كلما تقدمَت معرفتنا بالشعر والشاعرية، ازدادت تساؤلاتُنا حولَ عناصر الجمالية التي تُكسِب نصاً أدبياً جماليته دون غيره، كيف تمنح التقنيات الفنية التي يستخدمها الشاعر خصوصية جمالية لنصه لكي يتميز بين النصوص الأخرى؟ ويصبح على عاتق الناقد اكتشاف هذه الجمالية التي تكتسب طابعاً فردياً خاصاً مع كلِ ديوان أدبي، وهذه طبيعة الفنون، أن فيها قدراً من العمومية، وقدراً أكبر من الخصوصية، «فالعمومية هي التشابه النوعي للجنس الأدبي، الذي يجعل قصيدةً يُنظر إليها على أنها قصيدة وليست شيئاً آخر، عليها أن تحمل الجينات النوعية والصفات العمومية لكل القصائد التي سبقتها، ولكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، إذ عليها بعد ذلك أن تتفرد وتختص بذاتها دون غيرها بمجموعة جديدة من التقنيات الفنية والجمالية والتصويرية والتشبيهية لكي تحفر لنفسها مكانتها الخاصة في التنوع اللانهائي في الشعر الحديث الذي تنوعت أغراضه وتعددت موضوعاته، على نحو يثير الدهشة والتعجب».
من هذا المنطلق ننظر لديوان «لم يعد أمراً ذا أهمية» للشاعرة مريم الزرعوني، بهدف الوقوف على تقنياته الفنية ونواحيه الجمالية، وعبر أربعٍ وسبعينَ قصيدةً متنوعةً في المتن الشعري، نلاحظ غلبة العنونة الفردية على القصائد، إذ تأتي القصائد المعنونة بكلمة واحدة فقط على النحو التالي: «عادات ـ لي ـ نداء ـ أنت ـ حلم ـ جادة ـ إثم ـ وهم ـ وقدة ـ امتلاء ـ ربما ـ أحبولة ـ برد ـ تداع ـ أرواح ـ أم ـ عزف ـ طقوس – ليل ـ الجدة ـ نصيحة ـ لوحة ـ عصفور ـ قمر ـ صديق ـ حريق ـ عودة ـ موسكو ـ تزجية – سواهم ـ عجمة ـ اثنان ـ وحده ـ اعتياد ـ طلب» نحو أربعٍ وثلاثينَ قصيدةً تَأتي عنونتها بمفردةٍ واحدة، ويصعب جمع هذه المفردات في قاموس دلالي واحد، إذ تثير مشاعر داخلية متعددة، ما بين الاغتراب في مفردات مثل «وهم وليل وتداعٍ وحريق وعودة وعجمة»، وما بين الحنين للماضي في مفردات مثل «الجدة والأم واعتياد» وغيرها، ومشاعر متداخلة حول المكان كالعنونة موسكو، والغموض كطقوس. إن جانباً من هذه العنونة المفردة توجهنا نحو رغبة الشاعرة في التكثيف والتركيز، و»هي سمة أيضاً تساهم كثيراً في محاولة ربط القارئ بالنسيج الدالي للنص»، فذهن القارئ غالباً ما يستثيره الفضول في التسمية المفردة، ويحاول أن يستكشف المعنى الجديد الذي سوف يتم منحه لهذه المفردة في القصيدة، فمثلاً قصيدتها «موسكو»، يعلم القارئ مسبقاً هذا المكان بكونه عاصمة روسيا، لكن ما القيمة الشعرية التي تشغلها في ثنايا النص؟ هنا يتولد الفضول والشغف لدى القارئ، فيندفع نحو القصيدة؛ فنجد الشاعرة تقول:
«المدن/فظاظات متفاوتة/على درجها تتقلب/ وتمر على الأمزجة/ عدا اللطف/ معدن مراوغ/ يضيق بملازمة الخدش/ لا جدوى ها هنا من عرك الأرض بالسماء/ والتسكع في الدروب الخطرة/ لا تشفع الأوراد للميم عند المزار/ هنا يلكزني الليل إن غفوت/ يسدي إلى الأحلام المزعجة/الأرق/ والفؤول المشؤومة/ ثم يلوكني قلب المدينة في المطر/ يربت على انفرادي وحيرتي/ هذه المدينة تصفع مريدها/ وما تلبث أن تصالحه».
نلاحظ هنا أن الشاعرة تولِّد شعريتها عبر التداخل والانتقال، معتمدة على قيام المتلقي بتكملة تكوين الصورة في ذهنه، حيث نجد بعض الدلالات المفتوحة، فعندما تقول: «المدن» في سطر شعري واحد، من دون أن تقدم أو تعلق، فإنه ولحين الانتقال للسطر الشعري الذي يليه، يقوم القارئ بتكملة الإجابة من عنده، حسب شعوره وانفعاله، ثم يأتي السطر الثاني ليوجه الدلالة إلى منحى آخر، لكنها أيضاً تضع كلمة أخرى، فتقرنها بالتفاوت، ترى بأي قدر من التفاوت تقصد حديثها عن المدينة هنا؟ ثم تمضي الشاعرة لتؤكد المعنى ذاته، حتى ما إذا استقر في نفس المتلقي شيء من حديثها عن الثقل والكآبة، إذ بها تنقلب على هذا المعنى، فتتحدث عن اللطف، الذي تراه الشاعرة معدناً مراوغاً، هنا نشاهد عناية واهتماماً خاصاً بالصورة الشعرية، «التي هي مناط الشعر المعاصر ومحور اهتمامه كما يُجمِع النقاد المعاصرون»، لكن هنا يتم تأكيد وجود الصورة في حالة بناء دائم، حيث يتم تضفير المعنى وتطعيمه طوال الوقت بمفردات ورؤى جديدة تجعل بناء الصورة في حالة تكون دائم.
تتجه الشاعرة إلى فكرة الصورة الكلية التي تتكون باختتام القصيدة، من دون أن تغفل فكرة تقديم الصور المفارقة في ثنايا التوليد النصي، فتستخدم مفردات مجازية محلقة في الخيال مثل «عرك الأرض بالسماء»، أو «يلكزني الليل إن غفوت»، نشاهد هنا كيفية تحويل المجردات إلى أفعال إنسانية محسوسة، فيتم رسم الصورة عبر تبديل وتغيير جزئياتها، ثم يتم تقديم إضافات جديدة للصورة، لكي تصل في النهاية إلى صورة إجمالية كبيرة من الجزئيات الصغيرة، صورة عن كل بلد يشعر فيه الإنسان بالغربة والوحشة، تلك البلاد التي تجافي مريدها ثم ما تلبث أن تصالحه.
بدأنا التحليل من قصيدة «موسكو» لكونها تبدو فريدة دلالياً عن باقي المفردات المستخدمة كعنونة للقصائد هنا، فأي مفردة أخرى حسبما ذكرنا في العناوين، يمكن للمتلقي أن يتخيل سياقاً لغوياً ومسرحاً شعرياً خاصاً بها، تنفعل به المشاعر والوجدانيات، لكن موسكو بدت كحالة مفردة تعبر عن مزيد من الاغتراب الكامن في ثنايا الديوان. ننتقل الآن لنوع آخر من طرق التعبير، رغم وجود العنونة بكلمة واحدة فقط، ففي قصيدة «أرواح» تتحول الشاعرة من استخدام السطر الشعري، إلى استخدام نثرية كاملة، فقرة وجدانية من التعبير المحلق في فضاء، تقف مع مجموعة طفيفة من الفقرات التي ترد في ثنايا النص، كوحدة منفصلة عن شاعرية الديوان، ترى ما الغرض منها؟ وكيف نفسر توجه الشاعرة إلى ذلك؟
يشير إحسان عباس إلى أن «تفاعل الشاعر مع المجتمع وقضاياه وإحساسه الشخصي الخاص بالمتغيرات من حوله هي ما تحدد توجهه ورؤيته»، ومن ثم فإن تفسيرنا لهذا التداخل بين النثر والشعر والقصيدة بالقالب النثري القريب من قالب التفعيلة، ثم محاولة تقديم قصيدة نثرية بالكامل، هو تفسير يحاول أن يستجلي كلاً من رؤية الشاعرة من ناحية، وقضايا الشعرية الراهنة من ناحية أخرى.
يمكن القول إن العصر الراهن الذي نعيش فيه أصبح يمتاز بحرية تعبيرية أكبر بكثير من أيٍّ من العصور السابقة، لم تعد الآن قضايا الجنس النوعي للتعبير الأدبي تثير الحساسية ذاتها التي كانت منذ نصف قرن مضى، فهناك الآن قبول لدى القراء بشكل عام، ولدى كثير من النقاد بشكل خاص، لأي نوع إبداعي في أي صورة تعبيرية يمكن تقديمها، وفي الديوان تأتي ثلاث قصائد على هيئة فقرة نثرية هي: «أرواح، وآلة الحياة، وفيما لم يتيسر»، ونحاول استكناه سبب اختيار الشاعرة لهذه القصائد الثلاث أن تأتي على هذه الكيفية، في قصيدة أرواح تتناول فكرة الاغتراب الروحي، تقول: «في كل ليلة، ثمة روح تطل من كوة الشوق على العالم»، فتناقش فكرة أولئك الذين بعدت روحهم عن التأقلم مع تلك الحياة المزعجة، ورغم شوقهم وحنينهم لم يعودوا قادرين على التلاحم مع هذه الحياة، ثم في قصيدة «آلة الحياة» نشعر بتأكيد هذه الفكرة أكثر، تقول: «تبدو الحياة كحزمة طرق متوازية حيناً ومتقاطعة أحياناً أخرى»، حيث تأكيد وجع الحياة، ووجع التأقلم، وانسحاقنا ككرات سكاكر تندفع بقوة في اتجاه منحدر لا يمكنها أن تنفلت منه، ثم تأتي قصيدة «فيما لم يتيسر»، تؤكد الفكرة ذاتها من الانسحاق في هذا العالم، رغم أنها توجه حديثها للعالم، لكننا سرعان ما نكتشف أن الحديث ينسحب إلى الناس في هذه الحياة، فتقول: «وليس في الوجود وسادة تتكئ عليها إن آلمتك الطبيعة»، وهو الفلك الدلالي والوجداني نفسه الذي تدور فيه القصيدتان السابقتان.
نبحث جيداً في عناوين القصائد الأربع والسبعين فلا نجد العنونة الرئيسة موجودة في أي منها! فالعنوان «لم يعد أمراً ذا أهمية» هو إذاً حالة عامة للديوان وليس عنونة قصيدة من القصائد التي يمكننا أن نمنحها حالة رئيسية مهيمنة على الديوان مثل أغلبية الدواوين، وعند تحليل هذه العنونة نجدها تغرقنا في مزيد من الاغتراب، تحمل نوعاً من التعمق الوجداني، حيث المرحلة التي يصل إليها الإنسان بشعوره بعدم أهمية أي شيء، ويفتح الباب هنا للتخمين، ما الذي حدث ليجعلنا نصل إلى هذه المرحلة؟ أهي ذكريات حب قديمة لقصص فشلت أو اندثرت؟ أم هو المشهد الإنساني الكُلي الحالي الذي يسحق فيه الإنسان أخاه؟ أم مجموعة من الظروف النفسية والاجتماعية الخاصة؟ أو ربما على النقيض، حالة من الزهد واليقين الما ورائي تجعل أمور الدنيا في مرتبة ثانية، كل هذه الاحتمالات واردة من العنونة، التي تلعب دوراً كبيراً في توجيه تلقي القارئ، ومع ذلك لا يمكن فهم العنونة منفصلة عن المتن الشعري للديوان، فالعناوين بمفردها مجرد دالات، عند ربطها بالمتن الشعري تحتمل معاني أخرى، ومن ثم فإننا نشير إلى أن القصائد ومدلولاتها تشير إلى حالة كبيرة من الشجن، ومن الاغتراب النفسي والروحي.
مثلما تفحصنا فلك المدلولات ذات العنونة المفردة؛ نتفحص المستوى الثاني من القصائد، أقصد العنونة المكونة من مفردتين اثنتين، ونجد تكوينها الدلالي على النحو التالي: «حاسة الوقوف ـ جذاذة حرة ـ نحت الفراغ ـ أصل وظل ـ حلم يقظة- كائنات فوتوغرافية ـ آلة الحياة ـ أمور قديمة ـ وليل آخر ـ أحلام الحجارة ـ طقوس ليلية ـ تقرير إبادة ـ صفقة للبحر ـ صندوق القبلات ـ ككل الليالي ـ إشعار أخيرـ في الوسادة ـ ليس بيدي ـ لأمر ملح ـ مسار الأشياء»، نحو عشرين قصيدة حملت عنونة ثنائية، والعنونة نفسها تراوغ، فتتنوع ما بين العنونة التقليدية كليل آخر، ليس بيدي أو في الوسادة، فذلك مستوى عادي من مستويات التعبير الدلالي، لكن تأتي عنونة أخرى مثل صندوق القبلات، وأصل وظل، تضع العنونة في مستوى أعلى من التحليق الدلالي في تكوين الصورة، ويتزامن هذا المستوى الدلالي في العنونة مع مستوى التعبير المتفرد في القصيدة.
شاعر وناقد مصري