«تاريخ الطبري»… بين الطبعات القديمة والتحقيق الجديد


صدر حديثاً تحقيق جديد لكتاب «تاريخ الطبري»، أنجزه الباحث بشار عواد معروف، بمساعدة كل من محمود بشار العبيدي ومهران محمود الزعبي. وجاءت الطبعة، الصادرة عن دارة الملك عبد العزيز، في عشرين مجلداً، محققةً وفق منهج علمي يقوم على جمع النسخ الخطية، والمقابلة بينها، وترجيح الصواب مع التعليل، كما تذكر مقدمة التحقيق.

ويُعدّ بشار عواد معروف من أبرز المحققين المعاصرين، إذ تجاوز عدد المجلدات التي حققها 260 مجلداً، عدا مؤلفاته. ومن بين أعماله البارزة تحقيق «تاريخ الإسلام» للذهبي، و«التمهيد» لابن عبد البر، و«المحلى» لابن حزم. ومع ذلك، لا تزال الحاجة قائمة إلى منصة توثّق أعماله، وتعرّف بجهوده في خدمة المكتبة العربية والإسلامية.

وقد يتساءل القارئ عن جدوى إعادة تحقيق كتاب يُعدّ من أهم مراجع التاريخ الإسلامي، وقد حظي، منذ تأليفه، بطبعات متعددة وعناية واسعة من الباحثين العرب والمستشرقين، فضلاً عن دراسات واختصارات كثيرة. فما الذي تضيفه هذه الطبعة الجديدة؟

يذكر المحقق معروف في مقدمة التحقيق، أن تاريخ الطبري الذي أرخ من أول الخليقة إلى أوائل القرن الرابع الهجري هو « التجربة الوسيعة الوحيدة التي وصلت إلينا، وكانت من أجودها، والمحاولات السابقة لم يوفق لها البقاء»، لأن من المعروف أن الطبري اعتمد على الكثير من الموارد المدونة، التي لم يصل أغلبها إلينا إلا من طريقه في الاغلب الأعم. ويضيف المحقق «أنه لم يستطع أي مؤرخ جاء بعد الطبري أن يتجاوزه». ويسترسل بعد ذلك في جَرده لأسماء أهم المؤرخين الذين أخذوا عن الطبري، اقتباسا أو تلخيصا أو نقلا. فيذكر كتاب «الأغاني» لأبي فرج الأصبهاني، الذي «اقتبس عشرات النصوص الطويلة والقصيرة من تاريخ الطبري»، ويؤكد لنا المحقق أن الأصبهاني من الملتزمين بالنقل حرفيا، «كما دلت عليه مقابلة النصوص». الشيء نفسه يمكن أن يقال عن مسكويه وعن ابن عساكر. ولعل هذه من الإضافات المهمة في هذا التحقيق الجديد لتاريخ الطبري، وهو الوقوف على كل من أخذ من الكتاب بأمانة، ومن كبار المؤرخين، الذين لم يلتزموا الأمانة العلمية! فمثلا يورد المحقق كتاب «المنتظم» لابن الجوزي الذي كان يقتبس من كتاب الطبري، من دون أن يشير إليه، أو كتاب «الكامل في التاريخ» لابن الأثير الذي كان أكثر أمانة بتصريحه أنه اعتمد في تاريخه على كل ما جاء في كتاب الطبري، وذلك في المدة الزمنية التي تناولها تاريخ الطبري.
يذكر عواد معروف في مقدمة التحقيق أهم الطبعات السابقة لكتاب الطبري، ويركز أكثر على طبعة دار المعارف المصرية بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم في سنة 1960. هذه الطبعة «اتخذت النسخة المطبوعة في أوروبا بتحقيق مجموعة من المستشرقين أصلا في التحقيق»، باعتبارها «النسخة الكاملة التي نشرت نشرا علميا على أساس المخطوطات المتنوعة التي وقعت للمصححين». لم يَألُ المحقق معروف جهدا في انتقاد تحقيق أبو الفضل إبراهيم، حيث وقف المحقق على عدة أخطاء وعيوب في هذا التحقيق الذي أعاد «طبع الطبعة الأوروبية بأخطائها وعيوبها ولم يزد عنها شيئا، بل لم تزل الطبعة الأوروبية أفضل من طبعته لما فيها من بيان بعض الفروق في النسخ التي حذفها أبو الفضل إبراهيم في طبعته!»
لا شك في أن المستشرقين أسدوا خدمة كبيرة للباحثين في التاريخ العربي الإسلامي بتوفيرها لنص «كان حبيس المخطوطات لمدة طويلة»، على ما فيها من عيوب وتقصير ناتج عن اختلاف طريقة المستشرقين في التحقيق والتي تقوم على «عدم ترجيح الراجح عن المرجوح»، عند مقابلة الفروق بين النسخ، « فيتركون للقارئ أن يقوم بهذا الدور». لكن ما دور المحقق إذا لم يرشد القارئ إلى «أرجح النسخ وأن يعلل ترجيحه بالأدلة التي تقنع القارئ المستفيد ما استطاع إلى ذلك سبيلا؟”، كما يقول المحقق.
إن نص الطبري يحتاج إلى عدد غير هين من الخبرات، لكي يُقال عنه أنه حُقق تحقيقا علميا، فإلى جانب علوم اللغة العربية يجب على المحقق أن يكون مُلما ببعض علوم الإسلام، «التي لا ينضبط النص إلا بها»، «كأسماء الرواة والأسانيد من حيث اتصالها وانقطاعها، وما يحدث فيها من اختلال أو سقط لا يدركه إلا العارف بها». كذلك يجب على المحقق أن يلتزم بالمبادئ الصارمة في تحقيق النصوص وقراءة المخطوطات قراءة سليمة، وعدم التصرف بالنص، أو « التَسَوُرُ» عليه، أو محاولة إصلاحه بما يظنه المحقق صوابا. فكيف إذا كان المحقق غير مختص في المادة الأساسية للنص؟
نقرأ في مقدمة التحقيق ان تاريخ الطبري «يتكون من ثلاثة عناصر أساسية: أسانيد فيها أسماء الرواة، وأحاديث نبوية وآثار، وأخبار تاريخية. فالمستشرقون الذين تصدوا لتحقيق هذا النص لا علم لهم بالعنصرين الأولين، ولهم معرفة لا بأس بها بالعنصر الثالث، أما أبو الفضل فإنه لا يُحسن شيئا من العناصر الثلاثة ولهذا جاء النص وفيه ما فيه».

تأخر صدور تحقيق علمي دقيق لكتاب «تاريخ الطبري»، على الرغم من مكانته المركزية في دراسة القرون الثلاثة الأولى من التاريخ الإسلامي. فقد رصد بشار عواد معروف وفريقه مئات الأخطاء في الطبعة الأوروبية التي ظلت معتمدة على نطاق واسع، شملت الأسانيد، والأسماء، والأنساب، وضبط أسماء الأمكنة، وبعض التصرفات في النص، إضافة إلى زيادات أو قراءات غير دقيقة.

ومن إضافات الطبعة الجديدة أنها أعادت اعتماد العنوان الأصلي للكتاب، لا العنوان الشائع في التداول. ويذكر المحقق أن العمدة في ضبط عنوان أي كتاب هي المخطوطات التي وصلتنا منه، وقد اتفقت أكثر نسخ كتاب الطبري على العنوان الآتي: «تاريخ الملوك، وأخبارهم، وموالد الرسل وأبنائهم»، مع عنوان فرعي هو: «والكائن كان في زمن كل واحد منهم».

كما تتميز هذه الطبعة بضبط النص بالحركات، وهي إضافة مهمة في التعامل مع كتب التراث، لأنها تسهّل القراءة، وتحدّ من الالتباس، وتفتح النص أمام شريحة أوسع من القراء، لا أمام المتخصصين وحدهم.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *