وجهة نظر«منعطف النهر» للروائي ف . س. نايبول… الأنا والأنا الوطنية


المكان والزمن: وجهة نظر

تنشغل رواية « منعطف النهر» للكاتب ف. س. نايبول – ترجمة محمد أحمد الجوادي- بلحظة مفصلية من ناحية تصوير ارتباك ما يمكن أن نطلق عليه زمن ما بعد رحيل الاستعمار المادي، أو المباشر، ذلك أن هذه الممارسة ما زالت تخلّف وراءها الكثير من الممارسات التي نتجت بفعل الترسبات التي خلقت نوعاً من التشوه في قراءة الذات، وتعريفها في سياق جديد، كما أنها أحدثت نوعاً من ردة الفعل العنيف تجاه الأنا الوطنية الثقافية، وخير من يمثل هذه الرؤية الروائي البريطاني الترينيدادي «نايبول»، الذي نقع معه على شيء من القسوة والنقد العنيف لتكوينات ما بعد الاستقلال، بحيث تكاد تضرب عمق الذات الوطنية، أو ذلك التكوين العميق للثقافات التي عانت من هذه الإشكالية، وفي هذا السياق لا بد من استجلاب النقد الاحترازي من لدن إدوارد سعيد، الذي أشار إلى أن نايبول قد منح المركز الغربي أفضيلة أن يكون شاهداً على فشل العالم ما بعد الكولونيالي، غير أن هذا، من وجهة نظري، لا يقلل من قيمة أعمال نايبول، علاوة على وجاهة بعض مقولاته السردية تبعاً للواقع والمثال المعاين.
يمكن القول إن رواية «منعطف النهر» تعدّ مكانية إلى حد ما، ذلك أن عنوانها ينطوي على الكثير من الدلالات الكنائية، التي تحيل إلى تكوين النهر بوصفه جزءاً من الفاصل التاريخي بين تكوينين: الأول، الماضي الاستعماري الذي لم يتلاشَ، والثاني الحاضر الوطني الذي ما زال في طور التشكل، ومع أن النهر يحيل إلى قيم العطاء والخير، غير أنه يُجسد في الرواية بصورة مغايرة، بالإضافة إلى أن كلمة «منعطف» تعني تلك اللحظة التي ربما تؤول فيها الأحداث إلى شيء غير متعيّن أو متوقع؛ فغالباً ما تعني كلمة «منعطف» ذلك التحول، وما يكمن خلفه من مفاجآت.
وعلى الرغم من أن الرواية لا تذكر المكان بشكل متعين وواضح، إذ تجعله أقرب إلى دلالة تحيل إلى افريقيا برمتها، من منطلق توفر البعد الاستراتيجي السردي الذي ينهض على الرغبة في تحييد دلالة المكان، حيث إن المهم حقيقة نقد الواقع الذي يكاد يتماثل في الكثير من الدول. وبناءً عليه، فليس مهماً الإحالة بمقدار ما هو مهم التمثيل.

هويات معلقة

تتخذ الرواية من شخصية سليم، الذي يحيل إلى مرجعية شخصية مسلمة من أصول هندية مركزاً لها؛ إذ يهاجر إلى تلك المدينة التي تقع عند منعطف النهر في محاولة للبحث عن ذاته وتكوينه، بأثر من سردية حملها رجل اسمه نصر الدين كان يعمل تاجراً في تلك المدينة. وعند وصول سليم، يبتاع المحل الذي كان لدى نصر الدين، ويبدأ في تأسيس تجارة، ومن ثم سرعان ما يبدأ في تكوين علاقات محدودة إلى حد ما مع المحيط الذي يبدو لنا متعدد الهويات والأعراق.، وبذلك تقع الشخصية في فضاءات متداخلة تحمل شيئاً من الإرجاء في تعريفها، وتموضعها الهوياتي. فثمة شخصيات تتقاطع مع سليم، وتحمل في تكوينها الكثير من الإحالات والأبعاد الدلالية. وبذلك هو يماثل المدينة كونه يقع في منطقة بينية رمادية؛ فهو ليس افريقياً خالصاً، إنما مزيج رمادي بيني يعاني من اغتراب وجودي متعدد المستويات، فعلاقته بهذه المدينة تعمق أسئلة سليم تجاه الواقع الذي يعيشه؛ فهو شخص، على ما يبدو، قد انقطع عن جذوره، واتصالاته، غادر وطنه إلى هذا المكان، بيد أنه كان عاجزاً عن إيجاد معنى لوجوده فيه، أو حتى في أي مكان آخر.
من الشخصيات التي تتقاطع في عوالم سليم شخصية «متّي» أو الخادم الذي ينتمي إلى أصول افريقية، حيث ينتقل، أو ترسله عائلة سليم، إلى المدينة كي يقوم بخدمة سيده. ومن ثم نجد الشاب الافريقي «فرديناند»، ابن السيدة «زابث» – إحدى العميلات التي تحضر إلى المتجر- حيث تقوم بتكليف سليم بأن يكون راعياً لابنها الذي ينتقل إلى المدينة للدراسة، بالإضافة إلى شخصيات أخرى، غير أن الأهم صديقه الذي يمثل صورة أخرى لوعي سليم الذي لم يكتمل، ونعني به «إندار»، الذي يصور ذلك التعدد والتنقل بين عوالم متعددة، بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب.
في حين تحضر علاقة سليم مع ريموند وزوجته إيفيت بوصفها ذلك الاتصال بالوعي الأوروبي، الذي يسعى إلى تكوين الخرائط المفاهيمية للتاريخ الافريقي. فريموند أحد الكتاب والمفكرين الذين يتصلون بالرجل الكبير، ونعني به الديكتاتور الذي يحكم تلك الدولة، ومن هنا تحدد مهمة المؤرخ الأوروبي بإعادة صياغة، أو صوغ التاريخ الإفريقي، من منظور الوعي الأوروبي. ومن هنا نرى كيف تتكون العلاقة بين السلطات المحلية وبعض الكتاب الأوروبيين من ناحية خلق معادلة مشوّهة للتاريخ؛ ولاسيما الحاجة إلى الصوت الأوروبي بوصفها محاولة لإضفاء نوع من الحقيقة، كما أرشفة التاريخ من لدن السلطة.
يمكن النظر إلى العلمية السابقة على أنها نوع من أنواع المعرفة الاستعمارية الوظيفية لعقلنة هذا الوعي المشوه، وهي تتشكل ضمن مقولة الخطاب، ولاسيما في مواجهة الآخر، أو ما هو خارج افريقيا. وبمجرد انتهاء هذا الدور الذي يضطلع به المؤرخ الأوروبي، فإنه سرعان ما يتم دفعه إلى الخارج، أو بمعنى آخر يتراجع دوره المعرفي.
إن ما يهمنا تكوّن العلاقات في الرواية من قبل الشخصيات التي تندفع لبناء تصورات تتجه للجميع بين الافريقي والأوروبي، ومن ذلك نراه في العلاقة الجنسية التي جمعت بين سليم وإيفيت – زوجة المؤرخ الأوروبي- كونها تحيل إلى ذلك الاستيهام الجنسي، الذي يحمله كل طرف تجاه الآخر، ولكن من مبدأ ذلك الفراغ الذي يكمن في داخل كل منهما، غير أن هذه العلاقة سرعان ما تتهاوى؛ كونها تفتقر إلى تلك التكوينات الصلدة، ولعل ذلك ما يبرر ذلك الاعتداء الذي يقوم به سليم على إيفيت ضمن دلالة رمزية لانبعاث العنف من الداخل، وتمكنه تجاه هذا الآخر، بالتضافر مع محاولة تشكيل السلطة الجديدة التي تبرز من خلال ذات سليم الهجينة تجاه الأوروبي، وربما تذكرنا بصورة أو بأخرى بشخصية مصطفى سعيد، وعلاقته بالمرأة الأوروبية في رواية الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال».

نقد البنى الوطنية

تسعى الرواية إلى تكريس نقدها لصورة الديكتاتور الذي يطلق عليه بصورة واضحة «الرجل الكبير». وهنا نلاحظ، أن نايبول يقدم نقداً عنيفاً لهذا الوعي السلطوي الذي مكن معظم الدول التي استقلت بعد الاستعمار، إذ يرى أنها تصور نوعاً من الامتداد للذات السلطوية عينها التي أنتجها الاستعمار. كما أنها قد تتخذ الاستراتيجيات عينها لتعميق سلطتها، وقد نرصد نوعاً من التواطؤ بين المخلفات الاستعمارية وهذه النخب، أو السلطات الحاكمة الجديدة، ومن هنا يعمل نايبول على خلق صورة ذلك التكوين الديكتاتوري من خلال رسم شخصية هذا الرجل الكبير، ومن ذلك، على سبيل المثال، انتشار صوره في كل مكان، كما تلك الأقاويل التي يخلقها حول ذاته ووعيه ودوره ومرجعيته وأصله، وما يقوم به من محاولة بناء أماكن تستجيب للمعايير الغربية، والتي تبدو ـ بدورها – منفصلة عن الشروط التاريخية لعملية التحديث والبناء، أو ما يمكن أن نطلق عليه التحديث القسري، كما شهده الكثير من الدول المستقلة، حيث تبدو البنى سطحية أو مفروضة من الخارج، لا تستجيب للأولويات، ما يجعلها أقرب إلى نموذج لبناء التفاوت لا للمعالجة الحقيقية.
ثمة نقد لهذا النهج الذي أسهم في خلق نوع من أنواع النخب التي تتصل بالسلطة، وهكذا نرى أن المكان يتحول إلى نوع من أنواع التناقضات التي لا تنتهي؛ فثمة وجود للسلطة المترفة، وأتباعها، وثمة الفقر والجوع والتخلف في أماكن أخرى، وثمة تلك النزاعات، وبنية العنف التي تتولد، أو التي لا تنتهي، بين السلطة والقوات الأخرى أو الثائرة، أو القبائل ليقود إلى واقع من الفوضى لا ينتهي، وعلى ذلك يمكن محاولة قراءة ذلك الخلل في التكوينات التي شهدتها تلك المنطقة من وجهة نظر نايبول، الذي ينتقد بصورة عميقة البنى العقلية للكثير من الشعوب التي عبرت افريقيا، ومنها الأوروبية، كما الحضور العربي الذي كان له دور في تلك المنطقة قبل أن يرتحل أو يغادر، والأهم نقد الذات الافريقية الوطنية.

الوهم الأوروبي

إن لحظة الصدام مع السلطة تأتي من خلال ذلك الوعي بالتصوير بين الغرب وأوروبا، كما اختبرها سليم الذي ارتحل في رحلة إلى أوروبا للبحث عن واقع آخر بديل لافريقيا، وعلى الرغم من ذلك فإنه لم يستطع أن ينهي ذلك القلق الذي كمن فيه؛ لأن المشكلة ليست جغرافية بمقدار ما هي وجودية، حيث الارتباط بالمكان يتصل بجدلية الاستحالة، إذ لم يشعر أن ذلك المكان، أو أوروبا يعني له الكثير، فهي لا تتمايز عن افريقيا التي سرعان ما يعود إليها، ولكنه يواجه اصطداماً عنيفاً مع السلطة التي بدأت بالتغول على السكان، ولاسيما الأجانب منهم، عبر محاولة استنزاف مواردهم، واستغلالهم عبر طلب الرشاوى، وغير ذلك. ومن هنا بات سليم في تكوين صورة المعادي للسلطة، أو للرجل الكبير- الديكتاتور- وفي هذا السياق تتضح قيمة شخصية فرديناند (الفتى) – الذي رعاه سليم- بوصفه يمثل الإنسان الافريقي الذي كان لديه الكثير من الأحلام، والرغبة في التعلم من أجل بناء وخلق وطن مثالي يجسد أحلام الافريقيين، ورغباتهم. فهذا الفتى الذي انتقل إلى العاصمة ليحصل على شهاداته، وعلى تعليم متقدم، سرعان ما يدرك أن التغيير لن يتحقق، وبذلك فهو يجسد انكسار أجيال، ومقولة ضياع مشروع الوطن، ويتضح ذلك بعد أن يعود الشاب إلى مدينته موظفاً أو مسؤولاً فيجد سليم (راعيه) محارباً من السلطة، وقد يتعرض للقتل أو الإعدام، فيقوم بتهريبه على ظهر سفينة مغادرة، بعد أن يعي كلاهما (سليم وفرديناند) بأن هذا المكان قد آل إلى الدمار أو الخراب.

خلاصات
يمكن أن نخلص إلى أن مجمل الشخصيات في الرواية: سليم، متّي، وإندار، وريموند وزوجته إيفيت، كما ماهيش وشوبا، والتاجر نصر الدين، وفرديناند، وغيرهم، يمثلون تلك الذوات التي تعاني من تآكل الهوية، والانتماء، فهي كيانات لا تستقر في مكان ثابت، وتعاني من ذلك الارتحال المستمر جغرافياً، وذهنياً، ومن هنا تتحول الذاكرة إلى جزء مرهق من تكوينهم ضمن مقولة تقترب من تثبيت معادلة الهوية الهجينة، ولاسيما في فضاء تتداخل فيه الثقافات والأعراق، وبذلك ننتهي إلى مقولة الإرجاء الهوياتي، ولكن المشكلة تكمن في أن ذلك كله يقع في مكان لم يتمكن بعد من التخلص من تشوهاته ما بعد الكولونيالية، ربما لخلل في الذات، أو ربما لشيء آخر.

كاتب أردني فلسطيني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *