حالة اللاحرب واللاسلم بين أمريكا وإيران قد تترك آثارا طويلة المدى على دول الخليج


لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “إيكونوميست” تقريرا قالت فيه إن استمرار حالة اللاحرب واللاسلم قد يؤدي إلى التسبب بأضرار طويلة الأمد لدول الخليج. وقالت إنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق بنهاية الصيف، فإن هذه الدول ستعاني من أضرار طويلة الأمد.

وقالت إن ما بدأ كاتفاق مؤقت لوقف إطلاق النار تجاوز المدة التي اندلع فيها القتال السابق.

وأضافت أن أمريكا وإيران تقتربان من الدخول في الأسبوع السادس للهدنة المعلنة في 8 نيسان/أبريل، حيث عبّر الكثيرون في الخليج عن أملهم بأن تضع هذه الهدنة حدا سريعا للحرب وللاضطرابات الاقتصادية التي تسببت بها.

إلا أنهم يجدون أنفسهم الآن في حالة من الترقب والانتظار، فلربما توقفت الحرب مؤقتا، رغم بعض المناوشات في مضيق هرمز والهجمات الإيرانية على الإمارات العربية المتحدة، لكن لا يوجد سلام دائم أيضا، وبالتالي تتوقف حركة الملاحة البحرية عبر المضيق.

ربما توقفت الحرب مؤقتا، رغم بعض المناوشات في مضيق هرمز والهجمات الإيرانية على الإمارات العربية المتحدة، لكن لا يوجد سلام دائم أيضا، وبالتالي تتوقف حركة الملاحة البحرية عبر المضيق

ومع استمرار المحادثات جيئة وذهابا، بدأ بعض السكان في الخليج يطرحون سؤالا لم يكن يخطر على بالهم في الماضي: ماذا لو استمر هذا الوضع لأشهر؟

فقد نجح مجلس التعاون الخليجي في إدارة الأزمة بشكل جيد، حيث أنفق عشرات المليارات من الدولارات لدعم اقتصادات الدول الأعضاء. وأبدى المسؤولون ثقة في القدرة على تجاوز المزيد من الاضطرابات والتعافي بسرعة عند انتهائها.

إلا أنه، ومع تحول الأسابيع إلى شهور، يتزايد خطر حدوث أضرار دائمة.

ففي 10 أيار/مايو، قدمت إيران أحدث مقترحاتها لوقف إطلاق نار دائم، ردا على خطة أمريكية تلقتها في الأسبوع السابق. ولم تنشر إيران نص المقترح علنا، وكذلك الولايات المتحدة. ويؤكد دبلوماسيون في المنطقة أن قضايا رئيسية لا تزال عالقة، فلم يتفق الطرفان بعد على مدة وقف تخصيب اليورانيوم، ومصير المخزون عالي التخصيب، وما إذا كان سيتعين على إيران تفكيك بعض منشآتها النووية، من بين أمور أخرى.

وكما هو متوقع، وصف دونالد ترامب المقترح بأنه “غير مقبول بتاتا”. وعاد ووصف المحادثات بأنها في “غرفة الإنعاش”.

وأضافت أنه من السهل فهم عواقب جمود طويل على أمريكا وإيران.

وقالت إن سائقي السيارات في أمريكا يدفعون الآن ما معدله 4.52 دولار للغالون الواحد من البنزين، بزيادة قدرها 52% عما كانت عليه الأسعار قبل الحرب.

وفي إيران، يقدر أحد المسؤولين أن أكثر من مليون شخص فقدوا وظائفهم.

أما في دول الخليج، فيصعب تحديد حجم الضرر، نظرا لحرصها الشديد على إظهار أن الأمور تسير كالمعتاد.

ومع ذلك، يعتبر قطاعا النفط والغاز الأكثر تضررا، إذ يمثلان ربع الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة تقريبا، ومنهما تأتي معظم عائدات الصادرات.

فقد انخفضت صادرات النفط السعودية إلى نحو الثلث منذ بدء الحرب، وفي الإمارات العربية المتحدة إلى النصف. أما البحرين والكويت وقطر، فقد توقفت صادراتها تقريبا.

وفي العاشر من أيار/مايو، قال أمين ناصر، رئيس شركة أرامكو السعودية، عملاق النفط الحكومية: “إذا استمر تقليص التجارة والشحن لأكثر من بضعة أسابيع من اليوم، فإننا نتوقع استمرار اضطراب الإمدادات، ولن يعود السوق إلى وضعه الطبيعي إلا في عام 2027”.

وفي 10 أيار/مايو، تمكنت ناقلة محملة بالغاز الطبيعي المسال القطري من عبور مضيق هرمز خلال عطلة نهاية الأسبوع، لتكون بذلك أول ناقلة قطرية تعبر المضيق منذ بدء الحرب.

وكانت السفينة متجهة إلى باكستان، واتخذت مسارا شماليا للخروج من المضيق، مرورا بالمياه الإقليمية الإيرانية، حيث يحاول الحرس الثوري الإسلامي فرض رسوم عبور.

ومع ذلك، نفى مصدر مطلع على الترتيب دفع أي رسوم من هذا القبيل. وتحدث بدلا من ذلك عن اتفاق بين إيران وباكستان، التي لعبت دور الوسيط الرئيسي بين أمريكا وإيران، وهي أيضا في أمس الحاجة إلى الغاز.

ويقول المصدر: “تجري باكستان محادثات مع إيران للسماح بمرور عدد محدود من ناقلات الغاز الطبيعي المسال عبر المضيق، حيث تحتاج إسلام آباد بشكل عاجل إلى معالجة نقص الغاز لديها”.

ومع ذلك، من غير المرجح أن تسمح إيران بمزيد من عمليات العبور هذه.

الحرب لم تؤثر فقط على قطاعي النفط والغاز، حيث ينتظر العاملون فيهما اتفاقا دائما، بل وعلى قطاعي السياحة والسفر، اللذين كانا يمثلان أكثر من 11% من الناتج المحلي الإجمالي لدول الخليج قبل الحرب

وتقول المجلة إن الحرب لم تؤثر فقط على قطاعي النفط والغاز، حيث ينتظر العاملون فيهما اتفاقا دائما، بل وعلى قطاعي السياحة والسفر، اللذين كانا يمثلان أكثر من 11% من الناتج المحلي الإجمالي لدول الخليج قبل الحرب، مع حصة أكبر في الإمارات العربية المتحدة.

ورغم قلة عدد السياح الوافدين إلى الخليج، إلا أن حركة الترانزيت أبقت شركات الطيران ناشطة. فقد نقلت شركة طيران الإمارات، وهي الأكبر بين هذه الشركات، ما مجموعه 4.7 مليون مسافر في شهري آذار/مارس ونيسان/أبريل.

وهذا يمثل حوالي 50% فقط من حمولة الشركة المعتادة، التي تتخذ من دبي مقرا لها. وهو أفضل مما قد يتوقع من شركة طيران تعرض مركز عملياتها للقصف عدة مرات.

وفي رحلات جوية حديثة إلى الدوحة ودبي والرياض، رأى مراسل المجلة أن مقصورات الطائرات ممتلئة تقريبا.

لكن بمجرد الخروج من المطار، تبدو الأمور قاتمة، فالفنادق شبه خالية، لدرجة أن موظفي الاستقبال يرحبون بالنزلاء القادمين بأسمائهم، لعدم وجود نزلاء آخرين في ذلك اليوم.

وفي البحرين، انخفضت قيمة الإنفاق ببطاقات الائتمان في الفنادق بنسبة 64% في آذار/مارس مقارنة بشهر شباط/فبراير.

وتشير تقديرات وكالة موديز للتصنيف الائتماني إلى أن نسبة إشغال الفنادق في دبي ستبلغ 10% فقط هذا الربع، بانخفاض عن 80% في شباط/فبراير.

وقد تم تسريح عشرات الآلاف من العمال أو فصلهم من وظائفهم في قطاع الخدمات في جميع أنحاء الخليج.

وعلى الرغم من توقف الحركة في مضيق هرمز، لا تزال المتاجر مليئة بالبضائع. وقد برزت السعودية كشريان حياة، حيث يتم نقل البضائع بحرا إلى موانئها على البحر الأحمر، ثم برا إلى الدول المجاورة.

ومن هنا، تبدو حالات النقص في زمن الحرب ضئيلة: تعتذر المطاعم عن نفاد لحم “واغيو” الأسترالي أو جبنة “بوراتا” الإيطالية، وقد نفد مخزون النبيذ الأبيض من متجر الخمور الوحيد في الرياض بشكل دوري.

لكن التكلفة كانت باهظة، سواء للحكومات أو تجار التجزئة. ويقول أحد التجار: “طلبوا منا إنفاق كل ما يلزم لتجنب رفوف فارغة”.

وتقول المجلة إن قدرات دول الخليج على مواجهة الأزمة تتراوح من بلد إلى آخر.

يقول القطريون، مثلا، إنهم قادرون على الصمود لبضعة أشهر أخرى، رغم الخسارة شبه الكاملة لعائدات التصدير من الغاز الطبيعي المسال والهيليوم وغيرها من السلع.

ولا تزال البنوك في الإمارات العربية المتحدة تتمتع برؤوس أموال قوية، حيث قامت بتأجيل سداد القروض وإعفاء آلاف الشركات من الرسوم، وذلك ضمن حزمة مساعدات تزيد قيمتها عن 6 مليارات درهم (1.6 مليار دولار).

أما البحرين، فقد وقعت بالفعل اتفاقية مقايضة عملات مع الإمارات بقيمة 5.4 مليار دولار، وقد تحتاج إلى مزيد من المساعدات المالية إذا طالت الأزمة.

ويشير العديد من المسؤولين والمديرين التنفيذيين إلى نهاية الصيف كموعد نهائي حاسم، وستكون الأشهر القليلة المقبلة فترة ركود على أي حال، حيث تنفر درجات الحرارة المرتفعة الزوار والمقيمين على حد سواء.

وبحلول شهر أيلول/سبتمبر، من المفترض أن يكون المغتربون قد عادوا من إجازاتهم، وأن تستعد الشركات لاستقبال ملايين السياح والمشاركين في المؤتمرات.

وإذا لم تتوصل أمريكا وإيران إلى اتفاق يعيد فتح المضيق ويزيح شبح الحرب، فقد يتحول التراجع المؤقت إلى وضع أكثر خطورة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *