الرباط – «القدس العربي»: شهدت أعمال لجنة التعليم والثقافة والاتصال في مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان المغربي)، الثلاثاء، لحظة تشريعية وُصفت بـ «الساخنة»، ويرتقب أن تضاعف جرعة الجدل السياسي والإعلامي، عقب مصادقة أغلبية الأعضاء على مشروع قانون إعادة تنظيم «المجلس الوطني للصحافة» في صيغته المعدلة، بعدما رفضت «المحكمة الدستورية» صيغته الأولى وطالبت بتعديل عدد من بنودها، من أجل تجاوز حالة «الشلل» التي توجد عليها تلك المؤسسة المعنية بالتنظيم الذاتي لقطاع الصحافة، منذ شهور عديدة.
وساد التوتر والاصطدام بين نواب من المعارضة ووزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد، خاصة أن الأمر ليس مجرد إجراء تشريعي عادي، بل خطوة في مسار طويل من الاحتقان في علاقة الحكومة بالهيئات المهنية في الصحافة.
وأوردت مصادر محلية أن أجواء النقاش داخل اللجنة البرلمانية كانت مشحونة، وتخللتها «ملاسنات» حادة و»غضب» برلماني من التعديلات التي جاءت بها الحكومة، ما دفع هيئات مهنية إلى الشعور بالقلق الجدي على مستقبل «التنظيم الذاتي». وفي هذا الصدد، واجهت النائبة البرلمانية فاطمة التامني، من حزب «فدرالية اليسار الديمقراطي» المعارض، الوزير بنسعيد بالتأكيد على أن مضمون النص القانوني يرفضه المهنيون والمعارضة البرلمانية والشارع المغربي بل وحتى المحكمة الدستورية.
ورغم تعبير المعارضة البرلمانية عن رفضها لمشروع القانون المذكور، واتهامها الحكومة بـ «التهرب» من النقاش الحقيقي حول حرية الصحافة عبر التركيز على «الهياكل الإدارية»، فإن الأغلبية اختارت دعم الوزير ومن خلاله الحكومة، فصوّتت لفائدة التعديلات المقترحة.
وفي مواجهة انتقادات المعارضة، اعتبر وزير الشباب والثقافة والتواصل أن «الوضع السابق كان عبثيا»، وأن «المجلس الوطني للصحافة» في صيغته السابقة «فشل في تدبير شؤونه الداخلية، ما عطل مصالح آلاف الصحافيين في الحصول على بطاقاتهم المهنية»، مؤكدا أن التدخل الحكومي جاء لإنقاذ مؤسسة التنظيم الذاتي.
وكانت أحزاب المعارضة عملت على إحالة مشروع القانون المتعلق بتنظيم «المجلس»، في صيغته السابقة التي صادق عليها البرلمان، إلى «المحكمة الدستورية»، فقضت هذه الأخيرة بعدم دستورية بعض البنود التي صاغتها الحكومة في محاولة لتمديد عمر «اللجنة المؤقتة المكلفة بتسيير شؤون الصحافة» أو فرض وصاية غير مباشرة على القطاع.
ويرى عدد من المهنيين أن تدخّل «المحكمة الدستورية» فرض على الحكومة العودة إلى طاولة التعديل، غير أنهم يؤكدون أن مشروع القانون الحالي جاء بصيغة تحاول الالتفاف على ملاحظات القضاء الدستوري، من خلال إضفاء الشرعية على «ديمومة المجلس» وتفادي الفراغ، مقابل تقليص هامش الديمقراطية الانتخابية التي كانت الأصل في قانون تأسيس المجلس سنة 2018.
ويركّز المشروع الذي جرت المصادقة عليه في اللجنة البرلمانية، على نقط أساسية، يرى الرافضون أنها بمثابة «ألغام» في طريق التنظيم الذاتي للمهنة، من بينها منح صلاحيات أوسع لآليات التعيين على حساب الانتخاب المباشر، وهو ما تصفه الهيئات المهنية بـ «التعيين المقنع». كما وضع النص معايير جديدة صارمة للترشح لعضوية المجلس، يرى البعض أنها فصّلت على مقاس أسماء بعينها لإقصاء وجوه نقابية تصنف في خانة «المزعجة». وعزز المشروع، في صيغته المصادق عليها، صلاحيات المجلس في سحب البطاقة المهنية وفرض عقوبات، وهو ما يثير مخاوف الصحافيين من إمكانية تحول المجلس إلى «سيف مسلط» على رقابهم.
وبينما يرى الداعمون لإصلاحات الحكومة في هذا المجال أن «الاستقرار المؤسساتي أولى من المعارك الانتخابية الطاحنة»، ويعتبرون أن القطاع يحتاج إلى «يد قوية» لترتيب البيت الداخلي ومواجهة التحديات الرقمية، حذرت نقابات مهنية وهيئات لناشري الصحف من أن «روح القانون» تمس استقلالية المهنة، مشددة على أن الوزارة استغلت أخطاء المجلس السابق لتمرير وصاية دائمة، كما ذهبت إلى القول إن القانون المقترح ينهي تجربة «التنظيم الذاتي» ويحولها إلى «تنظيم حكومي».
علاوة على ذلك، تشتكي الهيئات الرافضة من أن الحكومة لم تشرك القواعد الصحافية في صياغة هذه التعديلات، واكتفت بمشاورة «نخبة محدودة» من الناشرين، معبرة عن تخوفها من «المؤقت الدائم»، أي تكريس منطق «اللجنة المؤقتة» كوضع دائم تحت مسمى «إعادة التنظيم».
وبدأ الخلاف حول الموضوع منذ سنة 2022، حيث يعيش قطاع الصحافة في المغرب حالة من الارتباك التشريعي، نتيجة انتهاء ولاية المجلس الأول، ودخول القطاع في دوامة التمديدات الاستثنائية، ثم القوانين الاستعجالية، وصولا إلى هذا المشروع.
ولا تراهن الهيئات المهنية الرافضة لمشروع القانون كثيرا على انتقال النقاش من اللجنة إلى الجلسة العامة داخل مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان المغربي)، رغم توقع محاولات من المعارضة لتقديم «تعديلات اللحظة الأخيرة»، وتعتقد أن الأغلبية الحكومية ستمرر النص خلال التصويت.
ويرى بعض المهنيين أن القضية تتجاوز «بطاقة مهنية» أو «مقراً إدارياً»، إلى خلافات أعمق تعكس صراعاً بين الحكومة التي تؤكد أنها تضع استقرار المهنة فوق كل اعتبار، وهيئات مهنية ترى أن حرية الصحافة تبدأ من التنظيم الذاتي، ومن حق الصحافيين اختيار من يمثلهم بعيداً عن كواليس التعيينات السياسية.