برلين ـ «القدس العربي»: عاد اسم أنغيلا ميركل إلى الواجهة في ألمانيا، لا بوصفها مستشارة سابقة فحسب، بل كاحتمال افتراضي لدور وساطة بين روسيا وأوكرانيا. وجاء ذلك بعد اقتراح فلاديمير بوتين اسم غيرهارد شرودر، الصديق القديم للكرملين، ما أثار رفضاً أوروبياً وأوكرانياً واسعاً، وفتح سؤالاً حساساً: هل يمكن لشخصية ألمانية أن تلعب دوراً في إنهاء الحرب؟ أم أن الذاكرة الأوروبية لم تغفر بعد لبرلين أخطاءها القديمة تجاه موسكو؟
لم يكن اقتراح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اسم المستشار الألماني الأسبق غيرهارد شرودر كوسيط محتمل في حرب أوكرانيا مجرد تفصيل دبلوماسي عابر.
في برلين وبروكسل وكييف بدا الاقتراح أقرب إلى اختبار سياسي ملغوم: هل يمكن لشخصية ارتبط اسمها لسنوات بعلاقات وثيقة مع الكرملين أن تتحول فجأة إلى وسيط سلام؟ أم أن موسكو أرادت، عبر هذا الاسم تحديداً، إحراج الأوروبيين وكشف ارتباكهم في البحث عن مسار تفاوضي جديد؟
حسب مجلة «دير شبيغل» الألمانية، فإن اسم شرودر قوبل برفض شبه حاسم داخل الاتحاد الأوروبي والحكومة الألمانية، ليس فقط بسبب صداقته المعروفة مع بوتين، بل أيضاً بسبب سنوات طويلة من الدفاع عن مصالح روسية في ألمانيا، ولا سيما في ملف الطاقة. وقد نقلت المجلة عن السفير الأوكراني في ألمانيا أوليكسي ماكييف قوله إن من مثّل المصالح الروسية في ألمانيا لسنوات لا يملك «الشرعية الأخلاقية ولا السياسية» للقيام بدور الوسيط اليوم.
اقتراح روسي يحرج برلين
أوروبياً، جاء الرد سريعاً. مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس رفضت عملياً أن تمنح موسكو حق اختيار من يتحدث باسم الأوروبيين، معتبرة أن ذلك لن يكون تصرفاً حكيماً. كما أبدت برلين تحفظاً واضحاً على الاقتراح، إذ أشارت تقارير رويترز إلى أن مسؤولاً ألمانياً وصف العرض بأنه غير موثوق، لأن روسيا لم تغيّر شروطها الأساسية، وأن الاختبار الأول لجدية موسكو يتمثل في استعدادها لتمديد وقف إطلاق النار
لكن المفارقة أن هذا الاقتراح، رغم رفضه، فتح باباً أوسع داخل النقاش الألماني: إذا كان شرودر غير مقبول، فهل توجد شخصية ألمانية أخرى يمكن أن تحظى بقبول أوكراني وأوروبي وربما روسي؟ هنا عاد اسم الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير إلى التداول، ثم ظهر اسم المستشارة السابقة أنغيلا ميركل كاحتمال أكثر إثارة للجدل.
لماذا ميركل؟
حسب «دير شبيغل» الألمانية، فإن ميزة ميركل الأساسية أنها لم تعد تشغل منصباً رسمياً، على عكس شتاينماير. كما أنها تعرف بوتين جيداً منذ سنوات طويلة، وتعرف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أيضاً، بل وتتحدث الروسية، وهي نقطة لا تبدو هامشية في عالم الدبلوماسية المغلقة، حيث تلعب اللغة والثقة الشخصية دوراً يتجاوز أحياناً البيانات الرسمية.
لكن هذا لا يعني أن الطريق أمام ميركل مفتوح. فالمستشارة السابقة تحمل إرثاً سياسياً ثقيلاً في الملف الروسي. خلال سنوات حكمها الطويلة، تبنّت ألمانيا سياسة حوار وتبادل اقتصادي مع موسكو، خاصة في ملف الطاقة، وهي سياسة ينظر إليها اليوم كثيرون في أوكرانيا وشرق أوروبا ودول البلطيق باعتبارها كانت متساهلة أكثر من اللازم مع الكرملين.
لذلك، فإن أي دور ألماني محتمل في الوساطة لا يمكن أن يكون قراراً ألمانياً منفرداً. وقد لخص الدبلوماسي الألماني المخضرم فولفغانغ إيشنغر، الرئيس السابق لمؤتمر ميونيخ للأمن، هذه الحساسية بالقول إن أي شخصية ألمانية لا يمكنها لعب دور وساطة إلا إذا حظيت بتأييد أوروبي واسع، خصوصاً من دول شرق أوروبا والبلطيق. والمعنى واضح: لا عودة إلى دبلوماسية ألمانية منفردة مع موسكو.
أوروبا تريد العودة إلى الطاولة
الموضوع لا يتعلق فقط بميركل أو شرودر. خلف النقاش حول الأسماء تكمن مشكلة أكبر: الأوروبيون يشعرون بأنهم استُبعدوا طويلاً من مسار التفاوض حول حرب تدور على أرض قارتهم. ففي العام الماضي تحركت واشنطن عبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي التقى بوتين ثم زيلينسكي، وطرح لاحقاً خطة سلام من 28 نقطة بدت، وفق الانتقادات الأوروبية، أقرب إلى الرؤية الروسية منها إلى المطالب الأوكرانية.
لكن الزخم الأمريكي تراجع لاحقاً، خصوصاً مع انشغال ترامب بملفات أخرى، من بينها الحرب ضد إيران. وحسب ما أوردته رويترز نقلاً عن تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز»، فإن قادة الاتحاد الأوروبي بدأوا بالفعل التحضير لاحتمال إجراء محادثات مع بوتين، في ظل رغبة أوروبية متزايدة في استعادة موقعها داخل أي تسوية مستقبلية للحرب.
من هنا يمكن فهم تصريح وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول بأن برلين مستعدة لتحمل مزيد من المسؤولية، وأنها تتشاور مع الولايات المتحدة وأوكرانيا. فالأمر لم يعد مجرد نقاش حول وسيط مناسب، بل حول سؤال أعمق: هل تستطيع أوروبا أن تتحول من ممول وداعم عسكري وسياسي لكييف إلى طرف فاعل في هندسة التسوية؟
بالنسبة لأوكرانيا، لا تكفي الخبرة الدبلوماسية ولا العلاقات الشخصية مع بوتين. الشرط الأساسي هو الثقة. ولهذا يبدو اسم شرودر مرفوضاً بالكامل تقريباً في كييف، بينما يظل اسم ميركل محاطاً بتحفظات لا يمكن تجاهلها.
فميركل، رغم حضورها الدولي ووزنها الأوروبي السابق، ترتبط أيضاً باتفاقات مينسك وبمرحلة حاولت فيها ألمانيا وفرنسا إدارة الصراع مع روسيا قبل الغزو الشامل لأوكرانيا. صحيح أن تلك المرحلة سبقت حرب 2022، لكنها أصبحت اليوم جزءاً من مراجعة قاسية داخل أوروبا: هل أخطأت برلين حين اعتقدت أن ربط روسيا اقتصادياً بأوروبا سيجعل الحرب أقل احتمالاً؟ وهل دفعت أوكرانيا ثمن تلك الحسابات؟
لهذا تبدو عودة ميركل، حتى لو بقيت في إطار التكهنات، أشبه بامتحان للذاكرة السياسية الأوروبية. فهي قد تكون شخصية تعرف بوتين أكثر من معظم القادة الحاليين، لكنها في الوقت نفسه تمثل حقبة بات كثيرون يرونها جزءاً من المشكلة لا من الحل.