“يوم استقلالكم يوم نكبتنا”… في أراضي 48 “مسيرة العودة” ممنوعة


الناصرة – “القدس العربي”: 78 عاما مرت ولم تمرّ، وما زال الفلسطينيون في الوطن والشتات يستذكرون ملامح الزلزال الذي عصف بهم في النكبة، المصطلح الذي اختاره المؤرخ السوري قسطنطين زريق لتوصيف النائبة الكبرى عام 1948، يوم فقدوا أغلى ما يملكون.
يستذكر الفلسطينيون الذكرى كل على طريقته وطبقا لظروفه، ويلتقي كثيرون منهم حول السردية التاريخية ويتمسكون بها وبمفتاح العودة.
ورغم حرب الإبادة وسياسات الترهيب والطمس وفرض الحقائق، بل بسببها، يدرك الفلسطينيون في البلاد ومواطن اللجوء، أكثر من أي وقت مضى، أن من يملك رواية البلاد يملكها.
ولذلك شهد يوم الذكرى فعاليات كثيرة، منطلقها ومبتغاها واحد، يتمثل في الرغبة والضرورة بنقل السردية التاريخية، وكسر الرهان الصهيوني بأن الكبار يموتون والصغار ينسون.
داخل “بطن الحوت”، في أراضي 48، يدأب فلسطينيو الداخل على إحياء ذكرى النكبة تزامنا مع احتفال إسرائيل بـ”يوم الاستقلال”، وليس في موعد الذكرى الفلسطينية العامة في منتصف أيار / مايو، موعد رحيل الانتداب البريطاني وقيام الدولة اليهودية.

جمال زحالقة لـ “القدس العربي”: نحن الفلسطينيين لن ننسى

ويحيي فلسطينيو الداخل سنويا ذكرى النكبة تحت عنوان “يوم استقلالكم يوم نكبتنا”، في سعي إلى النأي الجماعي بالنفس عن يوم استقلالهم، وتأكيد هويتهم الفلسطينية، وهذا ما فعلوه قبل نحو ثلاثة أسابيع.
ومنذ توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 وتجاهله لهم، ينظم الفلسطينيون في إسرائيل مسيرة شعبية تعرف بـ”مسيرة العودة”، بمشاركة حشود كبيرة ترفع فيها أسماء البلدات الفلسطينية المدمرة على يد الصهيونية وإسرائيل، نحو 520 مدينة وقرية، وتتوج بمهرجان سياسي وفني وفعاليات ثقافية وطنية جامعة.

هذا العام، وبسبب الضغوط الإسرائيلية ورفض الترخيص لـ”مسيرة العودة” بذريعة الحرب، اكتفت لجنة الدفاع عن المهجرين داخل أراضي 48 بـ”مسيرة عودة رقمية” وبزيارات أهلية متفرقة للبلدات المهجرة. ومع ذلك، أحيت أوساط من فلسطينيي الداخل ذكرى النكبة بأشكال مختلفة، برزت بينها زيارات أهلية لقرى مدمرة في الجليل والكرمل والساحل.
في بلدة حطين المهجرة، قضاء طبرية، وكما في مثل هذا اليوم منذ عقود، اجتمع العشرات من “الحطاطنة” الباقين في الوطن كلاجئين فيه، أي مهجرين، في باحة المسجد التاريخي الناجي من الهدم، وبجوار عين البلدة التي ما زالت تتدفق ماء زلالا وذكريات.
وتحلق كثيرون منهم حول الشيخ محمود رباح أبو شوقي، 89 عاما، يصغون لروايته عن مسقط رأسه قبل اقتلاعه وأهله منه، وبدء تغريبته المطولة إلى طرابلس، ثم استقراره في بلدة عرابة البطوف في الجليل، بعدما تسلل وأقاربه عبر الحدود عائدين من لجوء دام نحو عام.
فور وصوله إلى حطين، غسل الشيخ أبو شوقي وجهه بماء نبع العيون، ثم جلس على كرسي بجوار الجدول المتدفق، وهو يستعيد ملامح الحياة في حطين.
تحدث عن وفرة مياهها بالإشارة إلى نبع “العيون”، أغزر عيون حطين، الموجود بمحاذاة مقام النبي شعيب. وأوضح أن المياه كانت تنبع من سفح الجبل، وبجوارها بئر مبنية من الإسمنت، قائلا: “كنا نستحم فيها، وكانت تصب في جرن حجري يسمى ران، وتجري نحو البلدة صيفا وشتاء، وكانت نساء حطين يقصدنها لصفاء مياهها ونظافتها”.
ومن خلف هذا النبع توجد منطقة المنطار، وللشمال منه منطقة الصفاح، وهما منطقتان جبليتان مزروعتان بكروم الزيتون، وفي قمتهما قرنا حطين. كما يوضح أن مياه نبع “العيون” كانت تصل إلى مزارع البلدة وبساتينها ومزروعاتها الشتوية والصيفية، حيث كانوا يزرعون خضروات، مثل البندورة والخيار والملوخية والفجل والخس والبصل والملفوف والزهرة والكوسى والقرع والسبانخ وغيرها، علاوة على كروم المشمش والتفاح والعناب والعنب واللوز والتوت، والتين والرمان والجوز. وكانت هذه كلها تسد احتياجات البلدة، ويصدر ما تبقى منها إلى الأسواق في طبرية.

عدنا من التغريبة

وعن العودة بعد تغريبة موجعة ومضنية، يضيف الشيخ محمود رباح أبو شوقي، بعدما أخذ نفسا عميقا واستجمع قواه، قائلا لـ”القدس العربي”: “عدنا من لبنان بالطريق نفسها إلى فلسطين في أيار / مايو 1949. بتنا في رميش، وانتظرنا إشارة لنقطع الحدود من دليل تقدمنا، وفعلا بقينا نسير ركضا حتى وصلنا إلى نبعة مياه في طرف وادي الذبان، مقابل حرفيش، عند طلوع الشمس. وصلنا إلى بيت جن، حيث استرحنا وتناولنا الغداء لدى أصدقائنا من عائلة أبو حية، وبعد مسير واصل الليل بالنهار بلغنا قرية دير حنا مساء سيرا على الأقدام، وكنت أحمل إبريق مياه جاء معنا من حطين إلى لبنان، ومنها إلى عرابة البطوف، التي اخترنا الاستقرار فيها لقربها من حطين”.
وردا على سؤال، قال: “لن تطفئ نار الحنين داخلي إلى أيام الطفولة والصبا في حطين كل مياه بحيرة طبرية، ولن أرضى بغير حطين وطنا في كل الدنيا”.
وإضافة إلى عشرات الزيارات من هذا القبيل لبلدات صفورية، ومعلول، والمجيدل، والسجرة، وفراضية، والكويكات، وأم الفرج، وغيرها الكثير، أحيت الحركات الطلابية في جامعة تل أبيب، القائمة على أنقاض بلدة الشيخ مونس الفلسطينية المهجرة، الذكرى الـ78 للنكبة، أمس الأول، عند مداخل الجامعة، مؤكدة التمسك بالرواية الفلسطينية وحق تقرير المصير وحق العودة. وفي المقابل، تظاهر عدد من اليمين الإسرائيلي المتطرف، تزامنا مع إحياء مراسم الذكرى من قبل الطلبة العرب الفلسطينيين في الجامعة.

لن ننسى ولن نغفر

وخلال المراسم، تحدثت الطالبتان لارا أبريق نصرة وريم أحمود عن قصص أجدادهما الذين هجروا من قريتي الكويكات ومعلول المهجرتين، وعن مدى ارتباطهما بهاتين القريتين رغم مرور الزمن، وأكثر من 78 عاما على النكبة.
وقالت الطالبة ريم أحمود إن مراسم إحياء ذكرى النكبة تقليد يحرص الطلاب على إحيائه سنويا، رغم كل محاولات الطمس والتخويف التي تمارس بحق الطلاب. وأضافت أن وجود الطلاب وحفاظهم على هذه المراسم أمر مهم وضروري، وأن هناك حاجة إلى مشاركة جميع الطلاب في مثل هذه النشاطات.
كما نظمت جمعية “الثقافة العربية” في مقرها داخل مدينة حيفا ندوة حول “النكبة المستمرة” وسياسات التهجير، ضمن فعاليات أسبوع العودة، بمشاركة الباحثين عادل مناع ومنصور النصاصرة، وبحضور واسع من الطلبة والمهتمين.

تذكر الضحية واجب

من جهته، يؤكد رئيس لجنة المتابعة العليا داخل أراضي 48، الدكتور جمال زحالقة، لـ”القدس العربي”، أن الفلسطينيين لن ينسوا، لأن تذكر الضحية ومعاناة المقهورين واجب أخلاقي، ولن يغفروا، لأن النكبة مستمرة، ولأن الجرائم تتواصل بلا توقف.
ويضيف زحالقة: “في ذكرى النكبة، يجدد شعبنا العهد على مواصلة الكفاح لتصحيح الغبن التاريخي الذي لحق بشعب فلسطين. في هذا اليوم نقول إن آن الأوان لتحقيق العدالة في بلدنا الحبيب. في ذكرى النكبة نؤكد مجددا: لن ننسى ولن نغفر”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *