في معرض « تقاسيم» … الحوار مفتوح بين الطبيعة والفن التشكيلي


رغم تشابه اللغات الإبداعية واقتراب مقاصدها وأهدافها، يظل للفن التشكيلي خصوصيته ولغته المتفردة في معانيها ومُدركاتها البصرية المُتميزة.
وبتنوع المدارس التعبيرية، التي ينتمي إليها الفنانون التشكيليون، تتحدد الميول والخطوط والألوان وتتبدى المواهب، حيث يُصبح لكل فنان مزاجه الإبداعي الخاص، وفق مهاراته وثقافته الشخصية ومرجعيته الفكرية، فالفن التشكيلي في عمومه يُمثل اتجاهاً وربما يُعبر في بعض الأحيان عن ثورة الفنان الداخلية وتمرده على الأنماط التقليدية الثابتة في الواقع، فالفن في حد ذاته محض تمرد ومُحاولة لإنشاء واقع جديد يتسم بالمثالية إلى حد بعيد. ولعل الترجمة الفنية لما يُمكن أن تُنبئ به الألوان والخطوط في اللوحات تُعبر عنها رسومات الفنان التشكيلي أسامة ناشد، الذي يُقام معرضه الفني في «غاليري ضي الزمالك» تحت عنوان «تقاسيم» لمدة أسبوعين، وتتنوع فيه أعماله تنوعاً مُتناغماً مع الطبيعة المصرية، بدلالاتها ومظاهرها الجمالية البصرية لتُحاكي ما يتضمنه الواقع الفعلي للبيئة مع التدخل الإبداعي بتصرف يُضيف أبعاداً أخرى خيالية للوحات، من دون أن يُفقدها شيئاً من مضمونها التعبيري وشكلها الجمالي.


في معرضه «تقاسيم» يُعيد الفنان أسامة ناشد تصوير الطبيعة وفق فلسفته الإنسانية الخاصة، كأنه يلفت النظر إلى المعنى المتواري الذي لا تراه العين المجردة وإنما يُدرك بالعقل، بعد أن يتجاوب الإحساس مع مفردات اللوحة من الألوان والظلال ومساحات الفراغ، إلى آخر ما يُعبر به الفنان عن فكرته وما يدور في خلده.
وعند اكتمال الفكرة يُصبح للمُتلقي حق استقبال اللوحة على النحو الذي يراه ويعيه، وليس شرطاً إخضاع المكونات الفنية للمنطق، فالفن كإبداع فعل حر ومُمارسة غير محكومة بقانون مُعين، حتى إن اتصل مضمونه بالطبيعة، كما هو واضح في لوحات المراكب والنخيل والبحر والشجر والحجر والبشر عند أسامة ناشد، الذي استغرق بخيالة في مفردات الطبيعة، لكنه لم ينقلها بمقاييسها الحقيقية نفسها، وإنما عبر عنها بإحساسه الخاص ووجهة نظرة الشخصية، ليُرينا الفرق بين لغته التشكيلية ولغة الطبيعة، حسبما رصدتها عيناه، كما لو كانت هناك صياغة أخرى مُحتمله لكل شيء تحويه البيئة الريفية والشعبية، ويتدخل فيه الإنسان بحسه وثقافته الذاتيين.
ومن واقع هذه القراءة للوحات المعرض، الذي يُشار إليه بالعنوان المذكور سلفاً «تقاسيم»، يُمكن القطع بأن ثمة تجرد ما في تعامل الفنان مع المُفردات الطبيعية البيئية، بمكوناتها الفلكلورية، يُمثل أسلوباً، أو مدرسة خاصة به تنطوي إشاراتها البصرية والإدراكية على مفهوم التحليل الضمني للمنظر الطبيعي، بخلاف الشكل الخارجي الذي يُمكن أن يكون عليه لحظة وجوده الفعلي في الواقع، وهو ما يُعد خروجاً مُطلقاً على النسق التقليدي لتصوير الطبيعة ومفرداتها، وهذا ما أعتقد أنه يُميز المعرض وصاحبه الفنان المُختلف في مزاجه ومنظوره ووعيه وثقافته ولوحاته.
لقد هدف الفنان أسامة ناشد في معرضه تطوير الذائقة البصرية وتدريب العين على التقاط التفاصيل الدقيقة في اللوحة والنفاذ إلى المعنى الدلالي للخط واللون والظل، غير أنه أراد أن يُعظم من قيمة الطبيعة بوصفها العالم التشكيلي المفتوح والمُلهم، فالنيل وقوارب الصيد والشباك والنخيل وأبراج الحمام والبيوت الطينية، كلها عناصر تكوين أساسية في اللوحات المرسومة بقلم الرصاص، كأنه تدرج طبيعي في مستوى التأثير البصري من غير ألوان وبتناغم تشكيلي هادئ يُجافي الصخب المُعتاد أحياناً عند بعض الفنانين.
ومن يعرف أسامة ناشد يُمكنه الربط بين طبيعته الرومانسية الرقيقة، وإبداعه النازع باستمرار إلى تعزيز فكرة الجمال في حد ذاتها كحالة إنسانية يرنو ناشد إلى جعلها ثقافة اجتماعية عامة من شأنها تقويم السلوك وترقيق المشاعر، لينعم الإنسان بالاستقرار ويُصبح بمنأى عن أجواء التوتر والعنف، حيث التأثر الإيجابي الطبيعي بالفن هو معيار الثبات الانفعالي والانضباط النفسي والسلوكي، وتلك هي الإفادة الحقيقية المرجوة من الفن التشكيلي، لأنه الأقدر على التغذية الوجدانية وتوطين الروح داخل المجال الإبداعي المُبهر والخلاق.
كاتب مصري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *