مسار السرديات المتحول


يتخذ مصطلح «السرديات» في اللغة العربية معنيين مختلفين. يدل المعنى الأول على الأصل الذي تكونت في نطاقه باعتبارها «علما للسرد». وقد ظل هذا المعنى يقتصر في الكتابات الفرنسية على الاتجاه العلمي الخاص بتحليل الخطاب السردي من خلال تصور بويطيقي، لكن ذيوع هذا العلم وانتشاره بالمقارنة مع السيميائيات السردية، جعل بعض الباحثين الأنكلو أمريكيين يدرجونها ضمن السرديات، غير مميزين بين هذين العلمين اللذين يختلفان نظريا ومنهجيا. لكن تطور السيميائيات، والمسار الذي عرفته السرديات بانتقالها إلى الفضاء الأنكلو أمريكي، مع ما صار يعرف بالسرديات ما بعد الكلاسيكية، التي كان أساسها المشروع السردي كما بلوره جيرار جينيت بصورة خاصة، جعل السرديات تتميز، بشكل عام، عن السيميائيات، وتحتفظ بخصوصيتها في تحديد موضوعها (السردية)، وقد تطور تطورا كبيرا منذ بداية الألفية الجديدة.

أما المعنى الثاني الذي بات يستعمل في اللغة العربية، فخاص بنوع محدد من الخطابات المتصلة أساسا بالإعلام، والتاريخ، ووجهات النظر المتباينة حول حدث أو مجموعة من الأحداث أو الأخبار. فنسمع مثلا من يتحدث عن «السردية الإسرائيلية» بخصوص قضية معينة (طوفان الأقصى مثلا). وتُجمَع هذه السردية على السرديات، لتعني فقط «رواية» أو «تقديما خاصا» لحدث معين، وفق وجهة نظر خاصة. ويمكن للمتلقي مهما كان مستواه الثقافي أن يميز بين المعنيين إذا كانت له معرفة بالمعنى الأصلي الدال على العلم، الذي يبحث في السرد كيفما كان نوعه أو شكله. ويتأتى ذلك للمتلقي نفسه، وهو يسمع كلمة «السردية» متصلة بطريقة خاصة في رواية الحدث السياسي وتأويله.
لا مراء في توظيف مصطلحات تأسست في علوم دالة على ما حققه هذا العلم أو ذاك، فمنذ أن صار مفهوم السرد يتسع لكل ما يمكن أن يروى من أحداث، وما عرفه في مساره من تحولات، دفعت به إلى أن يصبح موضوعا متداولا في اختصاصات متعددة، ولما كان الخبر ذا بعد سردي، فرض مصطلح السرديات نفسه في مجال الإعلام، وحل تقريبا محل الخبر الذي صار يقتصر على المادة الخاصة بحدث ما في زمن معين. غير أن مصطلح «السرديات» في الكتابات الأجنبية ظل مقتصرا على العلم الخاص بالسرد، ولم يتسع لينال له مكانا في تحليلات الخطاب الإعلامي. ويبدو لي أن السبب في ذلك يعود إلى أن ما نضعه نحن العرب تحت مصطلح «السرديات»، بالمعنى الثاني، له في الفرنسية مثلا كلمة (Récit )، وفي الإنكليزية كلمة (Narrative ).

