تفكيك المركزية الغربية من داخل الحلم الأمريكي


فيلم «الدراما» The Drama، أمريكي، رومانسية وكوميديا سوداء، من إنتاج 2026، إخراج وتأليف النرويجي كريستوفر بورغلي. علاقة تجمع بين الشخصيتين الرّئيستين، إيما (الممثلة زيندايا)، سمراء من أصول سوداء وتشارلي (الممثل روبرت باتينسون) من ذوي البشرة البيضاء، والعكس الشّخصيتين الثانويتين سارة (الممثلة ألانا حاييم) من ذوي البشرة البيضاء وكريس (الممثل مامودو أثي) أسود، والقصة تدور حول علاقة حب تهدف إلى الزواج، لكن اعتراف الحبيبة في لحظة ثمالة تقلب الحدث رأسا على عقب ويحل الشك محل الانسجام، إذ تبدو العلاقة فجأة وكأنّها سحابة صيف.
يبدأ الفيلم بلقطة قريبة جدّا للأذن، أذن «إيما»، التي تظهر منهمكة في قراءة رواية «الضرر» داخل مقهى، تلتقط الكاميرا مشهد «تشارلي» العابر بجانب المقهى ذي الجدار الزجاجي مُركّزا نظره على إيما، فيبدوان للحظة كلاهما يتحرّكان، تماما كما عندما نكون في سيارة، نتحرك إلى الأمام بينما المكان ثابت، لكنّه يبدو متحركا نحو الخلف. يدخل المقهى ثم يحاول التعرّف على إيما، يتلصّص على عنوان الكتاب ويدّعي في حواره معها أنّه يحب هذا الكتاب، وقد انتهى من قراءته منذ مدّة قريبة، لكن الفتاة صمّاء من أذن، وكانت تضع المسمّع بالأذن الأخرى، فلم تسمعه، ولما تشعره قريبا منها تخبره بذلك، فيضحك ثم تقول له «لنعيد من البداية».

الفيلم أمريكي، والجمع بين العرقين تعبير عن النّسيج الاجتماعي الأمريكي غير المتوافق، أو السّائر نحو التوافق لتراكم محاولات التوافق عبر تاريخ عنصري درامي، والحفر في التفاصيل المنعزلة للفيلم تكشف عن بعض اشكاليات الحضارة الأمريكية، التي لا تسمع سوى ذاتها، وهو المفصل الافتتاحي في الفيلم، إذ التركيز على الأذن الصمّاء، هو تركيز على غياب الحوار داخل مجتمع يدّعيه، فالصّمم إلغاء لصوت «إيما»، فهي لا تسمع، وبالتالي، لا تتجاوب مع محيطها ولو كانت عارفة، فالكتاب الذي تقرأه هو الكفاءة التي على أساسها تمّ قبولها في حضارة تدّعي «المعرفة»، لكنّها لا تعمل بمقتضياتها، وهو ما يجعل ظهور المجتمع الأمريكي على غير ما يستبطنه، مما يجعل «الحلم الأمريكي» مجرّد وهم، ولهذا تتكرّر لازمة «لنعيد من البداية» على الأقل ثلاث مرّات.
من جهة أخرى يبدو هذا التبادل في الأدوار كأنّه تفكيك للمركزية الغربية المهيمنة، الكامنة تعبيراتها في الثنائيات التي تُثبِّت الصّدارة للأول وتنتزعها من الثاني ليتأسّس تابعا. فالأبيض والأسود، الشمال والجنوب، الأول دوما متصدّر للمشهد، لكن معرفية إيما في مقابل جهل تشارلي بالكتاب، وأيضا صمم إيما وعدم سماعها لصوت تشارلي بما يوحي بتجاهله، يقلب معادلة المركزية الغربية ويحيلها إلى الأطراف.
يعتمد الفيلم على الذّاكرة والتسجيل، إذ يقوم ريتشارد في البداية بتسجيل سردي لحكايته مع إيما في حضور صديقه كريس، وهنا يعود حضور المركزية الغربية، لأنّ ذاكرة الأبيض هي الفاعلة وتعتمد الكتابة، الكتابة باعتبارها فعل تأثير وهيمنة، إذ يعمد تشارلي الأبيض إلى تأكيد حضوره بالرّواية التي تتكرّس واقعا في وعي كريس لأنّه يساهم في تشكيلها لكن لصالح خطاب الأبيض، وتغيب روايته التي بالضرورة تلغي حضوره الفاعل في نسيج المجتمع الأمريكي باعتباره «الآخر» الذي يأتي على الدّوام تاليا في ثنائية المركزية الغربية.


لا يَثبُت الفيلم على مسار خطي للأحداث، بل تتناوبه استرجاعات تتخلل المَشَاهِد فتحيل المتلقي إلى انتقالات تثير أسئلة الثبات، ومن ثمة يقف الفيلم على التحوّل المتسارع اللامنطقي في مسار الحضارة الأمريكية، والغربية على العموم، تحوّل يعصف بالقيم ويحوّل الإنسان إلى أداة إنجاز، من دون تفكير، لأنّ كل شيء يتحرّك نحو اللاشيء مبرّرا بالمابعديات، لا مرجعية تحدّد المسارات، كل شيء سائل بتعبير زيجمونت باومان. فقدان المركز الصلب يعود إلى لازمة الفيلم «لنعيد من البداية». علاقة الحب تنتهي عند عتبة الزواج، عندما يتحكم فعل الخطاب المبني على المشاعر الحية المدفونة بتعبير فرويد والتي تعود للظهور أكثر سلبية في تحديد العلاقات، فسارة الطرف الأبيض في علاقة الزواج مع كريس، شخصيتان ثانويتان، في كلمتها في حفل زواج تشارلي وإيما تسترجع المشاعر الحقيقية والسلبية اتجاه إيما ذات الأصول السوداء، التي تشكلت منذ البوح بالحقائق في جلسة ثمالة، لحظة غير مخطط لها، وبالتالي، يقف الفيلم ربّما في لا وعيه على العنف الممنهج وغير المخطط له اتجاه كل من هو خارج دائرة الأبيض، الغربي، الذي تأسّس كمهيمن في فضاء العالم باعتباره صاحب السردية المسندة بالقوة، سارة ذات بشرة بيضاء من أصول أمريكية في مواجهة إيما ذات البشرة السّمراء في حفل الزفاف الذي هو الحفل المزيّف للقاء الأعراق في الحضارة الغربية النّاشئة ضمن مركزية مهيمنة، تهدم (سارة) بخطابها كل العلاقة المبنية على المشاعر والتواصل والتفاهم، لأنّ مصلحتها من الصداقة مع إيما لم تكن ذات جذور صلبة، لأنّ كل ما يحيطها سائل، فتحيل الزواج برمّته – وهو العلاقة المقدّسة – إلى شكوكية تحاول استعادة بعض توازنها في نهاية الفيلم عند جملة «لنعيد من البداية»، هذه الجملة تهدم مركزية الغرب في خطابه الوثوقي المبني على «الحضور» و»الموجود»، لا على عمق السبب فيهما وهو «الوجود».

يعتبر عنصر الأنثى في الفيلم عاملا محرّكا للأحداث، سواء عند الشّخصية الرّئيسية إيما أو الشّخصية الثانوية سارة، يتساوق ومنطق الأحداث المبني على حضارة تعدّدية في أعراقها ناعمة في شكلها تماما كما نعومة العنصر النّسوي وجمالياته الأنثوية التي لا يمكن الاستغناء عنها لأنها تستجيب لحاجة الآخر (الرجل) في إشباع الضرورة الناعمة في شخصيته، لكن هذا هو ما يظهر، أما ما خفي فيتشكل انطلاقا من حضور المرأة كهيمنة، باعتبارها عنصر إغراء يهدم مركزية الرّجل بأخطر الأسلحة الأنثوية، وكذلك الحضارة الغربية، تبدو ناعمة مغرية لكل البشر، لكنّها في الحقيقة قامت على العداء والهيمنة في التجلي الأبرز المتمثل في الاستعمار، الذي هو صناعة غربية بامتياز.
تستقر البؤرة المركزية في الفيلم في مشهد اجتماع إيما، تشارلي، سارة وكريس، وكان الفاصل فيها الثمالة، إذ بادر كل منهم إلى كشف لحظة حقيقة، فبدأت سارة، وعادت بالذّاكرة إلى الطفولة عندما أغلقت على أحد الأطفال المعوقين في خزانة، وتركته لمصيره لليلة، ولكنّها أخيرا قادت الباحثين عنه إلى مكانه، رغم فظاعة هذه الجزئية إلا انّها لم تثر في الحضور أي حالة من النفور الحاسم، تململوا ولكنّهم لم يَبُثوا في الإدانة، لأنّ الحادثة منفصلة عن ذاكرة الحاضر لدى سارة التي تمثل المركزية الغربية البيضاء. لمّا كشفت إيما عن لحظة حقيقتها الطفولية، وهي إطلاق رصاص في مدرستها، ويظهر تاليا أنّه اكتنفت طفولتها عدة اختلالات مسّت توازنها النّفسي، باعتبارها سوداء تعرّضت للتنمر، رغم ذلك، ورغم أنّ الجلسة كانت للمؤانسة، إلا أنّ هذا الاعتراف قَلَب الوضع رأسا على عقب، وتحوّل الحوار والاستذكار إلى محاكمة أخلاقية، لم تُثَر مثلها في واقع سارة، والتي ذُكِّرت بها في مشهد من مشاهد الفيلم، لمّا بالغت في موقفها العدائي والاتّهامي لإيما، وهو ما يكشف عن أهمية الفيلم في الإحالة إلى المركزية الغربية القائمة أساسا على الاستعمار والاستيطان، الإلغاء والإحلال، على البندقية وأثرها في التّقتيل من أجل الاستحواذ، كل هذا حاولت سارة أن تلصقه بإيما وتبرّئ ساحتها من فعلها الشّنيع بسجن المعاق في الخزانة، وهي إحالة إلى الحضارة الغربية المبنية على النقاء العرقي في الثنائية المركزية (أبيض أسود).
هذا المشهد أسّس خطابيا ووعيا للشكوكية القائمة في وعي الغرب، وكثف من تسليط الضّوء على «ميتافيزيقا الحضور» التي انتقدها دريدا استيحاء من هيدغر، التي تعتمد على أفلاطون في تعريفه للحقيقة باعتبارها «مطابقة الفكر للواقع»، أي ما هو موجود، ما هو حاضر، وما هو حاضر في المشهد السابق هو سارة التي تمتلك حق الإدانة، من دون أن تكون محلا لها، سارة البيضاء التي تقرّر بخطاب اتهامي «إرهابية» إيما في عنصر «البندقية» والتي صنّعها وروّج لها وباعها واستعملها الأبيض في غزوه للآخر واستعباده له واستيلائه على مقدّراته الطبيعية والاقتصادية.

كاتب جزائري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *