلك، أصدر وزير النقل، محسن حيدرة العمري، توجيهاته، السبت، بتشكيل لجنة تحقيق متخصصة، وتكليف الهيئة العامة للشؤون البحرية بالنزول الميداني الفوري لحصر حجم التلوث الإجمالي، وتحديد مصدره، وتحرير محضر ضبط بالواقعة.
كما أصدر وزير النقل أمراً صريحاً لقوات خفر السواحل باحتجاز السفينة المشتبه بها فوراً ومنعها من مغادرة المياه الإقليمية في حال ثبت تورطها تمهيداً لإحالة المتسببين إلى القضاء، لاتخاذ الإجراءات الردعية بحقهم.
وأبدى ناشطون بيئيون ومسؤولون محليون مخاوف شديدة من تداعيات هذا التلوث النفطي المباشر على الأحياء المائية والثروة السمكية في عدن.
الجدير بالذكر أن ميناء عدن يمتلك تاريخاً طويلاً ومقلقاً مع حوادث التلوث البحري والتسرب النفطي، ولا سيما خلال السنوات الأخيرة.
ويعزى بعض هذه الحوادث إلى مشكلة مزمنة تتمثل في وجود عشرات السفن والناقلات المتهالكة والمهجورة الراسية في منطقة «رمي المخطاف» منذ بدء الحرب عام 2015 دون صيانة، والتي باتت تُوصف محلياً بـ «القنابل البيئية الموقوتة».
ومن أبرز حوادث التسرب النفطي المماثلة التي شهدها ميناء عدن وسواحل المدينة غرق السفينة «كورال» في مايو/ أيار 2024، حيث تعرضت السفينة المتهالكة للغرق المفاجئ أثناء رسوها في منطقة المخطاف بالميناء.
وأسفرت الحادثة عن تسرب ما يربو على 90 طناً مترياً من المازوت والزيوت العادمة التي طفت على سطح مياه الخليج. كذلك التسرب من الناقلة «لؤلؤة أثينا» في يوليو/ تموز ـ أغسطس/آب 2022، حيث رصد صيادون محليون وبلاغات بيئية تلوثاً أسودَ واسع النطاق ناتجاً عن تسرب مواد نفطية من الناقلة المتهالكة قبالة سواحل البريقة وميناء عدن.
وحسب مصادر سابقة، ففي حوادث غرق وتسرب سابقة لبعض هذه السفن، مثل الناقلة «ضياء 1» عام 2021 والناقلة «لؤلؤة أثينا» عام 2022، قدر الخبراء كميات الوقود المتسربة إلى المياه الإقليمية والمحميات المجاورة بنحو 40 طناً مترياً من الزيوت والمخلفات البترولية في الحادثة الواحدة.
وتشير التقارير الرسمية لوزارة النقل والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، إلى رصد أكثر من 22 سفينة متهالكة وغارقة في محيط ميناء عدن وميناء الاصطياد منذ عام 2015.
وعلى الرغم من إطلاق مشروع دولي بتمويل ألماني نجح في انتشال نحو 9 سفن منها بحلول عام 2024، إلا أن السفن المتبقية لا تزال تشكل خطراً مستمراً للتسرب النفطي عند تعرضها للتآكل أو الغرق.
وتنص القوانين اليمنية، وتحديداً قانون حماية البيئة البحرية من التلوث رقم 11 لعام 1993 وقانون حماية البيئة رقم 26 لعام 1995، على عقوبات وإجراءات صارمة لحماية المياه الإقليمية والموانئ من أي تصريف متعمد للملوثات أو الزيوت العادمة.
وفي حال ثبوت المخالفة رسمياً على السفينة البنمية «تن نبتون» أو أي سفينة أخرى، تتوزع العقوبات المتوقعة بين شقين (جنائي ومالي).
ويفرض القانون اليمني غرامات مالية تصاعدية على السفن التي تصرف الزيوت أو المزيج الزيتي في البحر الإقليمي أو المنطقة الاقتصادية الخالصة.
الأضرار البيئية
على صعيد التعويض الفوري عن الأضرار يتم إلزام مالكي السفينة أو خطها الملاحي بدفع تعويضات مالية كاملة ومجزية لفائدة الحكومة اليمنية (ممثلة بالهيئة العامة للشؤون البحرية) لتغطية كافة تكاليف عمليات مكافحة التلوث ونشر المصدات المطاطية وإزالة بقع الزيت، والأضرار البيئية التي لحقت بالتنوع الحيوي، والأحياء المائية، ومصائد الأسماك، والخسائر التي قد تلحق بالصيادين المحليين أو المنشآت الشاطئية في عدن.
وفيما يتعلق بالعقوبات الجنائية واحتجاز السفينة فيمنح القانون سلطات الموانئ وخفر السواحل الحق في الاحتجاز الفوري للسفينة ومنعها من الحركة أو مغادرة المياه الإقليمية. ولا يتم الإفراج عنها إلا بعد تقديم مالكيها «ضمانة بنكية أو مالية مطلقة وغير مشروطة» مقبولة لدى القضاء اليمني لتغطية الغرامات والتعويضات المتوقعة.
كما يعاقب القانون اليمني بالحبس لمدد متفاوتة قد تصل إلى سنوات، أو الغرامة، أو بكلتيهما كلا من ربان السفينة، أو المهندس المسؤول عن الشحن، أو أي شخص يثبت تورطه المباشر في إعطاء الأوامر أو تنفيذ عملية التصريف العمدي للمخلفات البترولية في المياه اليمنية.
إلى جانب عقوبة التلوث، تواجه السفينة عقوبات إضافية تتعلق بـ «مخالفة النظم الملاحية للموانئ» وذلك لرسوها أو دخولها منطقة «المخطاف» لبرج مراقبة ميناء عدن دون الحصول على تصاريح مسبقة أو تفويض رسمي من سلطات الميناء.
وفيما يتعلق بالسفن المتهالكة الراسية في الميناء فبموجب المواد (350، 351، 355) من القانون البحري اليمني، تُصنف هذه الناقلات المتروكة منذ سنوات على أنها سفن غير صالحة للإبحار نهائياً وتفقد تصاريح العمل، وتتحول قانوناً إلى «ركام أو حطام بحري « يعيق الملاحة ويشكل خطراً أمنياً وبيئياً.
ويلزم قانون البيئة رقم 26 لعام 1995 وقانون التلوث البحري رقم 16 لعام 2004 الشركات المالكة لهذه السفن بتحمل تكاليف معالجة الأضرار البيئية الناتجة عن أي تسرب زيتي.