ولعل في ترجمة الكلمة الفرنسية عند ليوتار، وهو يتحدث عن «المرويات الكبرى»، وتحليل ريكور لـ»الهوية السردية» متصلة بالتاريخ أثره في شيوع مشتقات «السرد» في اللغة العربية، فصيغت «السرديات» باعتبارها رؤية خاصة لأحداث متصلة حول قضية معينة «السردية الإسرائيلية» مثلا تمييزا لها عن «السردية الفلسطينية».
لا ضرر في قبول المعنيين معا، وقد صار لأحدهما بعد أكاديمي خاص بتحليل السرد، وآخر يجري على ألسنة الإعلاميين والمحللين السياسيين، ما دام الاستعمال الجاري يفرضهما معا، وكل منهما يمكننا وضعه في سياقه لفهمه. غير أن استعمال مصطلح «السرديات» لدى الباحثين» يستدعي توظيفه بالشكل الملائم كي لا يختلط بالمعنى الجاري على الألسنة، خاصة في عناوين الدراسات والكتب، أو في المداخلات الشفاهية تجنبا لأي التباس يمكن أن يقع فيه المتلقي. إننا نلاحظ الكثير من الاستعمالات للسرديات والسردية، في كتاباتنا العربية، ومندون تدقيق المراد من أي استعمال يحدث اللبس والغموض.

أنا مثلا حين أضع عنوان «سردية طوفان الأقصى» على كتاب ما فالمراد منه ليس المعنى الثاني، ولكن الأول الخاص بالعلم، الذي نسعى من خلاله إلى تحليل «الطوفان»، باعتباره حدثا تولدت عنه أحداث متطورة، وتدخلت فيه شخصيات وأطراف كثيرة، وعرف تحولات زمانية، وكانت له بداية ونهاية. إن سردية طوفان الأقصى لا تختلف جوهريا عن أي حدث من الأحداث الكبرى التي يعرفها الإنسان في تاريخه، أو في تجاربه، ومدركاته. ولو قيض لطوفان الأقصى روائي من طراز تولستوي لكتب لنا رواية عن «الأمن والسلام» باتخاذ هذا الطوفان موضوعا لروايته، ولتمكن باحث سردي من اتخاذ «سردية» الطوفان موضوعا لدراسته السردية، محاولا تحليل مكوناتها وبنياتها والعلاقات التي ظلت تربط بينها، ليستخلص من خلال تناوله إياها تجربة سردية مبنية على محددات مقيدة بزمن ومكان، وما طرأ عليها من تغيرات بمقارنتها بنظيراتها في التجربة الإنسانية.
ويمكن للباحث في هذا النطاق أن يتعدى الكشف عن البنيات للوقوف على العلاقات من خلال النظر إليها في سياق خاص (7 أكتوبر)، وآخر عام (الاحتلال الإسرائيلي)، وبذلك تكتسب السردية هنا بعدها الدلالي، الذي يمكننا من النظر إليها في سياق خطابي مزدوج ينطلق كل منهما من «سردية» خاصة (بالمعنى الثاني)، يعزز بها موقفه ودوره في صناعة الأحداث وتطورها وتأويلها. فالسردية الإسرائيلية لكي نعطي الشرعية لنفسها تراه حدثا لحظيا، و»اختراقا» لا شرعيا لدولة إسرائيل. وقد روج الإعلام الغربي برمته لهذه «السردية»، واعتبر الطوفان عملا إرهابيا. لكن السردية الفلسطينية (حماس خاصة) لا تعتبر الطوفان وليد لحظة، ولكنه نتاج صيرورة من المقاومة لنيل حق مغتصب.. إنها تضعه في سياق كلي وعام وله تاريخ.

إن التناقض بين «السرديتين» الخاصتين حين نضعهما في إطار تصوري يتأسس على خلفية تحليل سردي تكشف لنا بالملموس أن تطور السرديات، باعتبارها علما، يتحقق من خلال وضع التجربة السردية في نطاق سياقات متعددة، لا يمكننا الفصل بينها. وأن الانحياز إلى معاينة سردية، دون أخرى، تعبير عن موقف معين من سردية خاصة، والدفاع عنها. إن الوقوف على السرديتين الخاصتين معا هو ما يعطي للسرديات بعدها العلمي وهي تتحول في ضوء ما يمكن أن ينجم عن أي حدث سردي كيفما كان نوعه. وبذلك تتطور السرديات في تحليل السرد، ومختلف تجلياته، وتتجاوز بذلك المنطلقات التي تأسست عليها.

كاتب مغربي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *