لندن – “القديس العربي”:- لقاء مؤثر لصديقين جمعتهما إبادتان. في “بيت فلسطين” في لندن، بدت القاعة كأنها تحبس أنفاسها في لحظات كثيرة، لا بسبب ثقل الشهادات وحده، بل لأن الناجيين، أنطوان رفول وستيفن كابوس، كانا يرويان ذاكرة شخصية ألحّت بسؤال أخلاقي حاضر.
وفي لحظات أخرى، شكّل تقاطع نكبة فلسطين والمحرقة النازية، لحظة فارقة.
فهي صداقة بين رجلين حملا جرحين مختلفين، ثم التقيا عند الدفاع عن إنسانية الفلسطينيين.
ورغم ما تشهده لندن من استخدام واسع لاتهامات معاداة السامية لاستهداف مؤيدي فلسطين، كانت المناسبة الخاصة في “بيت فلسطين” مساحة معاكسة تماماً: يهودي ناجٍ من المحرقة يعلن تضامنه مع غزة، وفلسطيني ناجٍ من النكبة يرى في الذاكرة وعداً بالعودة والعدالة.
فقد شهد “بيت فلسطين” في لندن، مساء الاثنين، لقاءً حوارياً جمع بين الناجي من نكبة فلسطين أنطوان رفول، والناجي من المحرقة النازية ستيفن كابوس، في أمسية أدارتها ميغان كوبر، ضمن فعالية نظمتها مؤسسة الجليل، تزامناً مع الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية.
افتتحت مها الفرا، المديرة الإدارية لمؤسسة الجليل، الأمسية بالتذكير بأن مئات الآلاف من الفلسطينيين طُردوا من بيوتهم عام 1948، مؤكدة أن ما وقع حينها “لا يزال يحدث اليوم”، وأن التذكر والاستماع والكلام العلني عن الظلم تمثل جميعها أشكالاً من المقاومة والعدالة.
كما شهدت الأمسية العرض الأول للإعلان التشويقي لفيلم وثائقي بعنوان “Survivors”، من إخراج أندريا كابوس وجاكي بومونت، ويتناول قصتي رفول وكابوس.
وأوضحت المخرجتان أن العمل استغرق أكثر من عام، وأن إنجازه تم بتمويل محدود عبر حملة جماعية، على أمل استكماله كفيلم وثائقي طويل.
وفي الفيلم، ظهرت شهادتا الرجلين متداخلتين حول الطفولة، الفقد، المنفى والنجاة.
قال أنطوان رفول إنه وُلد في الناصرة عام 1941، واستعاد رحلة خروج عائلته من فلسطين عام 1948، حين ساروا بمحاذاة الساحل، “البحر المتوسط إلى اليسار وفلسطين إلى اليمين”. ووصف نكبة فلسطين بأنها “تطهير عرقي استعماري وعنصري”، معتبراً أنها تحولت إلى “إبادة” مستمرة.
أما ستيفن كابوس، المولود في بودابست عام 1937، فتحدث عن أهوال المحرقة النازية، وعن فقدان 15 فرداً من عائلته في الهولوكوست، مستعيداً ذكريات الاختباء والخوف والحياة تحت التهديد الدائم بالترحيل إلى معسكرات الموت.
وخلال الحوار، قال كابوس إن مشاركته في المسيرات المؤيدة لفلسطين في بريطانيا تأتي انطلاقاً من تجربته الشخصية كناجٍ من المحرقة، مؤكداً أن هذه المسيرات “ليست مسيرات كراهية”، بل تجمعات إنسانية وعائلية.
وأضاف أن مجموعة “ناجون من المحرقة وأحفادهم ضد الإبادة في غزة” التي يشارك فيها تلقى ترحيباً واسعاً خلال التظاهرات، مؤكداً أن وجودهم ينسف الادعاءات بأن التضامن مع فلسطين يشكل تهديداً لليهود.
ورأى كابوس أن ما يحدث في غزة يمثل “تدميراً وتجويعاً وتعذيباً لشعب”، قائلاً إن العجز عن وقف ذلك يسبب ألماً أخلاقياً عميقاً، وإن الصمت لم يعد ممكناً أمام ما وصفه بانهيار المعايير الإنسانية والقانونية الدولية.
أما رفول فربط بين الذاكرة والحق في العودة والهوية الفلسطينية، متحدثاً عن احتفاظه بمفتاح منزله القديم بوصفه “مفتاحاً لبيت لم يعد موجوداً”، لكنه يرمز إلى ملايين القصص الفلسطينية المقتَلعة من أرضها.
كما تحدث رفول بتأثر عن حبه للفن والعمارة، قائلاً إنه ترك خلفه رسومات طفولية لجبل الكرمل عندما غادر فلسطين طفلاً، قبل أن يعبّر عن أمله في أن يشارك مع كابوس، بعد توقف الحرب على غزة، في إعادة بناء القطاع “بالفن والعمارة”.
وحمل اللقاء رسالة مشتركة: الذاكرة، حين يرويها الناجون، لا تبقى مجرد ماضٍ، بل تتحول إلى مسؤولية أخلاقية في مواجهة الظلم.
فكما قال رفول، نكبة فلسطين “ليست ذكرى انتهت، بل برنامج مستمر”.
اما ستفين كابوس فقال إن النضال الفلسطيني من أجل الحرية هو “جزء من الصرخة نفسها من أجل الإنسانية”.