هل انتهت صلاحية الهدنة السياسية بين الرئيس الغزواني ومعارضيه؟



عبد الله مولود

نواكشوط –«القدس العربي»: لم يكن المهرجان الموحد للمعارضة الموريتانية الذي ملأ المشاركون فيه ساحة المعرض بالعاصمة نواكشوط، مجرد تجمع سياسي اعتيادي، بل بدا وكأنه إعلان نهاية مرحلة سياسية بدأت مع وصول الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى السلطة عام 2019، حين نجح خلال سنواته الأولى في امتصاص جزء معتبر من الاحتقان الذي طبع سنوات حكم سلفه، وفتح قنوات تهدئة مع الطيف السياسي المعارض.
لكن الحشود التي غصت بها ساحة المعرض، والخطاب التصعيدي الذي طبع كلمات قادة المعارضة، عكسا تحولا واضحا في المزاج السياسي الداخلي، وكأن المعارضة تقول إن «طاقة التهدئة» التي أُنتجت في بداية مأمورية الغزواني بدأت تفقد تأثيرها تحت ضغط الأزمات الاجتماعية والاقتصادية وتزايد الجدل حول الحريات العامة.
وعرف المهرجان الذي نظمته مؤسسة المعارضة الديمقراطية وائتلافات معارضة أخرى، مشاركة قيادات من أبرز أطياف المعارضة، من بينهم زعيم مؤسسة المعارضة الديمقراطية ورئيس حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية – تواصل» حمادي سيدي المختار، ورئيس ائتلاف قوى المعارضة المختار ولد الشيخ، والنائب البرلماني بيرام الداه اعبيد.
ومنذ الساعات الأولى للمهرجان، بدا واضحا أن المعارضة تحاول استعادة «الشارع» كأداة ضغط سياسي، بعد سنوات من التهدئة النسبية التي خففت من منسوب المواجهة المباشرة مع السلطة.
وفي خطابه أمام آلاف المشاركين، قال حمادي سيدي المختار إن المعارضة «ما تزال موجودة في الشارع وتقف إلى جانب المواطن المسحوق والفقير والجائع»، معتبرا أن الحضور الجماهيري يمثل «رسالة قوية» إلى السلطات.
ولم يكتف زعيم المعارضة بالحديث عن الأزمة الاقتصادية، بل وسّع دائرة الاتهام لتشمل ما وصفه بـ»تغول السلطة» و»تكميم الأفواه»، مؤكدا أن صحفيين ومدونين وسياسيين تعرضوا للسجن بسبب آرائهم، وأن المعارضة «ستواصل الدفاع عن الحريات العامة».
اللافت في خطابات قادة المعارضة أن الملف الاقتصادي تصدر واجهة الهجوم السياسي.
فقد تحدث حمادي سيدي المختار رئيس حزب «تواصل» ذي المرجعية الإسلامية، عن «مواطن موريتاني أصبح همه توفير قوت يومه»، واعتبر أن راتب الموظف «أصبح مأساة» بفعل موجة الغلاء.
أما المختار ولد الشيخ رئيس ائتلاف المعارضة الديمقراطي، فركز على الارتفاع الكبير في أسعار المواد الأساسية، متسائلا عن أسباب ارتفاع أسعار منتجات محلية مثل اللحوم والألبان رغم توفرها داخل البلاد، معتبرا أن الضرائب التي تجمعها الدولة «لم تنعكس على تحسين أوضاع المواطنين».
كما اتهم الحكومة بالعجز عن توفير حياة كريمة للمواطنين، متحدثا عن «تفشي الفساد وصفقات التراضي»، ومطالبا بفتح تحقيق في ما يعرف بـ»صفقة أداكس» الخاصة بتوريد حاجات موريتانيا من المحروقات.
وتحاول المعارضة هنا ملامسة واحدة من أكثر القضايا حساسية في الشارع الموريتاني اليوم وهي التفاوت بين الخطاب الرسمي حول النمو الاقتصادي، والواقع المعيشي الذي يواجهه المواطن يوميا، خاصة في ظل التضخم وارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية.
إلى جانب الاقتصاد، بدا ملف الحريات حاضرا بقوة في كلمات المتدخلين.
فالمعارضة ترى أن موريتانيا تشهد تراجعا في حرية التعبير، مستندة إلى توقيفات ومحاكمات طالت صحفيين ومدونين ونشطاء خلال الفترة الأخيرة.
وقد اعتبر بيرام الداه اعبيد رئيس ائتلاف التناوب الديمقراطي أن «سجناء الرأي الذين يوجدون اليوم في السجون كان الأولى أن يحل محلهم المفسدون»، متهما الأجهزة الأمنية بـ»اعتقال المناضلين وترك المجرمين».
وفي المقابل، تؤكد السلطات الموريتانية عادة أن القضاء مستقل، وأن التوقيفات تتم في إطار تطبيق القانون، رافضة توصيف الموقوفين بأنهم «سجناء رأي».
غير أن المعارضة تسعى إلى تحويل هذا الملف إلى محور تعبئة سياسية وشعبية، باعتباره قضية قادرة على توحيد أطياف متباينة سياسياً وأيديولوجياً.
ومن النقاط اللافتة أيضا في خطاب المعارضة محاولة الفصل بين أزمة البلاد وبين خطاب الانقسام العرقي أو الاجتماعي.
فحمادي سيدي المختار أكد أن «الوحدة الوطنية خط أحمر»، معتبرا أن جوهر الأزمة يتعلق بـ»الظلم والتهميش وغياب العدالة».
أما بيرام الداه اعبيد، فاعتبر أن حضور مختلف مكونات المجتمع في مهرجان المعارضة يمثل تجسيدا للوحدة الوطنية، رغم اتهامه للنظام بمحاولة «تكريس العبودية عبر سجن المدافعين عنها».
وكشف هذا الخطاب عن محاولة المعارضة بناء سردية سياسية جديدة تقوم على الجمع بين العدالة الاجتماعية والحريات العامة ومحاربة الفساد، بدل الانجرار إلى الاستقطابات الهوياتية التي ظلت حاضرة بقوة في المشهد السياسي الموريتاني خلال العقود الماضية.
عندما وصل الغزواني إلى الحكم سنة 2019، بدا المشهد السياسي مختلفا عن سنوات الاستقطاب الحاد التي عرفتها البلاد خلال العقد السابق.
فالرئيس الجديد تبنى خطابا أقل صدامية، وفتح قنوات تواصل مع المعارضة، وأعاد الاعتبار لمؤسسة المعارضة الديمقراطية، كما شهدت البلاد خلال السنوات الأولى من حكمه نوعا من «التبريد السياسي» خفف من وتيرة الاحتجاجات والمواجهات المباشرة.
غير أن هذا المناخ بدأ يتآكل تدريجيا بفعل عدة عوامل، أبرزها تصاعد الضغوط المعيشية وارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية للطبقات الوسطى والفقيرة، وتنامي الجدل بشأن ملفات الفساد، وعودة النقاش حول الحريات العامة وسجناء الرأي، وشعور جزء من المعارضة بأن الانفتاح السياسي لم يتحول إلى إصلاحات عميقة.
ويبدو أن المعارضة قررت استثمار هذه اللحظة لإعادة بناء حضورها الشعبي، خصوصا مع اقتراب الاستحقاقات السياسية المقبلة، وفي ظل بحثها عن خطاب موحد يجمع الإسلاميين والقوميين واليساريين وحركات الحقوق المدنية تحت سقف «الأزمة الاجتماعية وأزمة الحريات».

يصعب اعتبار مهرجان الأحد مجرد حدث عابر في الحياة السياسية الموريتانية، لأنه يحمل مؤشرات على بداية مرحلة جديدة من التوتر السياسي بين السلطة والمعارضة.
فالمعارضة التي بدت خلال السنوات الماضية مشتتة وغير قادرة على فرض إيقاع سياسي موحد، تحاول اليوم استعادة المبادرة عبر الشارع، مستفيدة من الضغوط الاقتصادية وتزايد النقاش حول الحريات.
وفي المقابل، تجد السلطة نفسها أمام تحد مزدوج: الحفاظ على صورة الانفتاح والتهدئة التي ميزت بداية حكم الغزواني، وفي الوقت نفسه مواجهة تصاعد خطاب احتجاجي قد يتوسع إذا استمرت الأزمات الاجتماعية والمعيشية.
وبين شارع بدأ يستعيد صوته، وسلطة تراهن على الاستقرار والتهدئة، تبدو موريتانيا مقبلة على مرحلة سياسية أكثر سخونة، عنوانها الأبرز: هل تستطيع السلطة تجديد «العقد السياسي الهادئ» الذي بدأ عام 2019، أم أن البلاد تدخل تدريجيا زمن العودة إلى الاستقطاب؟



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *